خطوة مثيرة للجدل أقدمت عليها حكومة الجنرال عبد الفتاح البرهان في بورتسودان بانسحابها من المشاركة في نظام مراقبة الجوع العالمي، عشية صدور تقرير من المتوقع أن يظهر انتشار المجاعة في أنحاء البلاد، وقال وزير الزراعة بالحكومة في رسالة بتاريخ 23 ديسمبر، إن حكومته علقت مشاركتها في نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، متهمة التصنيف المرحلي “بإصدار تقارير غير موثوقة تقوض سيادة السودان وكرامته”. الأمر الذي اثار تساؤلات حول مبررات الخطوة وعدم اعتراف الحكومة في كل مرة بعدم وجود مجاعة في السودان.
ما هو التصنيف؟
وتشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن حوالي 24.6 مليون شخص، أي حوالي نصف العدد الكلي للسودانيين، في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية حتى فبراير، وهي زيادة كبيرة، عما كان متوقعاً في يونيو عند 21.1 مليون.
وحسب مرصد الجوع العالمي تضم المناطق التي تشهد مجاعة معسكر زمزم و أبو شوك، والسلام في شمال وجنوب دارفور، وفي مناطق أخرى بجبال النوبة، فضلا عن ترشيح 17 منطقة اخرى لتهديدات المجاعة.
ويعد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هيئة مستقلة تمولها دول غربية، وتشرف عليها 19 منظمة إنسانية كبيرة ومؤسسة حكومية دولية، ويشكل محورا رئيسيا في النظام العالمي الواسع لمراقبة وتخفيف الجوع، وهو مصمم لدق ناقوس الخطر بشأن تطور أزمات الغذاء حتى تتمكن المنظمات من الاستجابة ومنع المجاعة والمجاعة الجماعية.
وقيمت عدد من منظمات إغاثية قرار الانسحاب من نظام التصنيف المرحلي، وقالت بحسب المتداول بإنه يقوض الجهود الإنسانية لمساعدة ملايين السودانيين الذين يعانون من الجوع الشديد. على الرغم من ـن الانسحاب في حد ذاته لن يغير من واقع الجوع على الأرض، لكنه يحرم المجتمع الدولي من بوصلته في التعامل مع أزمة الجوع في السودان.
تقدم تدين:
وفي رد فعل واضح ومباشر وسريع أدانت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” إعلان حكومة بورتسودان انسحابها من تصنيف مرحلة الأمن الغذائي المتكامل، وأضافت في بيان لها:(في سلسلة من القرارات غير المسؤولة والمتكررة، أعلنت بورتسودان انسحابها من تصنيف مرحلة الأمن الغذائي المتكامل “IPC”، وهو أداة دولية تستخدم للتحليل الشامل لتقييم حدة انعدام الأمن الغذائي عبر الولايات والأقاليم.
وأشارت التنسيقية إلى أن القرار يأتي وسط تصاعد الأزمة الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع التي أعاقت بشدة قدرة الدولة على مواجهة التحديات الإنسانية الخطيرة.
وجاء في البيان:(هذه السياسة اللاأخلاقية التي تنطوي على إنكار الأزمات التي يواجهها السكان والتخفيف من معاناتهم، تبرز افتقار هيئة بورتسودان إلى شفافية الوضع الإنساني. وهو يثير قلق شديد بشأن موثوقية بياناته عن الأمن الغذائي. وسيؤثر الانسحاب حتما على استجابة المنظمات الدولية التي تعتمد على لجنة مكافحة الإرهاب لتحديد المجالات التي تحتاج إلى المساعدة بشكل ملح. بدون بيانات دقيقة ومعتمدة دوليا، يخاطر السودان بفقدان الدعم المستهدف، مما يزيد الأزمة الإنسانية سوءا. إن غياب بيانات اللجنة الدولية سيعيق الجهود المبذولة لمعالجة انعدام الأمن الغذائي، ويعرقل التوزيع العادل للمعونة، ويعقّد التنسيق بين الجهات الفاعلة الإنسانية المحلية والدولية).
وأضاف البيان:(هذه السياسات هي استمرارا لإرث النظام السابق، الذي أنكر الأزمات الإنسانية باستمرار ورفض التعاون مع المجتمع الدولي ومؤسساته المتخصصة. هذه السياسات تركت المواطنين السودانيين يواجهون تحدياتهم في عزلة، خالين من الجهود الهادفة للتخفيف من معاناتهم. تتطلب هذه الممارسات استجابة عاجلة من أصحاب الضمائر الحية والنزاهة الأخلاقية والقيم الديمقراطية الذين يعطون الأولوية لحياة الشعب وسبل عيشه على المكاسب السياسية الوهمية).
أراء ومواقف:
ويذهب خبير واستشاري العودة الطوعية بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين سابقا “صالح المرضي” في حديثه لـ”راينو” إلى أن الدولة التي تنسحب من برنامج مراقبة الجوع فإن ذلك لا يؤثر في عرض الاحتياجات، فلا تستطيع المنظمات أن تعد نفسها للتدخل ومداه على مستوى الحاجة أو على المستوى الزمني، مشيراً إلى أن أي مجاعة تعني السماح للمنظمات بالتدخل، وهو ما تخشاه الدول خوفا على شؤونها.
مرجحاً أن يكون ذلك هو السبب في انسحاب حكومة البرهان من النظام، إذ أنها ترفض تعامل المنظمات وحصولهم على المعلومات وقال: “في إعتقادي التحفظ امني وسياسي والانسحاب نفسه إجراء سياسي، تحفظا ليس لعمل المنظمات بل خوفا من إستغلال ذلك”.
وأكد صالح ان التأثير المباشر للخطوة هو عدم وجود مساعدات مما يوقع الضرر على المواطنين. منوها إلى أن المجاعة تحتاج إلى تدخل أكبر.
مليون فدان فجوة:
ويرى وليد النور سكرتير الشؤون الاجتماعية بنقابة الصحفيين السودانيين في حديثه لـ “راينو”، أن الانسحاب جاء أسباب سياسية وليست اقتصادية ولا انسانية، قاطعا بتاثيره في المواطنين بالخرطوم وبقية الولايات التي تأثرت بالحرب لأنه سيوقف دخول الاغاثة، وأضاف: إذا ادعيت عدم وجود مجاعة فإن ذلك يعني عدم الحاجة للمساعدات، مع العلم بأن النزوح وعدم الزراعة في المشاريع خلق ازمة، فمشروع الجزيرة الذي كان يزرع فيه مائة وسبعة وثلاثين فدان، غلا انهم هذه المرة بحسب تصريحات وزير الزراعة زرعوا 37 مليون فدان، اي ان هناك فجوة ما يقارب المائة كمليون فدان، وتابع: هناك زراعة مطرية في كردفان لم تتم زراعتها كانت تغطي حاجة كردفان وجزء من الوسط وكانت تغطي حاجة المواطنين الغذائية خصوصا المعتمدين على الذرة والدخن في غذائهم.
مستبعدا إمكانية تراجع حكومة بورتسودان عن أنسحابها وقال: هم غير حريصين على المواطن هم حريصين على ما يعرف بسيادة وكرامة حكومتهم.
من جانبه يرى المحلل السياسي “عمر سفيان سالم” في حديثه لـ”راينو” أن خطوة حكومة بورتسودان ليست صدفة، ولكنها مقصودة بهدف القتل مع سبق الاصرار والترصد خصوصا وان المناطق التي مستها المنجاعة أو الجوع الشديد ليست ذات اولوية لحكومة الاسلاميين بدليل انها ذات المناطق التي يستدفها الطيران بلا تمييز بين مدنيين وعسكريين. وأضاف: “محاولة تهجير المواطنين ونزوحهم بفعل ممارسات حكومة الجنرال البرهان ستتواصل وستمضي طالما يخدم مخططهم في فصل دارفور عن السودان” .