السودان

منعم سليمان يكتب: سلطة ساقطة وعدالة متفسّخة!

بقلم: منعم سليمان

في بلدٍ أنهكته الحروب وأثقلته وعود العدالة المؤجَّلة، خرجت من بورتسودان صور تعيد إلى الذاكرة أقسى ملامح العصور المظلمة. محاكم تحوّلت إلى أقبية تعذيبٍ أمنية، لا تبحث عن الحقيقة ولا عن إنصاف المظلوم، بل تُنصب فيها المشانق كما تُنصب الفخاخ، وأحكام تصدر لا بميزان القانون بل بسطوة القوة، تُرمى في وجوه الناس كما تُرمى الأحجار.

في مدينة البحر المفتوح على الأفق، تُغلق أبواب العدالة، ويُدفع المواطنون إلى قفص الموت تحت تهمةٍ ملفقة واحدة لا تتغيّر ولا تتبدّل، وهي: *التعاون مع الدعم السريع*.

هذه التهمة الكيدية تحوّلت إلى أداةٍ للانتقام السياسي، يستخدمها العسكر وحلفاؤهم من بقايا النظام البائد لتصفية الحسابات، ونشر الخوف، وردع المعارضين المختلفين، وإحياء ذاكرة محاكم التفتيش في نسخة أكثر قسوة وواقعية.

الأحكام تنهال بالعشرات: إعدام، مؤبّد، وسجون لسنوات طويلة، في محاكمات لا مكان فيها لبراءة محتملة، ولا حقّ للدفاع، فالقضاة أنفسهم مجرّد أدوات، يُملي عليهم الأمن أحكامه كما تُملَى الخطب على أولئك الخطباء الجهلاء الذين حوّلوا المنابر إلى ساحات معارك؛ ولا أعرف لماذا لا تزال هذه المهنة التي تمثّل الغباء البشري في أقبح صوره باقية في عصر الذكاء الاصطناعي؟!

من مأساة الطالب *مصطفى الغزالي* الذي ضُيّعت حياته لعشر سنوات من أجل نكتةٍ عابرة على “واتساب” تسخر من حال سلطةٍ مهزأة أصلاً، إلى مأساة *يواء* تلك المرأة الصالحة التي شهد لها سكان منطقتها بطيبتها وعملها في رعاية الأطفال، والتي حُكم عليها بالإعدام في محاكمة لم تكن سوى تصفية حسابٍ شخصي!

مئات القصص والمآسي تتجلّى فيها الحقيقة المُرّة: أن القضاء صار أداةً بيد أجهزة الظل، وأن العدالة قد وُضعت في بدروم مظلم .. ذلك *البدروم* الذي خرج منه البرهان حافياً وهو يلهث صوب بورتسودان ليعيد سلطان جماعته، ويحقّق حلم أبيه الذي رآه ذات ليلةٍ ليلاء لا يزال ظلامها يعمّ أرجاء السودان.

إنها صورة مألوفة لمن خبروا نهج الإخوان (الكيزان): حيث يُستخدم القضاء كأداة قمع، والقانون كمطرقةٍ بيد السلطة، تضرب بها خصومها السياسيين المعارضين، وترهب بها المجتمع؛ والهدف القمع والترهيب وصناعة الخوف في القلوب. والرسالة أوضح من أن تُخفى: أي جهرٍ برأيٍ آخر، وأي كلمة أو تعبير عن رفض، أو جهرٍ بحقيقة، يفتح باب المشنقة!

إن هذا النموذج الذي تقدّمه سلطة بورتسودان اليوم هو النموذج الحقيقي الذي يريد الكيزان أن يُدار به السودان كلّه في الغد: محاكم تفتيش مُقنّعة بعباءة قضائية، ودعاية رسمية كاذبة تُحوّل الضحايا إلى خونة، بينما يمرح الفاسدون والقتلة الحقيقيون بلا حساب، كما فعلوا طوال ثلاثة عقودٍ عجاف.

*لكن السجون والمشانق، مهما كثرت وعلت، لا تُخيف روحًا تتوق إلى الحرية*. وحين يتحوّل القضاء إلى أداة قتل، يفقد حكمه وزنه، وتتحوّل هيبة السلطة إلى قناع هشّ يسقط عند أول هبّة. وسيكتب التاريخ قريبًا: إن هذه الأحكام لم تكن إعلانَ قوة، بل صرخةَ ضعف. *وإن هذه المشانق لم تُسكت هذا الشعب من قبل، بل أيقظت فيه العزم على الحرية والكرامة*.

ثم ما قيمة حبلٍ يلتف حول عنق بريء، إذا كان الحبل الحقيقي يلتف حول شرعية سلطةٍ محكوم عليها بالموت قبل أن تحكم على الآخرين؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار