في غفلة من ليل بورتسودان الهادئ، استيقظت حاضرة الثغر السوداني على دوي انفجارات عنيفة زلزلت أركانها الآمنة، وبثت الرعب في قلوب قاطنيها، لاسيما أولئك القاطنين على مقربة من المواقع الاستراتيجية. ففي مشهدٍ يشي بتطور نوعي في الصراع السوداني المحتدم، ولليوم الخامس على التوالي تتواصل هجمات المسيرات واستهدفت سلسلة من المواقع بالغة الأهمية، شملت شريان المدينة الاقتصادي، ميناء عثمان دقنة، والمطار الدولي الذي يمثل نافذتها على العالم، بالإضافة إلى مواقع عسكرية حساسة، ومخازن استراتيجية للأسلحة، وخزانات وقود ضخمة تغذي شرايين الحياة في الإقليم.
العتمة والدخان:
خمسة أيام متوالية لم تهدأ فيها السماء، والمسيّرات تواصل قصفها المنهجي، مستهدفة قلب المدينة الاقتصادي وشرايينها الحيوية.. الميناء، مطارها الدولي، مخازن الوقود، القواعد العسكرية، ومحطات الكهرباء. حتى القاعدة البحرية “فلامينغو” لم تسلم، فتهاوت تحت أزيز الموت المُجنح، بينما هرعت آلاف العائلات، تُجرُّ خلفها أطفالها وأحلامها، فارّةً من مدينة تحوّلت فجأة إلى مرجل يغلي بالرعب والنيران.
التقارير الأولية من هناك ترسم لوحة مأساوية، شلل تام في المطار، تعطل الملاحة البحرية، انقطاعات كهربائية واسعة طالت ولايتي البحر الأحمر ونهر النيل، ونزوح داخلي جديد يزيد عبء مدينة باتت مكتظة بالنازحين حتى قبل هذا الجحيم الأخير.
نيران ممتدة:
لم تكن بورتسودان وحدها على مذبح المسيّرات. فقد رُوّعت مدينة كسلا الواقعة على تخوم الحدود الشرقية، بسقوط المقذوفات فوق مقار حكومية وأحياء سكنية، ليُولد من رحمها نزوحٌ جديد، بلا إحصاء ولا صوت.
وكانت مدينة جبيت قد سبقت كل مدن الشرق في بواكير العام الماضي، حيث استهدفت ضربة المسيرات مواقع عسكرية حساسة، بل واستهدفت منصة كان يقف فيها قائد الجيش محتفلا بتخريج إحدى الدفعات في معسكر للجيش بذات اسم المدينة، لتوثق الفيديوهات حينها فرار البرهان ذاته، في مشهد يُجسّد هشاشة القيادة وتصدع الصفوف.
التحليلات حينها ذهبت إلى ان القصف والهجوم ما هو إلا رسالة مبطنة من الدعم السريع للجيش وقادته، بأنه لا ملاذ آمن، وأن يد العدم السريع طائلة وتستطيع الوصول لمدن ولايات الشمالية ونهر النيل، حيث الحاضنة الاجتماعية لغالبية قادة الجيش وكل قيادات الحركة الاسلامية في غرفة الحرب، لم تكونتا بعيدا عن غضب المسيرات وازيز قصفها.
وفي عطبرة استهدفت المسيّرات محطة كهربائها في 26 من أبريل الماضي، حاصدة أرواح 11 شهيدًا على الأقل، ومُصيبة عشرات الجرحى، بينما غرقت ولايتا نهر النيل والبحر الأحمر في عتمة شاملة، كأنما انسحب النور ذاته من سماء السودان. كوستي، بدورها، اشتعلت بحرائق ضخمة بعدما طالت الضربات مخازن الوقود، لتُضاف إلى سجل المدن التي طالتها أيدي الموت الطائر.
وفي مروي، تتأهب المضادات الأرضية لسماء تُراقبها العيون القلقة، حيث رُصدت تحركات مشبوهة لمسيّرات تحوم في الأفق. أما سواكن، فتصدت لمحاولة استهداف عبر إسقاط مسيّرة فوق مخزن في مينائها، وكأن الخراب يزحف نحو كل ممر بحري وكل شريان اقتصادي.
نذر انقسام وتفكيك قادم:
في الكواليس، ومع ازدياد حصار الدعم السريع لمدن في غرب السودان يراها الجيش استراتيجية، وصمته إزاء القصف الممتد شمالا وشرقا، تتصاعد الأصوات المُطالبة بفرض حالة الطوارئ وتجميد اتفاق جوبا، وسط دعوات لإبعاد وزراء حركات دارفور، في مؤشر خطير على تشظي السلطة نفسها التي تحاول إدارة الأزمة من بورتسودان، المدينة التي لم تعد تملك من الأمان سوى الذكرى.
غرفة الحرب التي يسيطر عليها منسوبو الحركة الاسلامية والجناح العسكري الاسلامي في الجيش وبعض ما يوصف بالقيادات العسكرية الديكورية، بدأ تعلو فيما بينهم خطابات تقسيمية تُنذر بإعادة رسم خارطة السودان بخناجر داخلية وخارجية، تُسفك دماءه وتُقتلع جذوره. ونقلت تقارير إعلامية تزايد الضغوط داخل دوائر السلطة ومراكز القرار العسكري في بورتسودان، حيث أفادت مصادر مطلعة لـ”مدنية نيوز” أن ما تُعرف بـ”غرفة الحرب” تضم عناصر نافذة من النظام السابق وقيادات في التيار الإسلامي، طالبت الفريق أول عبد الفتاح البرهان بإعلان حالة الطوارئ على مستوى البلاد، وتجميد اتفاق جوبا لسلام السودان، بالإضافة إلى إبعاد وزراء حركات الكفاح المسلح من الحكومة الانتقالية. وبحسب التسريبات، حمّلت تلك الجهات شركاء السلام، خاصة حركات دارفور، مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية وانهيار الجبهة الداخلية، واتهموهم بـ”التأخر في فك الحياد” والانخراط الكامل في معركة الجيش ضد قوات الدعم السريع، رغم أن تلك الحركات قدمت آلاف الشهداء في جبهات القتال دفاعاً عن وحدة السودان ومؤسسات الدولة.
مصدر مطلع داخل القوات المسلحة أشار إلى أن القيادة العليا تدرك جيداً أن تدخل قوات حركات الكفاح المسلح، مثل حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، كان له دور حاسم في منع انهيار الدولة في الشهور الأولى من الحرب، لكن تياراً أيديولوجياً داخل الحكومة يواصل التآمر على تلك القوى، ويستخدم لغة عنصرية واستعلائية، تنكر التضحيات وتدفع بخطاب تقسيمي.
اللافت أن بعض الشخصيات النافذة من النظام السابق، بحسب ما ورد، تروج صراحة لخطاب مشابه لخطاب الانفصال الذي قاد لفصل جنوب السودان، حيث نُقل عن أحدهم في تكرار لحديث علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية – قوله: “دارفور يمكن أن تذهب كما ذهب الجنوب، غير مأسوف عليها”.
في ظل هذا التصعيد الخطير، تتزايد المخاوف من دفع البلاد نحو صدام سياسي جديد، يُفاقم الانقسامات الإثنية والمناطقية، ويقوض ما تبقى من فرص للحل السياسي الشامل.
أجانب في الشرق.. لماذا الآن؟
تساؤلات مشروعة حيال سبب اهتمام وتركيز الدعم السريع على شرق السودان وبوتسودان تحديداً مؤخراً بدلاً عن اسهدافها منذ وقت مبكر، خصوصا في ظل تصاعد التيارات المختلفة داخل معسكر الحرب.
تحليلات عدة ترى أن تصاعد حدة التناقضات داخل معسكر الحرب، كان بفعل ضربات الشرق وتحديدا بورتسودان، وانهيار ما كان يظنه أطراف هذا المعسكر بعيدا عن الاشتعال.. فيما يرى آخرون أن الأصل في حدوث هذه التناقضات هو بروز الدور الخارجي في الحرب، وانكشاف استعانة الاسلاميين بحكومات ودول لاسناد حربهم المفتعلة..
التدخل الخارجي لا يبدو غريبا في سياق المشهد خصوصا من جانب الجيش الذي راهن على الطيران لكسب الحرب في ستة ساعات ابان بدايتها، قبل ان يصدمه استمرار الحرب لأكثر من عامين.. يعزز ذلك التدخل ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في تقرير حصري مارس الماضي، عن أدلة دامغة تثبت تورط شركة “بايكار” التركية، الرائدة في صناعة الأسلحة، في تأجيج النزاع المسلح الدائر في السودان. وذكرت الصحيفة أن الشركة قامت بإرسال شحنات سرية من الطائرات المسيرة والصواريخ إلى الجيش السوداني، في صفقة بلغت قيمتها 120 مليون دولار أمريكي. ووفقًا للسجلات التي حصلت عليها “واشنطن بوست”آنذاك، تضمنت الصفقة ثماني طائرات بدون طيار من طراز “TB2” ورؤوسها الحربية. وأشارت الصحيفة إلى أن عملية التسليم تمت في سبتمبر 2024 بمشاركة فريق من الشركة التركية لضمان سير الصفقة بسرية تامة.
وأكدت “واشنطن بوست” امتلاكها مجموعة من الأدلة القوية التي تدين “بايكار”، تشمل رسائل نصية، وتسجيلات هاتفية، وصورًا، ومقاطع فيديو، ووثائق، وسجلات مالية. وقد تم التحقق جزئيًا من صحة هذه الأدلة عبر بيانات الهاتف وصور الأقمار الصناعية، لتكشف عن دور الشركة التركية في النزاع الذي وصفته الأمم المتحدة بأسوأ كارثة إنسانية في العالم. كما كشفت الوثائق عن حوافز محتملة قدمتها السلطات السودانية للشركة التركية مقابل الدعم العسكري، بما في ذلك دراسة منح “بايكار” حقوق الوصول إلى مناجم النحاس والذهب والفضة، وإمكانية منح تركيا حقوق تطوير ميناء أبو أمامة الاستراتيجي على البحر الأحمر.
بيد أن قاصمة الظهر وما يؤكد عمق التدخل الخارجي، هو هو ما كشفه تحقيق استقصائي لموقع”برق السودان” عن تورط تركي سري في الحرب الدائرة بالسودان، وذلك بعد الهجوم المُدمر الذي استهدف قاعدة “عثمان دقنة” الجوية في بورتسودان. وبحسب التحقيق، قامت تركيا بإرسال طائرات مُسيّرة مُتطورة وخبراء عسكريين إلى الجيش السوداني في مهمة سرية لتأمين غطاء جوي واستعادة مواقع استراتيجية. وأوضح التحقيق أن طائرتين عسكريتين تركيتين هبطتا في بورتسودان في 26 أبريل الماضي، تحملان طائرات Bayraktar TB-2 وAkinci بالإضافة إلى فريق من الخبراء الأتراك الذين باشروا تدريب الجيش السوداني على تشغيلها من قاعدة عثمان دقنة، التي تحولت إلى مركز قيادة متقدم للضربات الجوية.
في المقابل، شنّت قوات الدعم السريع هجومًا مُضادًا بطائرات مُسيّرة في فجر 4 مايو، مستهدفة منشآت محددة داخل القاعدة، مما أدى إلى تدمير برج المراقبة، ومستودع ذخائر، وعدة طائرات بينها الطائرة الرئاسية وطائرات تركية حديثة لم تُستخدم بعد، بالإضافة إلى مقتل وإصابة فنيين أتراك. وكشف التحقيق عن عملية إجلاء طارئة وسرية للخبراء الأتراك المصابين والناجين تحت جنح الليل بعد 18 ساعة من الهجوم، عبر طائرة إخلاء طبي تركية، في محاولة لاحتواء الفضيحة وعدم إثارة الرأي العام.
واعتبر التحقيق أن ما حدث في قاعدة عثمان دقنة هو انكشاف استخباراتي واستراتيجي لحجم التدخل الخارجي في الحرب السودانية، ودليل على تطور قدرات الدعم السريع في الرصد والاستهداف الدقيق، مُنذرًا بتصعيد إقليمي مُحتمل ودخول أطراف جديدة في الصراع.
يُذكر أن السلطات التركية وقوات الدعم السريع لم تُعلقا على هذه النتائج حتى لحظة نشر التحقيق.
سقوط صورة “الملاذ”:
ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” إلى أن ما يحدث حاليا يكشف حجم القدرات التي يمتلكها الدعم السريع بل وامكانياته الاستخباراتية وقدرته على تحقيق اهدافه العسكرية، بيد ان تلك القدرات مهما علا شأنها فإن هدفها الحقيقي هو إزاحة الاسلاميين في المشهد واجبارهم على القفز من السفينة الغارقة، وأضاف:” البرهان ربما يدرك تلك الحقائق لكن الاسلاميين أدركوها بشكل واضح بل ومقتنعون، لذا فهم يريدون الخروج بأقل الخسائر فإن لم ينتصروا على الدعم فإنهم يريدون اخراجه من المشهد بخروج دارفور من السودان، لكن الدعم السريع لن يحقق لهم ذلك”.
وهكذا، يُسدل هذا التصعيد الستار على أسطورة “الملاذ الآمن”. فبورتسودان التي احتمى بها الجيش والسياسيون، والشرق الذي احتضن ملايين الهاربين من جحيم الخرطوم، لم يعودا خارج مرمى القصف، بل أصبحا جبهات مُشتعلة تُهدد بتوسيع رقعة الحرب، وتعميق الجرح السوداني المفتوح، في وقت لم تلتئم فيه بعد ندوب النزوح والجوع والمرض.