السودان

منعم سليمان يكتب: مدنية الوهم: سلطة كميل.. ولجنة جابر!

بقلم: منعم سليمان

هناك في بورتسودان، حيث تقيم الحكومة المُعلّقة على مشجب الوهم، كل شيء يدعو للضحك والبكاء في آنٍ معًا. هناك، حيث يقف البرهان على أنقاض السودان كبائع أوهامٍ محترف، تُصاغ المشاهد كما تُصاغ المسرحيات الرديئة: أصواتٌ مرتفعة، أضواءٌ مُسلَّطة، ثم لا شيء خلف الستار… لا شيء سوى العسكر والكيزان!

خذ هذه النكتة الثقيلة: قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي أقسم قبل سنوات أنه “سيُسلّم السلطة”، قرّر تشكيل حكومة، فجاء بدميةٍ يصوغها كما يشاء، فتتشكل له كما يريد. لكنه سرعان ما أصابه الملل من لعب هذه اللعبة الثقيلة، بعدما أدرك أنها لا تحفّز شيئًا سوى التثاؤب، فنسي أمرها، وقرّر تشكيل لجنةٍ عليا لإعادة الحياة إلى الخرطوم، يرأسها الجنرال إبراهيم جابر، أحد الحراس القدامى منذ أيام المجلس العسكري، لمشروع الحكم العسكري الكيزاني. بل هو أنموذج ساطع لهذا المشروع؛ إذ إنه كوزٌ وعسكري في آنٍ معًا، وفاسدٌ أيضًا… جدًا.

كميل إدريس، الذي جِيءَ به من غياهب الذاكرة السياسية كنسخة كاريكاتيرية من حمدوك، هو أول من يعلم أنه مجرد “كومبارس” في هذا المشهد الهزلي؛ لا ليحكم أو ينطق، بل ليُعرض في فترينة العرض، لتسويق فكرة “المدنية” ومحاولة بيعها في أسواق المبادرات الإقليمية البائرة، التي لم يعد أحد يشتري منها.

المفارقة المؤلمة أنه يؤدي دوره بصورة فاحشة، موغلة في العُهر. زار الخرطوم أمس، وهو يعلم تمامًا أن القرار السياسي قد سبقه إلى هناك، ولم يكن في استقباله سوى الركام. فقد سبقه الكوز جابر، لا بقدميه، بل بقراراته، وأوامره، ولجنته “العليا”، التي لم يُترك لإدريس فيها حتى مقعد المتفرجين. فجلس هناك حسيرًا، كسيرًا، وحيدًا، إلا من ابن أخٍ له يعاني هو الآخر من نفس الأعراض، لتكشف الصورة عن مرضٍ وراثيٍّ خطير، لم يكن مرئيًّا بهذا التورم الخبيث من قبل!

وأخيرًا، الخرطوم لا تحتاج إلى إعمار، بل إلى فكاك؛ فكاكٍ من الحرب أولًا، ومن عبء الكذبة الكبرى التي تُسمّى “حكومة”، وهي في جوهرها قناع هشّ يُخفي ملامح الانقلاب والخراب المتناسل منه. والمفارقة الفاجعة أن من يرفعون شعار “العودة إلى الحياة”، هم أنفسهم من وأدوا روح الشعب، وخنقوا أنفاس الحياة، ودفنوا فكرة الوطن والدولة في رمال بورتسودان اللاهبة.

هذا ليس تعميرًا… بل اغتصاب كامل لوطنٍ يُؤخذ عنوة، ويُداس بثيابٍ مدنية زائفة، ترتديها دُمية… تُدعى كميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار