السودان

شمس الدين ضو البيت لـ”راينو”: السودانيون سيدركون حقيقة الحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي مفلس حال توقف الحرب (3)

حوار: راينو

تستضيف “راينو” في هذا اللقاء الفكري الاستثنائي، الباحث والمفكر السوداني د. شمس الدين ضوالبيت، رئيس مشروع الفكر الديمقراطي، في حوار يتجاوز الراهن السياسي المباشر ليغوص في “الجذور المعرفية” للأزمة السودانية.

تناول ضو البيت في هذا الحوار تشريحاً دقيقاً لبنية الدولة السودانية وما يسميه “الإسلام السلطاني”، مستعرضاً مآلات حلف (العسكر والإخوان) وأثره التدميري على المعمار النفسي للمواطن.

كما يقدم الحوار قراءة نقدية لاتفاق جوبا، وتجربة “مجموعات القراءة” كأداة لتوطين الديمقراطية في الريف، وصولاً إلى طرح مفهوم “الديموتنامية المعرفية” كبديل نهضوي يخرج السودان من دائرة حروب السبعين عاماً نحو أفق القطيعة المعرفية الشاملة وبناء وطن جديد.

لم يعد للخطاب الديني نفس المفعول بعد أن اتضح للسودانيين ألا علاقة للإخوان بقيم الإسلام وأنهم للفساد والمحسوبية والظلم أقرب

(*) بعد تآكل مفعول الخطاب الديني المباشر، كيف استمر الإسلاميون؟

بعد أن وضح للسودانيين، من الحياة اليومية، واستشراء الفساد والمحسوبية والظلم الواسع، أن القائمين على الإنقاذ لا علاقة لهم بقيم الإسلام في الصدق والأمانة والعدل، لم يعد للخطاب الديني نفس المفعول في التعبئة والتحريض.. لكن بالكفاءة المعروفة لتنظيم الإخوان المسلمين، وبانتباهه المبكر لدور الإعلام الكاسح في الحياة اليوم، كان يخترع (محرضات عاطفية مؤقتة)، ذات صلة بنفس الخطاب الديني السلفي، أو أشواق الناس واحتياجاتهم الوجودية، ويمكن أن تكون فرعيات من الخطاب الديني.. مثلاً أيام الإنقاذ بعد تراجع مشروعية الخطاب الديني، لجأ النظام لمشروعية استخراج البترول، على أساس أنها بركات السماء.. بعد التوقيع على اتفاقية السلام استمد النظام لعدة سنوات مشروعيته منها.. بل عندما ذهب البترول وكذلك السلام بانفصال الجنوب احتفل النظام بمشروعية (الـ98% مسلمين)، صور إعلام النظام انفصال الجنوب بأنه إنجاز لأن السودان أصبح خالصاً للمسلمين!

أما في الحرب الحالية، واضح أن الحركة الإسلامية كانت قد جهزت بعناية مشروعيتها الإعلامية مسبقاً: (التهديد الموطني).. أنا قلت الموطني وليس الوطني عن قصد.. لأن أطروحة (عرب الشتات)، التي نزلت الإعلام بعد حوالي أسبوعين من بداية حرب أبريل كانت استثارة لمخاوف المواطن السوداني في الوسط على سلامته الشخصية وسلامة أسرته ومسكنه وحيه ومدينته، من أمر شبيه بما يحدثه (الجراد الصحراوي)، وهذا المصطلح نفسه: مصطلح الجراد الصحراوي مستخدم من إعلام الـ حرب – ما يحدثه في المزارع الخضراء! وطبعاً أصلاً الدعم السريع حامل لتاريخ طويل من الانتهاكات.. إضافة أيضاً للمخزون التاريخي في أذهان الناس في وسط السودان من فترة المهدية.. طبعاً من (عرب الشتات) انتقلت الدعاية الـ حربية إلى (العدوان الخارجي)، على نفس الخط: التهديد الخارجي، ثم إلى (حرب الكرامة)، بعد أن اتضح أن موضوع العدوان الخارجي لا يعمل بفاعلية، لأن الـ حرب تحولت إلى حرب وكالة، وصار معلوماً أن الطرفين مدعومان من أطراف إقليمية.

(*) ولكن ألا تبدو “أطروحة الكرامة” مفارقة للواقع الميداني والانتهاكات التي مارستها الحركة نفسها؟

أطروحة الكرامة نفسها ليست أصيلة، لأنها مصممة على ممارسات الدعم السريع في الخرطوم، وخاصة في الجزيرة.. يعني مفهوم الكرامة هنا ليس على خلفية مفهوم الكرامة القرآني {ولقد كرمنا بني آدم..}: قوة الاقتصاد، الحرية، العزة، العيش الكريم.. إلخ، وإنما مقارنة بإذلال الدعم السريع وانتهاكاته! بكلمات أخرى كل مشروع الحركة الإسلامية اليوم هو (نحن أحسن لكم من انتهاكات الدعم السريع)! لا نهضة لا تقدم لا وحدة لا حضارة لا أخلاق.. إلخ كلها استُهلكت وفقدت بالممارسة أية مصداقية..

لكن حتى في المقارنة مع الدعم السريع فليس للحركة الإسلامية أي أفضلية، بل العكس، كل جريمة أو انتهاك أو إثم ارتكبه الدعم السريع، إما ارتكبته الحركة الإسلامية معه، أو ارتكبت لوحدها مثله أو أشنع منه.. نتيجة لتآكل مشروعيات الحركة الإسلامية واحدة تلو الأخرى أيام نظام الإنقاذ لجأت للـ حرب من أجل العودة للحكم، أي للقوة العارية.. لكن حتى مشروعياتها للـ حرب هشة وضعيفة وكاذبة ولا يمكن أن تصمد وتؤدي دورها إلا في أذهان أناس مذعورين أو (مخضوضين) مما عاشوه أثناءها، أي إلا في ظل الـ حرب وضجيجها وأزيز مدافعها وإرهابها.. تعبئة قائمة على الخوف.. إذا سكتت المدافع وتوقفت الـ حرب سيعود الناس سريعاً إلى رشدهم حول حقيقة الحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي مفلس سياسياً، لا أكثر.. لذلك ستظل الحركة الإسلامية متمسكة بحالة ما من (الـ لا سلام)، ما استطاعت إليها سبيلاً!

الحركة الإسلامية بنت مشروعية حربها على استثارة مخاوف المواطن السوداني في الوسط على سلامته الشخصية

(*) وكيف سيواجه مشروع الفكر الديمقراطي “سلفية الدولة” التي تحاول العودة من جديد؟

طبعاً هذه ليست مهمة مشروع الفكر الديمقراطي وحده، وإنما كل الحركة السياسية السودانية حزبية ومدنية، وأول الشروط المطلوبة هنا وجود نظام ديمقراطي تتوفر فيه حريات التعبير والنشر والحوار.. المفروض يكون وضح بجلاء أن “السلفية السياسية”، التي يتبناها الإخوان المسلمون وفرضوها على الدولة والمجتمع في العقود الأربعة الماضية، هي العدو الأساسي للدولة السودانية.. النتائج واضحة أمام الناس: شبه انهيار كامل للدولة والمجتمع.. الأسباب أيضاً واضحة ووضوح الشمس: الإخوان المسلمون يؤمنون بمشروع سياسي قائم على صهر وإخضاع كل مكونات التنوع السوداني: مجموعات دينية وثقافية وإثنية ولغوية.. صهرها كلها في قالب عروبي إسلامي، باستخدام عنف مؤسسات الدولة.. المسألة هذه غير ممكنة.. مشروع الفكر الديمقراطي ظل ينبه لهذه المسألة باستمرار، منذ أن تأسسنا قبل 13 سنة..

“السلفية السياسية” إن أطلت برأسها مرة أخرى نتيجة للـ حرب، فستطل برأس مقطوع.. رأس بلا مشروع.. المشروع نفسه فشل فشلاً كارثياً في الممارسة.. مات وشبع موت.. ليس في السودان فقط بل على مستوى الإقليم.. هذا المتبقي هو (التنظيم)، هيكل عظمي بلا لحم.. لكن لا يزال بمقدوره – بحكم الكفاءة التنظيمية – إلحاق الكثير من الضرر إن لم يتم احتواؤه.. أهم طرق الاحتواء حالياً هي وقف الـ حرب، لأنها تسلبه بيئة بقائه وأهم أدواته: بقايا مخلفاته في مؤسسات الدولة.. تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية أداة ثانية لإضعاف التنظيم.. عمل لجنة إزالة التمكين وسيلة ثالثة.. اعتماد علمانية الدولة وسيلة أساسية لما بعد الـ حرب..

لكن الوسيلة الأهم ستظل تجريد المنظومة السلفية من رأس مالها الرمزي: الفكر السلفي، بالإصلاح الديني، حتى لا تظهر هذه المنظومة بثوب مقدس جديد.. ومع التجريد من رأس المال الرمزي، بناء نظام جديد قائم على مراجعة علمية وسياسية صارمة وأمينة لأسباب فشل مشروع الإسلاميين.. لن يكون هناك ما هو أكثر فداحة للسودان والإقليم والمجتمعات المسلمة على نطاق العالم من أن تنتهي تجربة حوالي أربعة عقود من حكم الإخوان المسلمين إلى مجرد انهيار النظام السياسي بعوامل التعرية الذاتية تحت ثقل سياساته الفاشلة، من دون بناء نظام سياسي حديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار