السودان

د. شمس الدين ضو البيت لـ”راينو”: الحكومات المتعاقبة فشلت في توفير أيٍ من الخبز أو الحرية رغم الشعارات (4)

حوار: راينو

تستضيف “راينو” في هذا اللقاء الفكري الاستثنائي، الباحث والمفكر السوداني د. شمس الدين ضو البيت، رئيس مشروع الفكر الديمقراطي، في حوار يتجاوز الراهن السياسي المباشر ليغوص في “الجذور المعرفية” للأزمة السودانية.

تناول ضوالبيت في هذا الحوار تشريحاً دقيقاً لبنية الدولة السودانية وما يسميه “الإسلام السلطاني”، مستعرضاً مآلات حلف (العسكر والإخوان) وأثره التدميري على المعمار النفسي للمواطن.

كما يقدم الحوار قراءة نقدية لاتفاق جوبا، وتجربة “مجموعات القراءة” كأداة لتوطين الديمقراطية في الريف، وصولاً إلى طرح مفهوم “الديموتنامية المعرفية” كبديل نهضوي يخرج السودان من دائرة حروب السبعين عاماً نحو أفق القطيعة المعرفية الشاملة وبناء وطن جديد.

صممت مجموعة “القراءة من أجل التغيير” لتكون إطاراً لاكتساب مهارات ومعارف ديمقراطية وشكلت “جدار حماية” ضد خطاب الكراهية والتقسيم

(*) بالانتقال إلى أدوات التغيير، وصلت “مجموعات القراءة” التي أطلقتموها إلى أكثر من 1200 مجموعة قبل الـحرب؛ أين هذه الكتلة البشرية اليوم؟ وهل نجحت في خلق “جدار حماية” فكري ضد خطاب الكراهية والتقسيم في مناطق النـزاع؟

بالتأكيد فيما يتعلق بأنها “جدار حماية” ضد خطاب الكراهية والتقسيم.. فمجموعة “القراءة من أجل التغيير” الواحدة مصممة لتكون إطاراً لاكتساب مهارات ومعارف ديمقراطية.. عدد الأشخاص في المجموعة لا يتعدى العشرة، بحيث يكون الجميع مشاركين في الحوارات، لا أن يكون هناك متحدثون وآخرون مستمعون فقط.. وذلك حتى يكتسب الجميع مهارات طرح الرأي (Presentation)، والدفاع عنه، ولكن أيضاً القدرة على الإنصات والاستماع لآراء الآخرين باحترام..

نوع المادة المقروءة، سلسلة “القراءة من أجل التغيير”، التي بلغت 107 عناوين حتى الآن، وكلها تقريباً بأقلام سودانية، ومصممة أيضاً على أساس (توطين) معارف ديمقراطية.. المجتمع المدني عامة يستخدم مصطلح “تعزيز”، ترجمة لكلمة (To promote) الإنجليزية.. أما نحن في المشروع فنعمل على “التوطين” (Entrenching).. لأن التعزيز يكون لشيء موجود أصلاً وأنت تعمل على تقويته.. لكن الثقافة الدينية السلفية السائدة لا تعترف أساساً بالديمقراطية لكي نعزز ما بها من ديمقراطية قليلة، ولا تعترف بحقوق المرأة.. ولا بحقوق الإنسان.. ولا بالحريات.. بل تعاديها.. لذلك عندما تقول “تعزيز” مثل هذه القيم والمبادئ وهي غير موجودة في الثقافة، فإن ذلك يعني في الواقع (استنساخها) من مواطنها الأوروبية و(لصقها) كما هي في بيئة معادية لها.. وهذه العملية لم تنجح ولا يتوقع لها أن تنجح.. لذلك ظلت الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ومنتجات الحداثة الإيجابية الأخرى مجرد حبر على الورق، وقابلة للانقلاب عليها وتجريفها.. وهذا هو ما حدث بالفعل.

“السلفية الدينية” هي مصدر المعوقات والعراقيل أمام الديمقراطية وحقوق المرأة والحريات وحقوق غير المسلمين

(*) وما هو الدور الذي يلعبه “الإصلاح الثقافي والديني” في عملية تهيئة التربة السودانية لهذه القيم؟

بالتوطين الذي يعني العمل على إزالة المعوقات في ثقافتنا أمام قيم الحداثة الإيجابية المذكورة.. كما يحدث تماماً في عملية الزراعة؛ لكي تنبت بذورك وتنمو، لا بد من تحضير الأرض وإزالة الأعشاب الضارة والطفيليات من الحقل.. وفي حالتنا، هذه هي مهمة ودور الإصلاح الثقافي، الذي هو في نهاية المطاف إصلاح ديني، لأن المعوقات والعراقيل أمام الديمقراطية وحقوق المرأة والحريات وحقوق غير المسلمين مصدرها الأساسي هو “السلفية الدينية” التي تحدثنا عنها وأوضحنا مفارقتها للعلم والمنطق السليم والتجربة الإنسانية..

عموماً عضوية مجموعات القراءة النشطة لا تقل عن 10 آلاف مشارك، قرأت وناقشت، على مدى 10 سنوات، 350 ألف كتاب مصممة كلها لتوطين الديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والاقتصاد التعاوني وثقافة التنمية واحترام التنوع في الفكر والثقافة السياسية السودانية، وعقدت حولها أكثر من 4 آلاف حلقة نقاش.. هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الأشخاص الآخرين الذين استفادوا بصورة غير مباشرة من المشروع.. عقدنا كذلك عشرات الورش التدريبية والحواريات للشباب والشابات في مواضيع كثيرة منها مهارات التواصل مع المجتمعات المحلية، وأسس الأنظمة الديمقراطية، ومدارس الفكر النسائي والنسوي، وعلاقة الدين بالدولة، ومدارس التنمية، والمدن في السودان، والاقتصاد التعاوني.. إلخ. وفي عام 2015 جمعنا قيادات شبابية للثورة التونسية وقيادات شبابية لثورة 25 يناير المصرية، والثورة الليبية – جمعناهم في مؤتمر لتبادل الخبرات مع 40 من القيادات الشبابية السودانية.. وكان لقاءً مهماً ومثمراً للغاية.

(*) وماذا كانت النتيجة؟   

الناتج في الغالب هو تغيير إيجابي طويل المدى في السلوك يستبطن الأهداف المذكورة.. وهذا في الحقيقة هو ما خرجت به دراسة جدوى وتقويم من بيت خبرة استطلعت آراء مئات ممن استفادوا من برنامج “القراءة من أجل التغيير”..

(*) أين تستقر هذه المجموعات اليوم في ظل واقع الحرب والتمزق الذي يعيشه السودان؟

بالتأكيد هذه الأعداد بمعارفها ومهاراتها الديمقراطية منخرطة الآن في غرف الطوارئ والتكايا واللجان الخيرية وفي مناشط مناهضة الحرب الأخرى، بأشكال تناسب الأوضاع الحالية. وهي أيضاً مخزون استراتيجي للانتقال والتحول الديمقراطي التنموي في السودان.

الديموتنامية مصطلح يربط بين االديمقراطية والتنمية باعتبار أن الفعلين مفصولان في فكرنا وممارستنا السياسية السودانية

(*) تتحدث في أطروحاتك عن “الديموتنامية المعرفية”؛ كيف يمكن ترجمة هذا المفهوم المعقد إلى لغة سياسية وبرامج عمل يفهمها الشارع السوداني الذي يواجه الجوع والقـصف اليوم؟

بالمناسبة مفهوم “الديموتنامية المعرفية” ليس معقداً، بل هو سهل وبسيط جداً.. يمكن القول إنه غريب على الأذن واللسان فقط لأنه جديد.. أما على مستوى المعنى فهو بسيط للغاية.. كلنا نتحدث عن الديمقراطية.. ونتحدث أيضاً باستمرار عن التنمية.. “الديموتنامية” هي جمع هذين المصطلحين في كلمة واحدة.. (ديمو)، الشق الأول من ديمقراطية، و(تنامية) بزيادة ألف لتنمية، فنحصل على (ديموتنامية).. والربط بين المصطلحين لضرورة قصوى هي أن الفعلين مفصولان في فكرنا وممارستنا السياسية السودانية..

فأول حكومة وطنية رفعت شعار (تحرير لا تعمير)، أعقبتها حكومة 17 نوفمبر العسكرية ورفعت شعار (احكموا علينا بأعمالنا) التنموية، وطالبت بعدم سؤالها عن الحريات.. فجاءت حكومة أكتوبر وركزت على الحريات السياسية والمدنية.. ليأتي بعدها نظام مايو العسكري ويتحدث عن (السودان سلة غذاء العالم).. وجاءت بعد ذلك حكومات الانتفاضة بعد عام 1985، وضاع الوقت كله حول “قوانين سبتمبر” بدون مشاريع تنمية.. لتأتي حكومة “الإنقاذ” العسكرية وترفع شعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) وتقمع الحريات.. وطبعاً نحن نعلم أن جميع هذه الحكومات فشلت في النتيجة النهائية في توفير أيٍ من الخبز أو الحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار