البرهان التقى السيسي سراً عشية انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر
تقرير: راينو
في ظل احتدام الصراع الذي يعصف بالسودان، تتزايد حدة الجدل حول الدور المصري في الأزمة، وتثير اتهامات مباشرة لدعم الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه قلقاً واسعاً على مستقبل العلاقات الثنائية والاستقرار الإقليمي. وتأتي هذه الاتهامات متزامنة مع زيارات متكررة لرئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى القاهرة، في توقيتات حرجة شهدت تحولات كبرى في المشهد السوداني.
اتهامات صريحة ودلائل صادمة:
ففي ثاني أكبر تصريحات الدعم السريع، كشف الناطق الرسمي باسمها عن أدلة مادية تُدين الحكومة المصرية. محددا إياها في مركبات مدرعة، ذخائر، طائرات، مسيّرات، وأسلحة صنعتها القاهرة، وقال إنه قواته عثرت على مركبات قتالية مصفحة وأسلحة وذخائر مصرية في محور كردفان. وقال بيان للناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع، الفاتح قرشي، إنهم حصلوا على “أدلة مادية دامغة” عقب المعارك في مناطق كردفان، تكشف “تورط الحكومة المصرية في دعم الحرب ضد الشعب السوداني”.
وكان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو قد اتهم في أكتوبر الماضي طيران الجيش المصري بقصف قواته في مناطق جبل موية بولاية سنار. وقال دقلو وقتها إن الطيران الحربي المصري قصف قواته مرتين؛ الأولى في اللحظات الأولى لاندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، متهمًا إياه بقصف قواته التي كانت بصدد التفويج للمشاركة في حرب التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، والمرة الثانية أثناء المعارك في جبل موية.
وعلى خلفية تلك الاتهامات اصدر قائد قوات الدعم السريع توجيهاته باغلاق الباب أمام الصادرات السودانية أمام مصر. وقتها نفت الخارجية المصرية ما وصفتها بـ”مزاعم قائد ميليشيا الدعم السريع”، وقالت في بيان لها إن الادعاءات تأتي في وقت تكثف فيه مصر جهودها لوقف الحرب في السودان وحماية المدنيين، بالإضافة إلى تعزيز الاستجابة الدولية لخطط الإغاثة الإنسانية للمتضررين من النزاع في السودان.
إتهامات الدعم السريع ذهبت إلى أن قادة من الجيش وقعوا في الأسر، اعترفوا دون مواربة بتورط مصر في رسم خطوط الإمداد، وتوفير التدريب والدعم الدبلوماسي والإعلامي والطبي. ووفقاً للمعلومات الواردة، فقد وُثّق بالدليل القاطع تسليم مصر ثماني طائرات K-8 للجيش السوداني في أغسطس من العام الماضي، وهي طائرات شاركت في قصف المدنيين في دارفور والخرطوم وسنار ونيالا والضعين ومليط والكومة. ولم تكتفِ الاتهامات بمدّ السلاح، بل تشير إلى توفير “قنابل أمريكية الصنع، بزنة 250 كغم، مزّقت منازل الأبرياء وأحالت الأسواق والمنشآت إلى ركام”.
وحملت قوات الدعم السريع النظام المصري المسؤولية الكاملة عن هذه “المجازر”، ووصفت دعمها لنظام “الخراب الكيزاني” بأنه “عدوان مباشر، يستدعي إدانة دولية وتدخلاً عاجلاً لوقف جرائمه ومحاسبة المتورطين”.
ومايزال كثيرون يستدعون حادثة مطار مروي، التي حاصرت فيها قوات الدعم السريع المطار وأفشلت خطّة مصرية كانت تهدف لضربها عبر طائرات رابضة على المدرج، قبل اندلاع الحرب بأيام. وتم وقتها اعتُقال ضباط مصريين، وتم بذلك إجهاض المشاركة المصرية المبكرة في الحرب، لكنها لم تتأخر كثيراً، إذ سرعان ما عادت القاهرة لتُسهم بفاعلية في القصف الجوي، لا سيما في جبل مويه بولاية سنار.
وفي هذا السياق، أشار، الناطق الرسمي باسم القوى المدنية المتحدة “قمم”، عثمان عبد الرحمن سليمان في تصريح خاص لـ”راينو” إلى “قلق شديد إزاء المعلومات التي تؤكد تورط مصر في دعم الجيش السوداني والميليشيات المتحالفة معه”. واعتبر سليمان أن هذا السلوك يجعل مصر “عدواً للشعب السوداني قبل كل شيء”، وأن “النظام المصري برهن للجميع بأنه غير حريص على استقرار وأمن السودان لأنه يعلم تماما أن هذه الأسلحة تستخدم في قتل وتشريد الشعب السوداني خاصة الطائرات المسيرة”.
لماذا تهتم مصر بالسودان؟:
على النقيض من هذه الاتهامات الصريحة، تلتزم القاهرة بالنفي الرسمي المتكرر بشأن تقديم دعم عسكري مباشر لأي طرف في النزاع. وتؤكد وزارة الخارجية المصرية والقوات المسلحة المصرية أن موقفها يتركز على دعم وحدة واستقرار الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، وأنها ملتزمة بجهود وقف الحرب وحماية المدنيين. وتشير القاهرة إلى أنها تدعم الحل السياسي وتسعى لتعزيز الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار.
بعيداً عن البيانات الرسمية قريبا من الوقائع، يذهب المحللون إ‘لى أن ثمة العديد من الدوافع الاستراتيجية وراء أي دعم مصري محتمل للجيش السوداني. ويرى المحل السياسي إيهاب الحسن في حديثه لـ”راينو” أن نهر النيل وهاجس الأمن المائي لدى مصر مقدم على ما عداه من ملفات، وقال: تُعد مياه النيل مسألة أمن قومي لمصر. وبما أن أكثر من 80% من مياه النيل تمر عبر السودان، فإن القاهرة تعتبر الخرطوم شريكاً حاسماً أو تهديداً محتملاً، وتسعى لضمان حصتها التاريخية وتحييد أي تقارب سوداني إثيوبي قد يؤثر على مصالحها المائية، خاصة في ظل التوتر حول سد النهضة، بالتالي فإنها في سبيل ذلك يمكنها أن تساند الجيش بحكم أنها تعتبره المؤسسة الشرعية في سياق احتواء له أبعاده عن اي تقارب مع أديس ابابا يجعله مرنا في ملف مياه النيل، وفي سياق الخلاف حول سد النهضة، تسعى مصر إلى تحييد السودان عن أي محور إثيوبي، وتعمل على ضمان ألا يتحول الخرطوم إلى حليف لأديس أبابا ضد القاهرة. وتابع: كذلك النفوذ الإقليمي والتحكم في التوازنات حيث ترغب مصر في بقاء السودان ضمن دائرة نفوذها السياسي، ولذلك تفضل دعم القيادة العسكرية السودانية كشريك أكثر قابلية للتنسيق، وتتحفظ على صعود قوى مدنية أو ثورية قد تتبنى مواقف مستقلة أو تنفتح على قوى إقليمية منافسة. وابان الحسن أن مصر تمتلك مصر مصالح اقتصادية وزراعية واسعة في السودان، الذي يمتلك أراضي خصبة وموارد وفيرة، واضاف: بالتالي تسعى القاهرة لتعزيز الاستثمارات الزراعية وضمان تدفق الإمدادات الغذائية الحيوية.
وشدد إيهاب على أن نظرة القاهرة ذات الابعاد الاستراتيجية تسعى لاحتواء الخرطوم بأي شكل في سبيل عدم إثارة اي ملفات خلافية واضاف: تُعد منطقة حلايب وشلاتين قضية خلافية مزمنة، وتراقب القاهرة أي تحولات سياسية في السودان قد تعيد إثارة هذا الملف، لذا ستقطع الطريق امام اي تغيير سياسي أو عسكري يفضي لاثارة هذا الملف.
زيارات البرهان دلالات التنسيق الوثيق:
تُشكل الزيارات المتكررة للفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة نقطة محورية في الجدل، حيث غالباً ما تتزامن مع تطورات مفصلية في المشهد السوداني أو بعد انتصارات عسكرية للجيش. وطبقا لمتابعات”راينو” استبق البرهان فض اعتصام القيادة العامة ومذبحتها في 3 يونيو 2019م بزيارة خاطفة للقاهرة وإن اتخذت طابعات سريا، كذلك قبيل انقلاب 25 اكتوبر..
حالياً وفي أواخر أبريل 2025، وخلال زيارات سابقة، ركزت المباحثات بين البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على مستجدات الوضع الميداني، ومستقبل التعاون العسكري والأمني، بالإضافة إلى قضايا استراتيجية مشتركة مثل أمن البحر الأحمر ومياه النيل. ويعتبر المراقبون هذه الزيارات، بالإضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة مثل “نسور النيل”، كإشارة على التنسيق الوثيق وطلب الدعم من قبل القيادة العسكرية السودانية.
وبحسب رصد “راينو” فإنه وخلال احتدام المعارك العسكرية في كل المحاور خلال بدايات هذا العام أورد الصحفي المحسوب على النظام المباد عبد الماجد عبد الحميد تفاصيل زيارة مدتها ساعتين، بحث خلالها البرهان تفعيل ما يعرف باتفاقيات الدفاع المشترك. وعقب عودة البرهان رشحت الاسافير بأن الدعم السريع لا يمكنه دخول الشمالية ونهخر النيل لأن مصر ستقوم بالرد.
تعاون عسكري أم تبعية مؤسسية وعمالة؟:
المحلل السياسي عمر سفيان سالم يذهب في حديثه لـ”راينو” إلى أن أي تحليل يستبعد العلاقات الوثيقة والمرحلة منذ حقبة ما قبل الاستقلال بين الجيشين المصري والسوداني يعد منقوصا، وقال: الملاحظ أن التصعيد للرتب الكبيرة والاقتراب من حلقة رئاسة هيئة الاركان في الجيش السوداني يجب أن تمر عبر بوابة أكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر، التي تعد واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية العسكرية في العالم العربي، حيث تُقدم برامج متقدمة في مجالات الاستراتيجية والأمن القومي لكبار الضباط من دول عدة، من بينها السودان لكن الضباط السودانيين وكأنه لزاما أو أمرا حتميا مرورهم عبرها. ويأتي خضوع كبار الضباط السودانيين للتدريب في هذه الأكاديمية ضمن سياق طويل من التعاون بين المؤسستين العسكريتين في البلدين. وتابع: كما تستند هذه العلاقة إلى مصالح أمنية مشتركة، أبرزها أمن البحر الأحمر، وقضية مياه النيل، ومكافحة الإرهاب.
واعتبر سالم أن كل ذلك يبدو طبيعيا حال لم تبرز حالة التبعية المفرطة لجنرالات الجيش السوداني في مختلف العهود تجاه القيادات العسكرية والسياسية المصرية، مما يفتح الباب أمام احتمالات عمالة مؤسسية وليست عمالة افراد، اي ولاء وتبعية واستصحاب مصالح غير مصالح الوطن فقط، وقال: ورغم ما توفره هذه الدورات من مكاسب في التأهيل والتفكير الاستراتيجي، تبرز جملة من المخاطر التي تثير القلق، خاصة في ظل تعقيدات الوضع الراهن في السودان أبرزها التأثير على استقلالية القرار العسكري السوداني، مع احتمالية تبني عقائد أو توجهات مصرية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح السودان. كذلك من المخاطر تعزيز دور المؤسسة العسكرية في السياسة، بما قد يعرقل جهود الانتقال الديمقراطي في البلاد وهو ما حدث حرفياً بفض الاعتصام والانقلاب في 25 أكتوبر وقبلها بانقلابات ضد الديمقراطيات الناشئة، فضلاً عن إثارة الانقسامات الداخلية، إذ قد يُنظر للتدريب كاصطفاف سياسي، مما يفاقم الاستقطاب بين الأطراف السودانية. ايضا مخاوف سيادية، في وقت حساس من تاريخ السودان، يُثير الاعتماد العسكري الخارجي تساؤلات حول المسار الوطني المستقل. بالاضافة إلى أثر العلاقات الإقليمية، في ظل تنافس بعض القوى الإقليمية على النفوذ داخل السودان.
ويرى سفيان ان الجيش ليس وحده الذي اضحى مرتعا للقرارات المصرية، ويذهب إلى أهمية رصد ومتابعة سلوك القيادات الأعلى في وزارة الري أو الزراعة في مختلف العهود، وقال: من الواضح أن تلك الدائرة ايضا وبحكم ارتباط الززراعة ومشاريع الري بالنيل ستكون مصر لها سطوتها عليهم بل وسيطرتها عليهم بدليل حرائق الزراعة للقطن والنخيل المتكررة، فضلا عن تعثر عمليات الري المنتظم رغم وجود نيلين في السودان، كل ذلك يفتح ابوابا مشرعة للشكوك.
دماء السودانيين وانهيار الدولة:
من منظور القوى المدنية في السودان، فإن هذا الدعم قد حول “الدور المصري في السودان إلى أكثر من تدخل خارجي؛ إنه شراكة كاملة في الحرب، وإدارة مخططة للفوضى”، مقابل “مياه متدفقة شمالاً بلا حسيب أو رقيب، وذهبٍ سوداني لا ينضب، وأراضٍ زراعية بملايين الأفدنة، ومواشي مسروقة، وأموال مزورة، واستحواذٍ تام على القرار السياسي في سلطة بورتسودان”. ويتهم البعض مصر بـ”تعيين الوزراء وعزلهم، ورسم السياسات، وإعادة إنتاج بقايا النظام البائد”، ورعاية “مشروع عودة الاستبداد حتى لو كان الثمن دماء السودانيين وأشلاؤهم”.
وأكد عثمان عبد الرحمن أن “ما انكشف حتى الآن ليس إلا رأس جبل الجليد”، وأن “المعلومات المسربة كفيلة بإدانة مصر بالتخطيط للحرب وتغذيتها، وهي تفعل كل ذلك لمنع ولادة نظام ديمقراطي تعددي في السودان، قد يهدد مصالحها في نهب الثروات والسيطرة على السيادة”.
وتذهب الاتهامات إلى أن “مصر لا تكتفي بإشعال الحريق، بل تمضي قدماً في طمس هوية حلايب، وفرض ثقافة دخيلة على سكانها الأصليين من قومية البجا، في محاولة ممنهجة للتمصير القسري”. عموماً يستمر الجدل حول الدور المصري في الأزمة السودانية، في ظل اتهامات متزايدة من قوى مدنية سودانية ودعوات
الدعم السريع بتورط القاهرة في دعم الجيش السوداني وما وصفوه بـ”إطالة أمد الحرب”. وفي حين تنفي مصر هذه الاتهامات وتؤكد دعمها لوحدة السودان واستقراره، تبقى زيارات البرهان المتكررة إلى القاهرة والمصالح الجيوستراتيجية المعقدة بين البلدين محور اهتمام وتحليل. ويبقى الشعب السوداني هو المتضرر الأكبر من استمرار الصراع، وسط دعوات متصاعدة للمحاسبة الدولية ووقف كل أشكال التدخلات الخارجية المزعومة.