السودان

علي أحمد يكتب: إعادة إعمار السودان بـ(مقاشيش السعف)!

بقلم: علي أحمد

صحيح أن الحرب كلها سيئة، لكن لم تكن (الخرطوم) عاصمة عظيمة عندما أشعل فيها الإخوان المسلمون (الكيزان) الحرب ضد الدعم السريع، إذ كانت شبه مدينة، خالية من مظاهر التمدن، دون بنية تحتية، وبلا صرف صحي، يشرب ساكنو أطرافها الماء من الدواب، ويشرب سكانها الماء مختلطاً بالبراز، ينقطع فيها التيار الكهربائي أكثر مما يُتاح، كانت مواصلاتها العامة سيئة جداً وطرقها أكثر سوءاً، وكان النظام الصحي فيها شبه منهار، والنظام التعليمي أكثر انهياراً، وكان إنسانها يقضي سحابة يومه في اللهث والعناء.
هذا مع العلم أن ما دخل لخزينة الدولة من أموال النفط يكاد يكون متساوياً مع الأموال التي دخلت (الخليج) في عز ازدهاره الاقتصادي، ولكن الإخوان المسلمين الفاسدين سرقوا النفط وسرقوا أمواله وسرقوا مستقبل ملايين السودانيين البسطاء!

وعندما اندلعت الحرب، تلاشت العاصمة المنهارة أصلاً، ولأن رب ضارة نافعة، فإن هذه الحرب تمثل فرصة عظيمة لإعادة تخطيط العاصمة وفقاً لمعايير المدن العالمية حتى تصبح مدينة أكثر إنسانية، وأن تكون قابلة لعيش البشر – على نسق نيروبي مثلاً، ولن ندع أحلامنا تتطاول ونقول دبي أو أبوظبي أو الرياض – لكنهم سماسرة الحروب والفاسدون من الكيزان والعسكر وأتباع البرهان الذين أشعلوا الحرب، والذين بدأوا يتنافسون الآن على الأوهام بعد انسحاب الدعم السريع من الخرطوم، يا لهم من سفهاء فاسدين!

إنها سانحة قد لا تتوفر مرة أخرى لبناء مدينة جديدة بعد توقف الحرب تماماً، على أنقاض القديمة التي بناها المستعمر والمصممة لمئات الآلاف لا عشرات الملايين، والتي لم تعد صالحة للعيش منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، بل بناء كل السودان، لكن هؤلاء السفهاء يتهافتون الآن لإجراء عمليات بدائية طفيفة في المدينة ويتحدثون عن شركات من دولة مجاورة أكثر فساداً منهم، وليس لديها خبرات إلا في تشييد الكباري بالكتل الأسمنتية القبيحة غير الحضارية، إذ تعاني مدنها من الازدحام والتلوث البيئي والبصري، فكيف تساعدنا في إعادة إعمار عاصمتنا؟ هل على غرار (الباطنية) مثلاً؟!

يكذب الكيزان اللصوص وعسكرهم على المواطنين النازحين واللاجئين، ويدغدغون مشاعرهم بأحلام العودة، ولم تُطهّر العاصمة من روائح الجثث البشرية المتعفنة، وما تزال الكلاب المسعورة التي كانت تتغذى على لحوم المقتولين من طرفي الحرب تجوب العاصمة وقد توحشت واعتادت على أكل لحوم البشر، وما تزال مخلفات الأسلحة الكيماوية وغيرها التي استخدمها الجيش تلوث الهواء، وما يزال اللصوص من حاملي الرشاشات يسيطرون على المشهد، والشرطة مختفية تماماً، بل أن أفرادها أصبحوا هم اللصوص ورجال العصابات، الذين يمكنهم مهاجمتك في أي وقت، نهاراً جهاراً، وعلى مرأى من ارتكازات الجيش، التي تكون قليلة العدد أو متواطئة معهم، وهذا هو الأرجح. والأهم، لا تزال الحرب مستعرة على بُعد كوبري، فالحرب لم تتوقف إلا في خيال الكيزان اللصوص وعسكرهم، وأحلامهم المتخمة بالسرقة والفساد!

في ظل هذه البيئة المتردية المتهورة، وفي ظل هذا الانهيار الأمني، يدعون اللاجئين والنازحين إلى العودة، بينما يتحدث من تبقى من السكان عن انتشار واسع للحُمّيات المجهولة وتفشٍ للأمراض الخطيرة، ومعاناتهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الصحية والأمنية، فانتشر الموت بينهم بالجوع والمرض والغبن، فلماذا تريد سلطة الأمر الواقع عودة المواطنين إلى العاصمة في ظل هذه الظروف القاسية؟!

إن ما يسمونه إعادة الإعمار محض (سبوبة) للسرقة والفساد، فالكيزان هم المتعجلون إلى دعوة المواطنين للعودة، لأنهم فاسدون ولا تهمهم أرواح وحيوات السودانيين، وإلا لما أشعلوا الحرب وشردوهم من ديارهم ودورهم ومواطنهم، لكن ما بال الشعب يستجيب وينخدع لهؤلاء الأوباش اللصوص الفاسدين؟!

الأكثر أهمية من كل ذلك، هل توقفت الحرب تماماً وأصبحت مدينة الخرطوم في مأمن منها؟ أم ما تزال قوات الدعم السريع تسيطر على جنوب أم درمان وتتقدم في غربها يوماً بعد يوم، وما تزال تطوق العاصمة من نواحٍ عديدة، وأن إمكانية عودتها وبالتالي اندلاع الحرب مجدداً في العاصمة أمر وارد في أي لحظة؟ إذ لم يكن غداً، فربما بعده، أو ربما بعد أسبوع أو شهر أو عام؟

لماذا لا تقول حكومة الأمر الواقع الحقيقة للمواطنين؟ لماذا تخدعهم وتكذب عليهم وتجرّهم إلى عاصمة أصبحت أرضاً جرداء خالية من الحياة؟
إنها تفعل ذلك، لأن حياة السودانيين لا تهمها، ما يهمها هو ما ستحصل عليه من أموال حرام، لذلك توهم المواطن بصورٍ مصنوعة لعدد محدود من الكيزان وهم يكنسون بعض الشوارع بـ(مقاشيش السعف)، فيا للسخرية! يريدون بهذه المقاقيش التعيسة أن يصححوا البيئة، ويرمموا الشوارع، ويهيئوا المدينة للعودة، إذا كثروا من “المقاشيش” فالسودان ليس مدينة واحدة مدمرة ومنهارة!

تعساً للكيزان اللصوص، وتباً لمن يساعدهم في سرقة بلادنا من الخارج!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار