في 26 مارس، أعلن الجيش السوداني سيطرته على العاصمة الخرطوم، وذلك بعد ما يقارب عامين من وقوعها تحت سيطرة قوات الدعم السريع عقب اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
بالنسبة لكثير من السودانيين، شكّل هذا التطور بصيص أمل. فبعد دخول الجيش إلى العاصمة، التي كان وضع سيطرته عليها شرطًا أساسيًا للحوار والتفاوض، تفاءل السودانيون بأن ذلك قد يفتح المجال لحوار يوقف الحرب، يحقق السلام، وينهي الكارثة الإنسانية الأسوأ في العالم، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني، فضلًا عن تعرض 26 مليونًا لخطر المجاعة.
لكن سرعان ما أصيب السودانيون بخيبة أمل، إذ سرعان ما تبدّد هذا الأمل. فقد أعلن الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، في كلمة ألقاها أمام جنوده ووجّهها إلى السودانيين، أنه لن يكون هناك حوار أو تفاوض مع قوات الدعم السريع “حتى تحرير آخر قرية في دارفور من دنس التمرد”.
من جانبها، أعلنت قوات الدعم السريع أنها انسحبت من العاصمة الخرطوم في إطار خطة عسكرية شاملة تهدف إلى إعادة التموضع، تمهيدًا لمواصلة الحرب واستعادة السيطرة على العاصمة مرة أخرى.
انسحابات الدعم السريع وتقدم الجيش:
عزا محللون سياسيون وعسكريون الانسحابات المتكررة لقوات الدعم السريع، التي بدأت من ولاية سنار، ثم الجزيرة، وأخيرًا الخرطوم، إلى أخطاء تكتيكية واستراتيجية كبرى. ومن أبرز هذه الأخطاء تمدد القوات بشكل غير مدروس في مناطق لا تحمل أهمية عسكرية، مثل انتشارها في ولاية الجزيرة الواقعة وسط السودان، والتي تخلو من أي وجود عسكري باستثناء حامية فنية صغيرة. وقد أدى ذلك إلى تشتت القوات داخل القرى المتباعدة واستنزافها، إضافة إلى الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في مناطق واسعة من الولاية، ما ساهم إلى حد كبير في إضعاف الانضباط وسط أفرادها.
وأشار المحللون إلى أن سماح قوات الدعم السريع بتقدم القوات المساندة (الفزع)، المعروفة بشراستها في المواجهات البرية المباشرة لكنها تفتقر إلى الانضباط والتخطيط العسكري والمعلومات الاستخباراتية، كان خطأ استراتيجياً كبيراً. فقد أدى ذلك إلى إضعاف قوات النخبة معنوياً، وهي قوات معروفة بشجاعتها وانضباطها العسكري وولائها المطلق لقائد القوات (حميدتي)، وهو ما حدث نتيجة الانتشار العسكري الواسع الذي دفعتها إليه القوات المساندة. وما زاد الطين بلة تعيين “أبوعاقلة كيكل”، الذي زرعته استخبارات الجيش داخل قوات الدعم السريع ، قائداً لهذه القوات المساندة غير المحترفة.
وفي هذا السياق، قال ضابط في قوات الدعم السريع، فضّل عدم الكشف عن هويته: “نعترف بأخطائنا، فالحرب إخفاقات وانتصارات، وهي لك وعليك، والقيادة تعمل حالياً على معالجة الإخفاقات وتصحيح هذه الأخطاء، والعبرة بالخواتيم، وسيكون النصر لنا.”
من جانبه، قال الخبير العسكري إبراهيم مختار، وهو ضابط متقاعد موالٍ للجيش في هذه الحرب: “الجيش وجهاز الأمن والشرطة والكتائب الصديقة (الإسلاميون) كانوا مستعدين لمواجهة قوات الدعم السريع، ولديهم خطط عسكرية واستخباراتية محكمة. لقد تم استدراج الدعم السريع إلى مناطق لا تشكل تأثيراً حاسماً على خريطة الحرب. ولو أنهم لم يغادروا العاصمة ويتوغلوا في الجزيرة، بل ركزوا على محاصرة القيادة العامة والهجوم عليها، ربما تمكنوا من السيطرة عليها واعتقال القادة العسكريين، بمن فيهم القائد العام للجيش.” ووصف ما حدث بأنه “من أقدار الله ولطفه”.
وأضاف أن انشغال الدعم السريع بانتشاره وتمدد قواته بشكل غير محسوب أتاح للجيش الوقت الكافي لتغيير استراتيجيته القتالية، محولاً الحرب من حرب تقليدية إلى حرب حديثة، وهو ما لم تدركه قوات الدعم السريع في الوقت المناسب، مما جعلها تفاجأ بالتحول التكتيكي للجيش، الذي استعاد زمام المبادرة في القتال. وأوضح أن الطائرات المسيرة والأسلحة الحديثة الموجهة لعبت دوراً حاسماً في تقدم الجيش وإجبار قوات الدعم السريع على الانسحاب.
تركيا وإيران: اللاعبان الحاسمان في معركة الخرطوم:
شهدت الحرب مراحل متعددة وتكتيكات عسكرية مختلفة، ومع بداية هذا العام 2025، قررت قيادة الجيش تغيير قواعد الاشتباك في العاصمة الخرطوم ومدنها الثلاث (الخرطوم، أم درمان، وبحري) بالاعتماد كليًا على الطائرات المُسيّرة في مهاجمة قوات الدعم السريع. وبحسب مصادر أمنية وعسكرية، فقد تم تخصيص 4 طائرات بيرقدار التركية من طراز TB2 و8 طائرات شاهد-6 الإيرانية لهذه الخطة.
قال ضابط في قوات الدعم السريع إنهم لم يخوضوا مواجهات مباشرة مع الجيش وكتائب الإسلاميين في الخرطوم منذ فترة طويلة، موضحًا: “إنهم يقصفوننا من السماء. نحن نخوض حربًا ضد إيران وتركيا ومصر في الجو. المواجهة الوحيدة التي خضناها مع الجيش وكتائب الإسلاميين كانت قبل انسحابنا من الخرطوم بأسبوع، عندما كانوا متجهين من سلاح المدرعات إلى مقر القيادة العامة للجيش تحت غطاء جوي. ومع ذلك، تمكنا من الإيقاع بهم في كمين والقضاء عليهم جميعًا، بمن فيهم قائدهم، وهو ضابط برتبة عميد يدعى عوض الكريم أبو شنب.”
من جانبه، كشف مصدر أمني مطلع على القرارات العسكرية أن 51 خبيرًا عسكريًا ومدنيًا تركيًا موجودون في السودان، حيث يتناوبون على إدارة عمليات الطائرات المُسيّرة، ويشمل عملهم الدعم الفني، التدريب، والتحكم في المحطات الأرضية لطائرات بيرقدار. وأكد المصدر أن الجيش السوداني يمتلك 8 طائرات بيرقدار و3 محطات أرضية.
كما أكدت مصادر متطابقة أن عدد الطائرات المُسيّرة الإيرانية يبلغ 12، لكن لم يتم التصريح بعدد الخبراء العسكريين والفنيين الإيرانيين. وقال مصدر عسكري في بورتسودان: ” لا يمكن معرفة عدد العسكريين والخبراء الإيرانيين، لأن عددهم كبير، ولا يمكن التمييز بين العسكريين والمدنيين، خاصة أن معظمهم ينتمي إلى الحرس الثوري الإيراني. يصعب تحديد هوياتهم بدقة، لكن من المؤكد أن عدد العسكريين الإيرانيين يفوق عدد الأتراك.”
في السياق نفسه، انتقدت مصادر سياسية ما وصفته بتجاهل المجتمع الدولي للدول التي تدعم الجيش، مما يؤدي إلى تأجيج الصراع وإطالة أمد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية. وقال أحدهم: ” نسمع فقط عن الإمارات، وهي ليست فوق النقد إن ثبت دعمها لقوات الدعم السريع، ولكن لماذا لا يُثار الحديث عن إيران وتركيا وغيرهما من الدول التي تشارك بشكل مباشر أو تمول وتسهم في تحويل السودان إلى ترسانة أسلحة؟ لماذا لا تصدر إدانات وتهديدات ومحاكمات لهذه الدول، رغم أن الأدلة والصور التي تثبت تدخلها متوفرة بكثرة، بل وصلت إلى وسائل الإعلام الغربية؟”
هل انتصر الجيش فعلاً… أم أن هناك مأساة جديدة في الأفق؟
بينما يحاول بعض السودانيين، وأغلبهم من أنصار النظام القديم، تصوير مشهد سيطرة الجيش على الخرطوم بعد انسحاب قوات الدعم السريع وكأنه انتصار أخير ونهاية الحرب، فإن محللين سياسيين سودانيين، إلى جانب باحثين وخبراء دوليين في الشأن السوداني، لا يرون أن ما تحقق يُعدُّ انتصارًا، كما أنهم غير متفائلين بانتهاء الحرب بمجرد سيطرة الجيش على مدينة الخرطوم.
وهذا ما ذهب إليه شاراذ سرينيفازان، الأستاذ بجامعة كامبريدج والباحث المتخصص في الشؤون السودانية، حيث وصف سيطرة الجيش على الخرطوم بأنها “نقطة تعيد رسم خطوط المعركة وتجعل الانقسام أوضح، لكن الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها.”
ويرى آلان بوزويل، مسؤول منطقة القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، أن “السودان مقبل على مفترق طرق بعد سيطرة الجيش على الخرطوم: فإما مزيد من الحرب، أو الذهاب إلى مفاوضات سلام لمحاولة إنهاء النزاع.”
وقال لنا باحث سوداني: “الحقيقة أن ما تردده وسائل الإعلام عن سيطرة الجيش على عاصمة البلاد يُعدُّ خطأً فادحًا، فالجيش لا يسيطر سوى على مدينة الخرطوم، وهي ليست الجزء الأكبر من العاصمة المثلثة التي تضم الخرطوم بحري وأم درمان. فقوات الدعم السريع انسحبت من الخرطوم، لكنها لا تزال متواجدة في أم درمان، وهي أكبر مدن السودان، فكيف يُقال إن الجيش قد سيطر على العاصمة بينما الجزء الأكبر منها لا يزال تحت سيطرة قوات الدعم السريع؟ إذن، هذه القوات لا تزال موجودة داخل العاصمة.”
وقال محلل سياسي سوداني، نحجب هويته كما نفعل دائمًا لأسباب أمنية معروفة: “ما حدث لا هو انتصار ولا هو إيذان بنهاية الحرب، بل ربما يكون بداية لحرب أكثر شراسة. الجيش نفسه لم يعلن أنه انتصر ولم يحتفل بذلك، وكل ما يحدث ليس سوى أهازيج دعائية تنشرها الحركة الإسلامية عبر مليشيا البراء بن مالك والآلة الإعلامية الإسلامية المنتشرة بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي.”
وأضاف: “لا أريد أن أكون مصدرًا لتخويف الناس، لكن من تابع مسيرة حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، يدرك أنه مقاتل شرس وعنيد لا يستسلم، ولم يُهزم داخليًا منذ عام 2012. لذلك، أوافق من يقولون إنه ينظم صفوفه استعدادًا للعودة بشكل أكثر شراسة، وربما يسيطر على الخرطوم مرة أخرى، هذا ليس بعيدًا، كل شيء وارد خصوصًا وقد هرب الجيش من أمامهم من قبل وتركنا وحدنا.”
ويقول آلان بوزويل: “إن أيًّا من طرفي الحرب لم يُبدِ استعدادًا للهدنة.”
وقد انعكس قوله هذا بوضوح في خطابي قائدي الجيش وقوات الدعم السريع، حيث خاطب كل منهما الشعب السوداني أمس بمناسبة عيد الفطر.
ففي حين قال البرهان في خطابه: “لن نغفر، ولن نساوم، ولن نفاوض، ولن تنتهي الحرب إلا بالقضاء على آخر متمرد” – في إشارة إلى قوات الدعم السريع – قال حميدتي في خطابه: “لا تهاون ولا تراجع، الحرب لم تنتهِ بل بدأت من جديد، ولا نتفاوض سرًا أو جهرًا مع الحركة الشيطانية” – في إشارة إلى الحركة الإسلامية، التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تدير الحرب من الخلف عبر الجيش.
ما بين خطاب قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع، يبرز التقرير الأخير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ملخصًا واقع أمة على شفا الانقراض من الحياة وسط صمت دولي مريب!
حيث جاء في التقرير أن 30.4 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة، منهم 9.5 مليون لا تستطيع الأمم المتحدة الوصول إليهم أو تقديم المساعدة لهم، بينهم 3.7 مليون طفل تحت سن الخامسة ونساء حوامل ومرضعات بحاجة للعلاج من سوء التغذية الحاد، مع انتشار للأمراض والأوبئة، ووجود أقل من 25% من المرافق الصحية التي لا تزال تعمل، في ظل توقف تام للتعليم مع وجود 17 مليون تلميذ خارج المدارس.