مصطلح قديم متجدد ومفردة تلفت الانتباه برزت للفضاء السياسي السوداني المترع بغيوم الحرب والمعطون في الدم، عقب انطلاق اجتماعات تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” بمدينة عينتبي في يوغندا. وحملت الانباء والتسريبات استعراض الاجتماع لما يعرف بتشكيل حكومة منفى، الأمر الذي اثار ردود فعل واسعة، ابرزها جاءت من دوائر محسوبة على الجيش ومن ورائه من منسوبي النظام البائد ومشجعي استمرار الحرب.
بروز وأنباء:
ونقلت قناة الشرق عن من وصفتههم بمصادر سياسية رفيعة، أن ثمة خلافات داخل اجتماعات تنسيقية “تقدم” المنعقدة في مدينة “عنتيبي” الأوغندية، بسبب مقترح تشكيل حكومة منفى مدنية في السودان.
فيما كشف مصدر مطلع لـ”راينو” عن ترحيل المناقشة إلى مساء اليوم ويوم غدً حول الأمر.
وتعرف حكومة المنفى بأنها جماعة سياسية تزعم أنها الحكومة الشرعية لبلد ما، لكنها غير قادرة على ممارسة سلطتها القانونية ولذلك تقيم في بلد أجنبي. تخطط الحكومات في المنفى في العادة للعودة يوم ما إلى بلدهم الأصلي وتسلم السلطة رسمياً.
ولا يعرف فعليا تاريخ محدد لبروز مثل هذه الحكومات، لكن أشهر حكومتين برزتا في التاريخ، كانت أولاهما في القرن السابع عشر بعد الإطاحة بالملك البريطاني جيمس الثاني على خلفية الثورة عام 1688. وما حدث حسب وقائع التاريخ حينها أن الشعب البريطاني نفى الملك في البداية إلى إيرلندا، حيث استمر الإيرلنديون في اعتباره الحاكم الشرعي لبلاده، ومرر من هناك قانوناً يقضي بمصادرة الممتلكات الهائلة لأولئك الذين ثاروا عليه.
كذلك أسس جيمس الثاني جيشه الخاص بإيرلندا، لكنه ما لبث أن هزم في معركته الأولى عام 1690، فسافر إلى فرنسا، وعلى مدى نصف قرن ظل يدعي وابنه جيمس فرانسيس إدوارد ستيورات وحفيده تشارلز إدوارد ستيورات أنهم الملوك الفعليون، على الرغم من أنهم كانوا يعيشون منفيين خارج حدود بلادهم التي من المفترض أنهم يحكمونها، حتى أن بعض الملوك الآخرين اعترفوا بهم كحكام شرعيين.
الحكومة الثانية كانت في القرن الثامن عشر إبان الثورة الفرنسية عام 1789، والتي أبعدت آل بوربون عن الحكم ونفتهم بعيداً. ومن منافيهم ظل هؤلاء الحكام السابقون يعتبرون أنفسهم على رأس السلطة في فرنسا ونالوا اعتراف دول كثيرة بهذا الشأن.
لاحقاً ومع انتشار نظام حكم الملكية الدستورية، أصبحت الحكومات المنفية تضم رئيساً للوزراء. والمثال الأبرز هنا ما حصل بعد انتصار الألمان في معركة هولندا عام 1940 وهروب العائلة المالكة الهولندية والعديد من السياسيين البارزين إلى لندن، حيث شكلوا حكومة في المنفى برئاسة السياسي الهولندي بيتر شوردس غيربراندي، كذلك حكومة فرنسا الحرة بقيادة شارل ديغول التي تأسست في يوليو عام 1940 في لندن، واستطاعت القتال ضد دول المحور باعتبارها من دول الحلفاء ودعمت المقاومة في الأراضي الفرنسية الراسخة تحت الاحتلال.
وتذهب تحليلات علماء السياسة إلى أن استمرارية تلك الحكومة، فتعتمد بشكل أساسي على نوع ومقدار الدعم الذي تتلقاه في منفاها. ليس فقط من سكان بلدها المؤيدين لها، وإنما من الحكومات والدول الأخرى أيضاً.
وغالباً ما تؤسس الحكومات في المنافي بعد حدوث ثورة أو انقلاب عسكري أو خلال الحروب. وقد شهدت المملكة المتحدة أثناء التوسع الألماني في الحرب العالمية الثانية توافد حكومات أوروبية عدة خشية من المواجهة المباشرة مع النازيين أو الوقوع في قبضتهم.
لماذا الخلاف؟
اسئلة كثيفة تتواتر للاذهانت على خلفية ترسيب وجود خلافات في”تقدم”، التي يرأسها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك حول تشكيل الحكومة من عدمه ، ويرى عضو التنسيقية القيادي بالتحالف السوداني شهاب ابراهيم في حديثه لـ”راينو”، أن تشكيل حكومة منفى في السودان، قرار معقد يحمل في طياته مخاطر. وقال:”يجب على القوى السياسية والمدنية السودانية الداعية لإيقاف هذه الحرب دراسة جميع الجوانب بعناية قبل اتخاذ مثل هذا القرار، والعمل على توحيد السودانيين ومكوناتهم حول ضرورة إيقاف الحرب اولا، وحشد الدعم الدولي للوصول إلى حل سياسي للأزمة السودانية”. مشدداً على أنه إذا كان البعض يعتقد أن تشكيل حكومة منفى يوفر بديلاً سياسياً للسلطات الحالية، مما يمنح المعارضة منصة أوسع للتعبير عن آرائها وتنظيم صفوفها، إلا أننا نرى كما يرى البعض الاخر انها ستزيد من حالة الانقسام السياسي وتعمق الخلافات السياسي اكثر من ما عمقته الحرب وهذا الانقسام الراسي سيؤدي حتما الى تقسيم البلاد خصوصا ان هناك اكثر من سلطة امر واقع كما هو في جنوب كردفان وفي جبل مرة.
وقد يساهم تشكيل حكومة منفي في عدم القدرة علي حشد الدعم الدولي للقضية السودانية وان تتحول الحرب في السودان من إطار التفاهمات الي حرب تحالفات، لان المجتمع الدولي والاقليمي يصبح مستقطب ومنحاز الي عدد من سلطات الأمر الواقع في السودان وهو مدخل لتحالفات اقليمية ودولية. وأضاف: قد تلعب حكومة منفى دوراً سلبياً في تسهيل المفاوضات مع الأطراف المتحاربة والوصول إلى حل سياسي للأزمة.
محذرا من خطورة اتخاذ الخطوة وقال: “اخيرا قد تؤدي هذه الخطوة إلى تقسيم السودان إلى مناطق نفوذ متنازعة من خلال تشجيع اطراف عديدة على اعلان حكومات، مما يهدد بانهيار الدولة، وستكون حكومة المنفى هي الحكومة الوحيدة المعزولة لأنها لا تملك مناطق سيطرة.
نسف وقف الحرب:
من جانبه يذهب المحلل السياسي عثمان فضل الله في حديثه لـ”راينو” إلى أن الدعوة لتشكيل حكومة منفى هي دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وقال: “الذين يسوقون لها، منطقهم أن الفراغ الموجود في السلطة إتاح لقائد الجيش التحرك داخلياً وخارجياً، واكتساب شرعية بالأمر الواقع جعلته يتحدث باسم السودان مدعياً انه يمثل الشرعية الدستورية، وبدأ بمخاطبة الأمم المتحدة. والآن يسعى جاداً لاستعادة مقعد السودان المجمد في الاتحاد الأفريقي بدعم من بعض دول الإقليم” وأضاف: “كل تلك مسوغات منطقية تدفع – عند النظر إليها بتسطح – إلى الاحساس بمنطقية الدعوة، غير أن هذه الدعوة في ظل الاستقطاب المجتمعي الماثل، من السهولة أن تجير وتدفع الى المزيد من الاصطفاف لتصل الى أن تكون ممهداً جيداً لتفكيك البلاد.
وأوضح عثمان أن الدعوة من شأنها أيضاً في ظل توسيع التيار الداعي لوقف الحرب، وقبول العديد من الكيانات والقوى السياسية نفض يدها عن تحالف ” الكرامة”، يصبح أي إعلان لحكومة بمثابة رصاصة الرحمة على هذه الجهود.
واعتبر عثمان أنه بالنظر إلى التجارب الشبيهة مثل (سوريا،ليبيا،اليمن) في مجموعها تجارب فاشلة وعقدت المشهد اكثر من انها اسهمت في حلول، لذا أي إعلان حكومة دون إيجاد سند شعبي قوى ودعم دولي أقوى، يجعل الجهة الداعية له مجرد لاهثة خلف شهوة السلطة.
تقييم السالب والموجب:
وفي السياق يقول المحلل السياسي “عمار نجم الدين” في حديثه لـ”راينو” إن الخطوة تثير جدلاً واسعاً بين جدواها وسلبياتها، مشيراً إلى أنه على الصعيد الإيجابي، يمكن لحكومة المنفى أن توفر منصة دبلوماسية للمعارضة السودانية لعرض قضيتها أمام المجتمع الدولي، والضغط على نظام البرهان الذي يعاني عزلة دولية خانقة. لكنها، من ناحية أخرى، تواجه تحديات جوهرية، أبرزها الانفصال عن الشعب، وغياب التأثير الميداني المباشر.
وأضاف: التجارب التاريخية تثبت أن حكومات المنفى غالباً ما تفقد زخمها مع مرور الوقت، لأنها تفتقر إلى الوجود الفعلي داخل البلاد. في المقابل، تشكيل حكومة وطنية داخل السودان، خصوصاً من المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة القائد عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، يمثل خياراً أكثر استدامة وفعالية. هذه المناطق، الممتدة على مساحة 230 ألف كيلومتر مربع، ليست مجرد أراضٍ خارجة عن سيطرة النظام، بل هي قاعدة صلبة تعكس الشرعية الميدانية للمعارضة، وتوفر حماية لوجستية وسياسية لإطلاق حكومة وطنية”.
وأبان أن الحكومة التي تُعلن من الداخل ستكتسب مصداقية أكبر بين السودانيين، لأنها ستعمل من أرض الواقع، بالقرب من الشعب الذي يعاني ويلات الحرب والقمع. كما أن هذا التواجد الداخلي سيعزز فرص الاعتراف الدولي، لأنه يظهر قدرة المعارضة على السيطرة الميدانية، وليس فقط على الخطاب السياسي.
ويذهب إلى أنه من جانب آخر، على المعارضة أن تتعلم من أخطاء الماضي، والمطلوب اليوم هو حكومة جامعة، تمثل كافة القوى الوطنية، وتعمل على توحيد الصف الداخلي، بدلاً من تعميق الانقسامات. وتابع: تشكيل حكومة وطنية داخل السودان ليس فقط خطوة سياسية، بل هو إعلان بأن الشعب السوداني قادر على استعادة زمام المبادرة. هذه الحكومة ستشكل فرصة تاريخية لتجاوز الانقسامات، وفتح أبواب التفاوض لإنهاء الحرب، وتحقيق سلام عادل ومستدام.