في مشهد آخذ في التعقيد، يتكاثف فيه غبار المدافع مع رماد المدن المحترقة، خرج تحالف “تأسيس” من رحم الحرب، لا ليعلن فقط تشكّل قيادته، بل ليعيد تشكيل خارطة الصراع في السودان، جغرافياً وزمانياً. ففي لحظة ملتهبة من تاريخ البلاد، جاءت المفاجأة: إعلان هيئة قيادة التحالف برئاسة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، من نيالا، قلب دارفور، في خطوة حملت من الدلالات ما يتجاوز السياسي والعسكري، إلى ما هو رمزي واستراتيجي عميق.
من نيروبي إلى نيالا.. الخرائط تُرسَم تحت أقدام المحاربين:
في حين لا تزال قوات الدعم السريع تُمسك بخيوط المعركة ميدانياً، كانت، على جانب آخر، ترسم خطوطًا سياسية جديدة عبر منصة “تأسيس”. هذا التحالف الذي تأسس رسميًا في 22 فبراير 2025 من نيروبي، عاصمة كينيا، بدا في لحظته الأولى كائتلاف سياسي مضاد للجيش، ضمّ إليه قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والجبهة الثورية، وتيارات عريضة من الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي، إلى جانب قوى مدنية وقبلية متنوعة.
لكنّ مشهد الإعلان الأخير لم ينبثق من المنافي ولا العواصم المحايدة، بل من عمق الجغرافيا التي تحترق، نيالا، إحدى حواضر دارفور. ومن هناك، تحت حراسة مشددة، أُعلن عن تشكيل الهيئة القيادية، حميدتي رئيساً، الحلو نائباً له، مكين حامد تيراب مقرّراً، وعلاء الدين نقد ناطقاً رسمياً. بذلك، تحوّلت “تأسيس” من فكرة تتداولها النخب السياسية، إلى واقع يفرض نفسه من قلب جغرافيا الحرب.
هذا الانتقال من نيروبي إلى نيالا، في توقيت بالغ الحساسية، لا يُقرأ بوصفه اختياراً عابراً، بل إعلاناً عن الانتقال من التنظير إلى تثبيت الأقدام في الأرض. لا حديث عن مرحلة ما بعد الحرب من دون هذا المعسكر، ولا تسوية من دون مقعد لـ”تأسيس” على مائدة المصير الوطني.
رؤية تأسيسية لإعادة صياغة الوطن:
يقول القيادي في التحالف، سليمان صندل، إن التكتل لا يسعى لمجرد تمثيل سياسي، بل لإطلاق “عملية التغيير” وتعبئة جماهيرية شاملة، هدفها ليس وقف الحرب فقط، بل إعادة تأسيس السودان من جديد. من جهته، يرى الناطق الرسمي باسم “قمم”، عثمان عبد الرحمن سليمان، أن الإعلان عن الهيئة القيادية أجهض كل الشائعات عن وجود خلافات داخل التحالف، بل أعاد الأمل إلى مجتمع الهامش، وغيّر من معادلة القوة على الأرض.
ويمضي سليمان إلى القول إن الأمن النسبي الذي تشهده دارفور بعد انتشار قوات الدعم السريع، يؤشر إلى أن البلاد ماضية بخطى ثابتة نحو إعلان حكومة السلام والوحدة، وأن المؤتمر الصحفي في نيالا مثّل ضربة قوية لكل من يلوّح بعرقلة المسار السياسي.
وتذهب التحليلات إلى أن التوقيت تم اختياره بعناية، ففيه رسالة لمن اشرفوا على الاجتماع الثلاثي الذي ضم البرهان وحفتر، ومؤداها أن المناطق الحدودية الأكبر تاثيراً في يد التحالف الذي تم إعلان قيادته، وبالتالي فإن من يبحث عن حل عليه التواصل مع تلك القيادة. ويذهب أنصار ذلك التحليل إلى أن ارتباط التوقيت بالتفاعلات الإقليمية ليس عبثا وإنما أمر مقصود بعناية إذ كيف سيتم تجاوز هذا التحالف في اي معادلة بالمنطقة.
مشروع سياسي وسط أنقاض الحرب:
وتبنّى التحالف ما أسماه “ميثاق السودان التأسيسي”، وهو وثيقة سياسية تنبض بالطموح وتنفصل عن ماضٍ مرير. فقد نصّ الميثاق على بناء دولة علمانية، ديمقراطية، فدرالية، موحدة طوعاً، قائمة على مركزية الحقوق، وإلغاء الهويات المفروضة، وضمان العدالة الاجتماعية. أما من الناحية العسكرية، فقد أقر الميثاق إنشاء مركز قيادي موحد يضم مجلسًا للأمن والدفاع وهيئات عسكرية من مختلف الفصائل الموقعة، وهو ما يشير إلى تلاحم المشروع السياسي مع القوة العسكرية في آن واحد. وقد قُسمت الفترة الانتقالية إلى مرحلتين: “ما قبل الانتقال التأسيسي” والتي تستمر حتى إعلان وقف الحرب، و”الفترة التأسيسية” التي تمتد لعشر سنوات، هدفها إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تُراعي التنوع وتكسر المركزية التي ظلت تُثقل كاهل السودان لعقود.
“حكومة السلام”.. بين الحلم السياسي والمخاض الأمني:
وبحسب مصادر داخل التحالف تحدثت إلى “راينو”، فإن العمل جارٍ على قدم وساق، وإن بصمت، لتشكيل “حكومة السلام”، التي ستدير فعليًا المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع وحلفائه. ورغم النفي الرسمي لوجود خلافات داخلية، إلا أن مراقبين يرون أن إدارة هذا التنوع السياسي والفصائلي لن تكون مهمة يسيرة، لاسيما في ظل وجود رؤى متباينة بين حميدتي، الذي يرتكز على تحالفات قبلية واقتصاد حرب، والحلو، الذي يضع نصب عينيه مشروعاً علمانياً لا مركزياً، فضلاً عن رموز الأمة والاتحادي الذين انخرطوا في التحالف.
تجاهل رسمي وقلق مكتوم من تحوّل جيوسياسي عميق:
في المقابل، قابلت مكونات معسكر الجيش الإعلان بالتجاهل، كما فعلت سابقاً في تعاطيها مع تقدم الدعم السريع. لكن تحت هذا البرود الظاهري، يقول مراقبون إن ثمة قلقًا حقيقيًا، خصوصًا داخل أوساط الحركة الإسلامية، من أن يكون الإعلان تمهيداً لتقويض ما يعتبرونه “شرعية الدولة” التي يتكئون عليها في خطابهم السياسي.
وتعزز هذه المخاوف ما يتمتع به تحالف “تأسيس” من شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، تبدأ من كينيا وجنوب السودان، وتمتد إلى أبوظبي، وتمر عبر قنوات تواصل مفتوحة مع واشنطن وبعض العواصم الأوروبية مثلما قالت به العديد من التقارير. بيد أنه عمليا تتوفر الدلائل والبراهين على حجم تمدد علاقات الدعم السريع اقليميا ودوليا، فالسيطرة الميدانية على المثلث الحدودي مع ليبيا ومصر، يعكس ضوءًا أخضر إقليمياً لوجود سياسي وعسكري جديد لا يعترف بشرعية الدولة المركزية التي يمثلها البرهان وحلفاؤه.
وبينما يحاول إعلام النظام السابق تصوير ما حدث كتمهيد لخطوة انفصالية، تؤكد قيادات “تأسيس”، وفي مقدمتهم حميدتي، أن المشروع وطني بامتياز، هدفه بناء سودان موحّد على أسس العدالة والمساواة لا على مقاسات الخرطوم القديمة.
هل تتغير العقول كما تتبدل الخرائط؟
إن ما جرى في نيالا لم يكن مجرد إعلان قيادي، بل تحوّل في موازين القوة ورؤية المستقبل. فـ”تأسيس” لم يعد مجرد تكتل معارض، بل يبدو أقرب إلى نواة حكم جديد، يسعى ليكون نموذجاً بديلاً في المناطق الخاضعة له، من حيث الخدمات والإدارة والأمن، وربما يفرض على القوى الأخرى أن تحاكيه أو تتجاوب معه.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ما زالت العقلية المركزية قادرة على استيعاب التغيير، أم أن الخرائط التي تتبدل على الأرض ستسبق الجميع، ويفرض الواقع منطقه بقوة السلاح والسياسة معًا؟
في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا بالزمن، والسلاح بالفكرة، يبدو أن السودان أمام مفترق تاريخي حقيقي، حيث لم تعد الحرب وحدها هي التي تعيد تشكيل البلاد، بل باتت السياسة القادمة من الهامش هي التي تكتب، من نيالا، ملامح السودان القادم.