لم يكن المشهد الصادم والمقزِّز، الذي هال جميع السودانيين أول أمس، والمتمثل في ظهور مجموعةٍ داعشيةٍ مسلَّحةٍ ترتدي زيَّ الجيش، وهي تنحر شابًا وتذبحه من الوريد إلى الوريد، بزعم تعاونه السابق مع قوات الدعم السريع، مجرّدَ فعلِ قتلٍ ارتكبته مجموعةٌ صغيرةٌ معزولة، بل كان تجلّيًا لانحدار البلاد إلى براثن المجموعات الكيزانية الإرهابية المسلّحة، التي فرضت رؤاها على المشهد وسط صمتٍ، وخيانة من قادة الجيش المختطَف وسلطته الشكلية في بورتسودان؛ تلك السلطة التي شُكِّلت لتبرير الأكاذيب الكيزانية ببياناتٍ فارغة، وبيع أوهام الأمن لمواطنين أبرياء يعيشون تحت سكين “البراء” وبندقية المرتزقة!
وقد جاءت هذه الحادثة الشنيعة بعد أقل من أسبوع على زيارة كميل إدريس، ذلك الصنم الباهت، والصورة الأكثر عهرًا من نسخة البرهان الهاربة، حين قال وهو يختتم زيارته للعاصمة بأمدرمان: “أم درمان ستكون أكثر أمانًا من باريس”!
باريس مدينة الجمال والنور والأمن؟! قل غيرها يا رجل! ربما كنت تعني برلين عام 1945، أو كيغالي/ رواندا في العام 1994! باريس مرة واحدة، أيها الدعيّ الوضيع؟!
أي كذب هذا؟ وأي جلد سميك يغلف هذا الصنم الذي لا يملك طهارة الأصنام؟
إن هذه الدمية الشاحبة، التي تمثل صوت الانكسار والفراغ، وتدير مأساة وطن كامل دون أن تملك شرف اتخاذ قرار واحد يخصها. مهمته الأساسية هي الكذب – وأسوَأ أنواع الكذب: الكذب الرخيص – مع التلويح بالوعود الزائفة، والإنكار، والتستر على تحالفات سوداء مع كتائب الذبح والسلخ والسحل، والتغطية على المرتزقة والجهاديين الذين جلبوا إلى الخرطوم جحيم الحروب المتعددة.
إنه ثمرة الاتفاق الذي جاء به: إطلاق أذرع الإرهاب لتستبيح الأرض والناس، مع وجود يدٍ حاكمة مرتعشة تبرّر القتل والفوضى، وتروّج لأمل طويل لن يتحقق!
والأمر هنا لا يقتصر على الجريمة الوحشية، بل هو إعلان فاضح عن سقوط دمية سلطة بورتسودان وتحالفاتها السوداء مع الإرهاب؛ إذ كيف يُعقل أن تكون كتائب البراء بن مالك وأشباهها من الدواعش شركاء في مشهد “الأمن” المزيّف، وهم أنفسهم الذين يسنّون سكاكينهم على رقاب المواطنين الأبرياء؟
إن كميل إدريس، بعد تصريحه الفاضح والمستهتر هذا، أثبت أنه جزء لا يتجزأ من آلة القتل التي يديرها الكيزان؛ آلة لا تقيم وزنًا لحياة إنسان، وسلطة تبريرية تفسّر فرض الأمن بسفك الدماء المتدفقة من أعناق الشباب في أمدرمان!
في ظل هذا الدم المسفوح والسكين المسلولة على رقاب الأبرياء، لا مكان للمراوغات، ولا للوعود الزائفة، ولا للمخاتلة السياسية. هنا، حيث يفور الدم وتُختبر المروءات، تُقاس معادن الرجال!
وكميل هذا.. ليس فقط مجرد نرجسي تافه، بل هو مجرم غارق حتى أذنيه في دماء الضحايا، وشريك أصيل في الجريمة؛ يتنفس من رئة القتل، ويتغذى على أشلاء الأبرياء، ويكذب فوق جثثهم الممزقة بوجهٍ يقطر وقاحة، متدثرًا بعارٍ لن يمحوه إلا تراب الخيانة الذي وُلد منه.