بالتزامن مع توقيع الأطراف المكوِّنة لتحالف السودان التأسيسي، أمس الثلاثاء، على تصورها عن الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025، في العاصمة الكينية نيروبي، أطلق رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، دعوة إلى وقف الحرب الدائرة في البلاد منذ نحو عامين، تحت اسم “نداء سلام السودان”.
بالنسبة لي كمراقب، فإن هذا الحراك السياسي والحقوقي الكبير، وهذه المبادرات هنا وهناك، دليل تعافٍ سياسي ومؤشر لإعادة العملية السياسية، التي اختطفتها قيادة الجيش بالتحالف مع الإخوان المسلمين (الكيزان) ووضعتها على فوهة بندقيتهما، إلى مسارها السلمي الطبيعي.
مقاربة:
الراصد لنصوص الميثاق والدستور الانتقالي اللذين طرحهما تحالف السودان التأسيسي وما ورد في مبادرة نداء سلام السودان، التي أطلقها رئيسها الدكتور عبد الله حمدوك أمس، لا يجد فروقًا كبيرة، بل يلاحظ تقاربًا كبيرًا في روح الأفكار الواردة في كليهما، وهذا ما يدعو للتفاؤل بالمستقبل. أما الحديث عن وجود أطراف تسعى لتمزيق البلاد، كما تروّج أبواق الانفصاليين في حكومة بورتسودان، فما هو إلا اضغاث أحلام وأكاذيب.
وحيث دعا “نداء سلام السودان” إلى تنظيم اجتماع مشترك بين مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي بحضور قادة الجيش، والدعم السريع، والحركة الشعبية لتحرير السودان – “شمال”، وحركة/جيش تحرير السودان – “عبد الواحد”، بهدف الاتفاق على بنود تشمل التوصُّل إلى هدنة إنسانية، ووقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، واتخاذ إجراءات لبناء الثقة تهيئ المناخ لإنهاء الحرب، كان من أهمها:
• الاتفاق على آليات مراقبة فعالة لوقف إطلاق النار، بما في ذلك نشر بعثة سلام إقليمية ودولية. • فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية عبر حدود السودان وداخل المناطق المتأثرة بالحرب. • وضع ترتيبات دستورية انتقالية تقوم على توافق عريض لاستعادة مسار ثورة ديسمبر في الانتقال المدني الديمقراطي. • إعادة بناء وتأسيس منظومة أمنية وعسكرية موحدة، مهنية، وقومية، بعيدة عن السياسة والاقتصاد. • إرساء عملية عدالة انتقالية تحاسب على الانتهاكات وتحقق الإنصاف للضحايا. • تشكيل سلطة مدنية انتقالية ذات صلاحيات كاملة تقود البلاد حتى الانتخابات. • تصفية آثار الحرب وإعادة الإعمار.
فإن الدستور الموقع عليه من أطراف تحالف السودان التأسيسي لا يخرج عن عبارة عبد الله حمدوك: “ترتيبات دستورية انتقالية”. كما أن الطرفين لا يختلفان على الأمور الرئيسية والخطوط العريضة، مثل تكوين جيش مهني جديد وتحييده عن العمل السياسي والاقتصادي، وتشكيل حكومة مدنية، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها المتضررين من الحرب، وإقرار مبدأ المحاسبة والشفافية، وغيرها من القضايا.
وإن كان الدستور قد استعرض تفاصيل دقيقة – وهذا مفهوم في سياقه – فإن مبادرة عبد الله حمدوك طرحت، بوصفها مبادرة، رؤوس أقلام، ودعت الأطراف السودانية المتنوعة إلى الجلوس على طاولة مستديرة للتداول حولها، ومن ثم التوافق على التفاصيل “التي تكمن فيها الشياطين”.
توصيف:
اللافت في مبادرة رئيس صمود وصفها للحرب بأنها:
“ليست مجرد صراع عسكري بين قوتين، بل هي تعبير عن اختلالات بنيوية لازمت تاريخنا منذ فجر الاستقلال، حيث فشلت كل النظم العسكرية في إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة. وقد حاولت ثورة ديسمبر وضع أسس جديدة للبلاد تجعلها في سلام مع نفسها والعالم، ولكن المؤتمر الوطني/الحركة الإسلامية عرقل الانتقال المدني الديمقراطي بكل السبل، بما في ذلك تدبير انقلاب 25 أكتوبر 2021، وإشعال هذه الحرب اللعينة لخلق حالة من الفوضى التي قد تعيدهم إلى السلطة حتى ولو تدمر السودان”.
وهذا ليس بعيدًا عمّا ظلت تنادي به القوى الثورية، وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، جناح عبد العزيز الحلو، وحركة/جيش تحرير السودان – جناح عبد الواحد نور، كما تبنته أخيرًا، بل وتوافقت عليه، قوات الدعم السريع، والعديد من الأحزاب السياسية الكبرى، وحركات الكفاح المسلح، في ميثاق السودان التأسيسي. وبالتالي، فإن ما تم طرحه في نيروبي لا يختلف في جوهره كثيرًا عمّا طرحه الدكتور عبد الله حمدوك في نداء صمود.
لا أحد يختلف – من حيث المبدأ – عدا الميليشيات الإسلامية الإرهابية وقيادة الجيش التابعة لها، بأنه، كما ورد في نداء سلام السودان، لا حل عسكريًا لهذا النزاع مهما طال أمده، وإن الخيار الوحيد لوضع حدٍّ لمعاناة الشعب والحفاظ على وحدة البلاد ومقدراتها هو الإنهاء الفوري للحرب، والاتفاق على مشروع وطني جديد يؤسس لنظام مدني ديمقراطي يقوم على المواطنة بلا تمييز، وفق نظام فيدرالي حقيقي، وجيش واحد مهني وقومي ينأى عن السياسة والاقتصاد.
وهنا، يمكن أن نرى بوضوح التوافق بين ما ورد في مسودة الدستور الانتقالي المطروحة من قبل أطراف تحالف السودان التأسيسي، فيما يتعلق بنظام الحكم، حيث أُقر بأنه “يقوم على اللامركزية السياسية والإدارية والقانونية والمالية”. وهذا نفسه ما ورد في مبادرة صمود تحت عبارة “نظام مدني ديمقراطي يقوم على المواطنة بلا تمييز وفق نظام فيدرالي حقيقي”.
تنفيذ:
ما استوقفني واسترعى انتباهي في طرح رئيس الوزراء السابق، رئيس صمود، هو وضعه مبادرته مباشرة موضع التنفيذ، وهو أمر نادر الحدوث في السياسة السودانية، حيث يتميز الفاعلون فيها بالبطء والتلكؤ. فقد كشف الدكتور حمدوك عن شروعه الفوري في التواصل مع الأطراف السودانية العسكرية والمدنية لمناقشة النداء وما طُرح فيه من أفكار، كما بدأ أيضًا في التواصل مع القوى الإقليمية والدولية لحشد الدعم لتنفيذ مبادرته ورؤيته.
كذلك، أشار إلى أن لديه رؤية تفصيلية حول أسس إنهاء الحروب وتحقيق السلام المستدام وتأسيس الدولة السودانية على أسس ديمقراطية، والسعي لتحقيق توافق واسع حول أسس ومبادئ إنهاء الحرب عبر الحوار، على أن تُنظم هذه العملية عبر لجنة تحضيرية من الأطراف السودانية الرئيسية، تضمن مشاركة جميع الأطراف ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته.
عدا المؤتمر الوطني:
وهذا أيضًا مما لا يختلف عليه اثنان، فالمؤتمر الوطني ينبغي أن يدفع ثمن الحرب التي أشعلها، وأن يُجبر على دفع تكلفة الحرب والخسائر الناجمة عنها، واستعادة الأموال والمقدرات التي نهبها خلال ثلاثة عقود من حكمه، وخلال سنوات حربه الراهنة. كما ينبغي منعه من ممارسة العمل السياسي وحظره حظرًا تامًا، وتقديم رموزه إلى المحاكمة، إلى جانب كل من أجّج الحرب، ودعا إلى استمرارها، وشارك فيها من أعضائه.
خاتمة:
هذه مقاربة وجدتها بين ما تم التوقيع عليه في نيروبي وما أعلنه رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود). سواء اتفق الناس معها أو اختلفوا، فلا شك أنهم جميعًا يتفقون على أن هذا الحراك السياسي الواسع، الذي يجري هنا وهناك وسط القوى الديمقراطية والثورية، يعدّ دليلًا على التعافي السياسي، ومحاولة جادة لاستعادة المسار المدني الديمقراطي ووضع حدٍّ للفوضى التي خلّفتها الحرب.