لا ضحك في زمن الحرب، ولا متّسع لنُكات المقاهي؛ فالبلاد ترتدي كفنها، مضرّجة بدماء أهلها، مختنقة بدخان الحرب التي أشعلها الكيزان وعسكرهم ومرتزقتهم. ومع ذلك، لا بأس من قصة؛ لا من باب التسلية، بل لعلّ فيها عظةً وعبرة، ولا عبرةَ لمن لا يعتبر!
يُروى أن رجلًا من جنوب البلاد عضّه كلب في أحد أحياء الخرطوم الطرفية. جُرح المسكين، وسالت دماؤه، فهرع إلى طبيبٍ طبّبه، ثم أسدى إليه نصيحة بسيطة: ” تأكّد أن الكلب ما زال حيًّا، فربما كان مسعورًا”. عاد الرجل إلى بيته، وبعد أيام، مدفوعًا بالألم، وربما الغباء، خرج وجرحه لم يبرأ بعد، وذهب إلى الشارع ذاته يبحث عن الكلب. فوجده. ولكن الكلب عضّه مرّةً أخرى. وهذه المرّة، لم تكن مجرد جروح بسيطة، بل خرج الرجل بجراحٍ غائرة، ونُباحٍ دائم، وذيلٍ وهميّ لا يكفّ عن الاهتزاز خلفه.
هكذا هو حال البرهان وجيشه ومليشياته، وكتائب كيزانه ومرتزقتهم. قبل أيام فقط، دُحروا في أم صميمة شرّ هزيمة، وفقدوا المئات من جنودهم في واحدة من أكبر معارك الحرب. لكن، ويا للعجب، لم تمضِ ثلاثة أسابيع حتى عادوا إلى المكان ذاته، بخططٍ هي نفسها، وبجنودٍ من نفس الشاكلة، أنهكهم التيه والضياع، فكانت النتيجة… هزيمةٌ أعظم، ونُباحٌ أعلى!
ونروي القصة هنا؛ للمثل، لا المماثلة؛ فلا أحد يشبّه الجيش بذلك الجنوبي الطيّب، ولا الدعم السريع بالكلب، حاشا لله. بل إنّ جنود الدعم السريع، ومهما اختلف حولهم الناس، فإنهم لا يُقارنون بسوء ولؤم الكيزان، وجبنهم، بل هم أشدّ الرجال وأشجعهم. أما ذلك الجنوبي، فكان بريئًا، لا قاتلًا مأجورًا، ولا أداةً في يد تنظيم انقلابيٍّ حائر!
والأمر هنا، لا يحتاج إلى تفسير: قيادة قرّرت أن تقود جنودها إلى التهلكة، مرارًا وتكرارًا، عنادًا لا عقلًا، وانتحارًا لا بطولة.
فما الذي يريده البرهان وكيزانه من هذه المهزلة المتكررة؟ هل يُراهنون على معجزةٍ تهبط من سماءٍ لا يسمعها أحد؟ هل يظنون أن القتل المتراكم، والهزائم المتلاحقة، ستتحوّل إلى نصرٍ بمرور الزمن؟ أما آن لهذا العبث أن يتوقّف؟
لقد تحوّلت معاركهم من حربٍ لاستعادة سلطةٍ ساقطة – لن تعود – إلى ملهاة عبثية، عنوانها: “كيف نخسر الحرب مرتين في الشهر ذاته؟.”
وهاهي الخيارات تضيق أمام البرهان، وإذا استمر الأمر بنفس المتوالية الغبية هذه: فلن يكون الخيار أمامه: بين السلام أو الحرب، بل بين السلام أو الاستسلام، والفرق شاسع!
هذا ما يراه كلّ من وضع الله في رأسه عقلًا، وفي قلبه ذرةً من ضمير. لكنّ القوم، وقد عضّهم الجنون، لم يعودوا يميّزون بين النُباح والهُتاف.