في مسرح كرتي/البرهان المقام في بورتسودان، حيث تصعد المأساة الخشبة في هيئة ملهاة، لا يتورع كميل إدريس – الممثل ثقيل الظل، والحالم الأبدي برئاسةٍ لا يملك لها فكرًا، ولا حزبًا، ولا مشروعًا، ولا حتى شارعًا – عن أن يبهرنا بقدراته الخارقة على اجتراح الأسوأ. وآخر تجلّياته في فن اختيار اللاشيء تمثّل في تسمية الدكتور “معز عمر بخيت” وزيرًا للصحة في حكومته المزمعة المتوهّمة!
لكن لا عجب ولا دهشة؛ فالاختيار “صادف أهله” تمامًا. لا لأن معز جدير بوزارة تُداوي الأجساد والعقول، بل لأنه يستوفي شروط كميل كما رسمها “أصحاب الولاية الحقيقية” على حكومته المتخيّلة.
تلك الشروط باختصار: إما أن يكون الوزير كوزًا – بشرط ألا يكون من أصحاب اللحى الكثيفة والوجوه المحروقة في ذاكرة الثورة – أو من أسرة كيزانية بالميلاد، أو انتهازيًّا بلا ملامح، يعاني من فقرٍ حاد في المبادئ، ويشعّ بريقًا كاذبًا من حبّ المناصب ولهاثٍ خلف الألقاب المفخّمة، كما يلهث العاشق خلف سراب المحبوبة.
ومعز عمر بخيت، الذي لي معه صولات وجولات في ساحات “سودانيز أونلاين” قبل عقدين من الزمان، قبل أن يُخرج لنا السيد “زوكربيرغ” جحافل الحمقى من فيسبوكه، يحقّق الشرطين الأخيرين بامتياز: فهو نرجسي وانتهازي بارع في تسويق ذاته، يجيد الاصطفاف خلف الضوء، ولو كان ضوءًا زائفًا ينبعث من شاشة مهرجانٍ بلا جمهور.
فشل كمناضل، لأنه بتنشئته لم يكن مناضلًا يومًا.
وفشل كشاعر، عندما خرج علينا بشيءٍ هجينٍ بين التغنّي بالذات والرطانة العلمية المتكلفة.
وفشل حتى كإنسان، لأنه آثر الصورة على المبدأ، واللقب على القيمة. يحمل همّ “ماركته الشخصية”، ويبيع الهواء ملوَّنًا بمعادلات بيولوجية جافّة.
وكان لا بدّ له، بهذه السويّة الشخصية المشوّهة، أن ينتهي به المطاف على أعتاب مسطبة شبيهه كميل، والتي وجد فيها -أخيرًا- قاعة للعرض تناسب “أناه” المتضخّمة!
أمّا عن الشرط الأهم وهي جذوره، فلا تحتاج إلى حفريات عميقة: فهو ينتمي إلى أسرة كيزانية صميمة؛ فوالده، القاضي السابق، كوزٌ مخضرم، كان أحد مؤسّسي الجبهة القومية الإسلامية.
أي أن الدكتور معز جاء من رحم “المشروع الحضاري” نفسه، لا من المتاريس و”لساتك” الثورة.
والمصيبة ليست في كل ما سبق، بل في أنه يشبه صنوَه كميل حدَّ التطابق! فإذا كان كميل يتصف بالشيفونية والعبط و”الهَبَل المُنمّق”، فإن معز توأمه الروحي: نرجسية زجاجية، تعاظم ذاتي، وعشقٌ مرضيٌّ للأضواء.
كلاهما منتفخ فراغًا، وأجوفٌ مشغولٌ بجمال الصورة لا بصدق الفكرة، مُتيّم بلغة التلميع، تائه بين عقدة التفوّق والتصفيق الرخيص. وكلاهما لا علاقة له بقضايا الوطن والمواطن، بل يدخلانها كمسابقةٍ للوجاهة ونيل اللقب!
إنه مسرح العبث والكوميديا السوداء، وليس لنا إلا أن نضحك، إذ لا جدوى من البكاء على عرضٍ مسرحيٍّ كلُّ ممثليه من ورق: مخرجُه برهان، وحكومتُه من دخان، ووزراؤه كيزان، و Pro-Kizan يرتدون الكرافتات لزوم التنكّر والخداع!