لو كان الهزلُ رجلًا، لكان كامل إدريس صورته في المرآة. وهو، مع كل يوم يمضي، يتضح أنّه أكثر هَبَلًا وتفاهةً من اليوم الذي سبقه؛ يزداد سفهًا مع الأيام كما تزداد النار اشتعالًا إذا صُبّ عليها الزيت.
لا يمكن لأيّ عاقل أن يتعامل معه على أنّه شخص طبيعي، إذ يطلّ علينا كل صباح بجرعة جديدة من الخِفّة والخَطَل . وآخر تجلّياته في هذا المضمار كان مسرحها مصر، التي يزورها هذه الأيام في أول رحلة خارجية له منذ أن اختاره البرهان دميةً تمثّله شكليًا، وتمثّل بنا فعليًا!
يومان قضاهما في القاهرة حتى الآن، لم نَرَ فيهما إلّا الخواء واللاشيء؛ لا توقيع اتفاقيات، ولا لقاءات ذات أثر، ولا حتى جملة واحدة ترفع معنويات مواطنٍ يلهث خلف رغيفه وأمنه.
ولكن، وحتى لا نظلمه – والظلم ظلمات- فلعلّه يعاني من فراغ قاتل؛ وهو يعلم، أكثر منّا جميعًا بشؤون وظيفته، ويعلم أنّه لا حكومة في بورتسودان، ولا وزراء يترأسهم، وأنّ وظيفته لا تتعدّى تمثيل الدور وشَغْل الخانة. وهذا ما يجعله غارقًا في هذا الفراغ حتى أذنيه، فيخرج إلى الناس، لا ليفعل شيئًا من أجلهم كما يتوقعون، بل ليبدّد الوقت ويتحدّى الملل!
وهذا الفراغ القاتل هو الذي أفرز ما نحن بصدده اليوم. فقد شهدت زيارته لمصر حدثين مهمّين في نظره، فارغين بحساب منصبه الرمزي إلى درجة تستفزّ الخيال.
الحدث الأول: زيارته لمقهى يرتاده بعض السودانيين الميسورين نسبيًّا، يلفظون دخان الشيشة كما يلفظون هموم الوطن؛ حيث يملأ الدخان المكان، ويختلط الحديث عن الوطن برائحة المعسّل. لا جولات في أحياء الفقراء، ولا تفقد لأحوال اللاجئين الواقفين على أبواب مفوضية الذلّ، بل ممارسة هواية تمضية الوقت، وربما الاطمئنان على أنّ الفحم ما زال مشتعلًا، وأنّ “الكركديه” يُقدَّم باردًا لرعايا “دولته” التي قزّمها وليّه البرهان إلى هذه الحدود الدنيا .. والدنيئة!
والحدث الثاني؛ هو تجسيده دور “المأذون”. ولكن، والحق يُقال، لقد أجاد الدور أيّما إجادة؛ إذ ظهر في عقد قران ابن السفير السوداني ممسكًا بالمنديل والميكروفون، لم يكن ينقصه إلا طربوش على رأسه ليصبح مأذونًا كامل الأوصاف، إذ كان يطلق الدعوات للعروسين بأن يعيشا في تباتٍ ونبات، ويُرزقا أولادًا وبنات! في لحظة تجلٍّ صادقة أثبتت كفاءته في وظيفة تليق به، كما أثبتت صدق المثل الشعبي القائل: “الفاضي يهمّز أمه.”!
إنّ المأساة ليست في الحدثين نفسيهما، بل في رمزيتهما؛ فحين يتحوّل رأس السلطة التنفيذية – ولو كان رمزيًا – إلى متسكّع في المقاهي وحفلات الزفاف، فإن الرسالة للشعب واضحة وضوح الشمس: لا تراهنوا على هذا الكرسي.
في أزمنة الكوارث، حين تتصدّع الأوطان وتتشرّد شعوبها، يحتاج الناس إلى قادة حقيقيين يتقدّمون الصفوف، لا إلى مهرّجين وأراجوزات يملؤون الفراغ بحركات بهلوانية. وكميل إدريس، وهو يطوف بين الشيشة وطقوس الزواج، يختصر حال سلطة بورتسودان: انصراف عن الجوهر، وإدمان على المظاهر، وإجادة إهدار الوقت في ملذات العدم!