السودان

عضو المجلس الرئاسي لحكومة السلام الطاهر حجر: توجه استراتيجي لبناء الجيش الموحد

في خطوة استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب وفرض الاستقرار المعيشي، المجلس الرئاسي يطلق حزمة معالجات جذرية وشاملة تضع معاش الناس على رأس الأولويات القصوى للدولة. وتأتي هذه التوجهات مدفوعة بآلية وزارية وأمنية مشتركة أقرها المجلس لضبط الموارد، ومكافحة التهريب، وتأمين الحدود في كافة مناطق سيطرة حكومة السلام، بما يضمن الانتقال من الحلول المؤقتة إلى سياسات اقتصادية مستدامة تلبي تطلعات المواطنين على أرض الواقع، وبالتزامن مع التقدم الميداني النوعي والتنسيق العملياتي المتكامل على كافة جبهات ومحاور القتال، تخطو “قوات تأسيس” خطوات متسارعة نحو الانتقال من التفوق الميداني إلى مرحلة البناء المؤسسي للدولة. وانطلاقاً من عقيدة عسكرية موحدة وهدف استراتيجي لبناء السودان الجديد، ويجري العمل حالياً لتكوين الجيش الوطني الموحد، تحت إشراف قيادة الأركان المشتركة ووزارة الدفاع، بما يضمن حماية السيادة الوطنية وإرساء ركائز الاستقرار المستدام. في حوار موسع مع صحيفة “تأسيس” يجيب رئيس تجمع قوى تحرير السودان، القيادي بتحالف السودان التأسيسي وعضو المجلس الرئاسي لحكومة السلام “الطاهر أبو بكر حجر” على جملة من الأسئلة المطروحة.

حوار: سلافة أبو ضفيرة

 

“محمد حمدان دقلو” قائد استثنائي، ألغى الفوارق الإثنية والثقافية وتوحدت خلفه الشعوب السودانية

(*) ما هي خطط المجلس الرئاسي لمعالجة الأزمة الاقتصادية في ظل استمرار الحرب؟

إن وضع الحرب الذي نعيشه اليوم يختلف تماماً عن الأوضاع العادية في أي دولة، فالاقتصاد يمر بحالة غير طبيعية تستدعي وضع هذا الملف الاقتصادي على رأس الأولويات القصوى للدولة. ومن هذا المنطلق، بادر المجلس الرئاسي منذ اجتماعه الأول بجعل قضية الاقتصاد ومعاش الناس القضية الأساسية والأولوية القصوى للمجلس وللحكومة بكامل أجهزتها.

إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تكاملاً دقيقاً في الأدوار، فبينما يضطلع المجلس بدور رسم الخطط والسياسات العامة لمعالجة الأوضاع المعيشية، تقع على عاتق مجلس الوزراء والأجهزة التنفيذية والأمنية مسؤولية تطبيق هذه السياسات على أرض الواقع. وفي إطار هذا التنسيق المشترك، شكلنا لجاناً متخصصة وضعت ورقة اقتصادية شاملة لتكون خارطة طريق لبدء معالجات جذرية وفورية.

سنركز جهودنا بشكل مكثف على المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة السلام، حيث نعمل على ضبط غير عادٍ للاقتصاد والموارد الاستراتيجية. ويشمل ذلك إحكام الرقابة على عوائد الجمارك، الضرائب، ونقاط التحصيل الرسمي للدولة، إلى جانب حماية المنتجات الزراعية للمواطنين. وتفعيلاً للقرارات السابقة، شُكلت بالفعل آلية وزارية أمنية عليا تضم وزير المالية، والأمن الاقتصادي، وأعضاء من المجلس الرئاسي لدراسة هذه الورقة وعرضها على مجلس الأمن والدفاع لتدقيقها وإصدار التوجيهات النهائية الملزمة.

إننا ندرك أن الأزمة الاقتصادية تمثل جذراً أساسياً من جذور التحديات الراهنة، ولذلك تشمل خططنا أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة، حيث وضعت الدولة تصورات حاسمة لضبط الحدود ومكافحة التهريب، مع إعادة تنظيم صيغ التعامل التجاري مع دول الجوار في مناطق سيطرة حكومة السلام. نسعى من خلال ذلك إلى فتح أسواق جديدة تضمن استمرار التواصل الإنساني وتعزز التبادل التجاري لخدمة مجتمعاتنا ونؤكد أن هذه الخطط والسياسات تتطلب عملاً دؤوباً ومتواصلاً، لكننا ملتزمون أمام شعوبنا ببدء تنفيذ هذه التوصيات وإنزالها على أرض الواقع في القريب العاجل.

يجب ألا تتحول عقوبات استخدام الجيش للسلاح الكيماوي من أداة لحماية المدنيين  إلى ورقة ضغط سياسي

(*) حدثنا عن الوضع الأمني، وما أبرز النجاحات التي حققتها الأجهزة الأمنية في حكومة السلام؟

إن القضية الأمنية تمثل حجر الزاوية والأولوية القصوى في زمن الحرب، وتتوزع جهودنا في مسارين متوازيين، الأول: يركز على حماية المدنيين وتأمينهم، والثاني: يُعنى بتنظيم وتنسيق أدوار الأجهزة الأمنية المختلفة من شرطة، وأمن، وأجهزة مخابرات وتوزيع المهام بينها بدقة متناهية في كافة المدن.

ولذلك، فور تشكيل هذه الأجهزة، كان البند الأول والملح على طاولة اجتماعات مجلس الأمن والدفاع هو بحث مسألة السيولة الأمنية وكيفية معالجتها بشكل جذري وفوري. وبناءً على ذلك، تم بنجاح إنفاذ الخطة الأمنية الشاملة التي أقرها المجلس.

ومن المعلوم أن ظروف الحروب تفرز عادةً بعض التفلتات الأمنية، إلا أننا واجهنا ذلك بوضع خطط أمنية محكمة ومخصصة لكل مدينة في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة السلام، وقد حققنا بالفعل نجاحات ملموسة وكبيرة على الأرض. ونحن ندرك تماماً أن هناك جهات تخريبية معلومة، متمثلة في فلول النظام البائد وعناصرها الإرهابية، تسعى جاهدة لزعزعة الاستقرار، لكننا نؤكد أن أجهزتنا الأمنية والمخابراتية في أعلى درجات اليقظة والجاهزية، وهي قادرة تماماً على بسط هيبة الحكومة وضبط الفضاء العام.

وفي سياق متصل، أولت الدولة ملف الموسم الزراعي حيزاً كبيراً من النقاش، وحرصاً منا على تأمين الغذاء وحياة المواطنين، أصدر مجلس الأمن والدفاع توجيهات مباشرة بتشكيل قوة مشتركة من كافة “قوات تأسيس” لتأمين الموسم الزراعي، وتوفير الحماية الكاملة لقطاعي الرعاة والمزارعين على حد سواء لضمان نجاح الموسم.

المجلس الرئاسي يضع “معاش الناس” على رأس أولوياته ويقر آلية عاجلة لضبط الاقتصاد ومنع التهريب

(*) الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع يتميز بصفات قيادية وعسكرية فريدة.. كيف تصف قيادته الحالية للمجلس الرئاسي، وبماذا اتسمت الفترة الماضية داخل المجلس، وكيف تواجهون تحديات الوضع الراهن؟

إن شهادتي في حق الفريق أول محمد حمدان دقلو قد تبدو مجروحة نظراً للقرب والعمل المشترك، ولكنها إنصاف لرجل يتميز بصفات قيادية وعسكرية فريدة واستثنائية. وللتاريخ، نؤكد أنه كان رافضاً وبشكل قاطع لتولي رئاسة المجلس في البداية، إلا أن الإصرار الصادق والمستمر من مكونات التحالف، ومن المؤمنين الحقيقيين بقضية التغيير الجذري في السودان، هو الذي دفعه للاستجابة وقيادة هذه المسيرة التاريخية. لقد خضنا معاً مراحل شاقة ومعقدة حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، فهو قائد استثنائي ألغى الفوارق الإثنية والثقافية وتوحدت خلفه الشعوب السودانية.

وقد اتسمت المرحلة السابقة داخل أروقة المجلس بروح عالية من المسؤولية، التضامن، والتعاضد التام في ظل هذه الظروف العصيبة، حيث تحمل أعضاء المجلس الكثير في مواجهة تحديات الحرب، وعلى رأسها الملف المعيشي الذي نعتبره المسؤولية الأكبر والاختبار الأضخم لنا.

إننا ولأول مرة في تاريخ السودان الحديث، نشهد ولادة تحالف وطني عريض بهذا الحجم، يصر على إحداث تغيير شامل وكامل، ويمتاز بتمثيله لكافة ألوان الطيف والتنوع الإثني، الديني، والثقافي، في بلد يصعب فيه تاريخياً الإجماع حول قيادة موحدة والشعوب السودانية نجحت في التوحد خلف قيادة الفريق أول “محمد حمدان دقلو” كونه صاحب رؤية متقدمة وواضحة لبناء السودان الجديد.

لدينا خطط محكمة لضبط الفضاء العام وتأمين للموسم الزراعي

(*) كيف تقيمون الوضع العسكري الحالي لـ “قوات تأسيس” في جبهات القتال؟

إن الوضع العسكري لـ “قوات تأسيس” في كافة جبهات ومحاور القتال يمر بمرحلة متقدمة وأكثر من مميزة، حيث تشهد القوات تعاظماً مستمراً في قدراتها وتفوقها الميداني. هذا الزخم العسكري لا ينطلق من فراغ، بل يستمد قوته وصلابته من الهدف السامي والنبيل الذي نقاتل من أجله، وهو الإصرار التام على بناء الدولة السودانية بناءً حقيقياً، عادلاً، وقائماً على المواطنة المتساوية.

وتعمل جميع وحدات وتشكيلات “قوات تأسيس” بروح قتالية عالية، وعقيدة عسكرية موحدة وملتزمة بآمال الشعوب السودانية. كما أن القوات والوحدات المنتشرة على امتداد جغرافيا مناطق السيطرة تعمل وفق تنسيق عملياتي محكم، متقن، ومتكامل، مما أتاح لها إدارة المعارك بكفاءة عالية وبسط الاستقرار والأمن في تلك المناطق.

وفي إطار الرؤية الاستراتيجية لتنظيم المشهد العسكري في المستقبل، يجري العمل حالياً وبخطىً متسارعة إنفاذ إجراءات وترتيبات هيكلية كبرى لتكوين “الجيش الوطني الموحد”، هذا المشروع القومي يتم التأسيس له عبر قيادة الأركان المشتركة ووزارة الدفاع، حيث ستخضع جميع هذه القوات لقانون عسكري موحد وتحت إشراف إداري صارم ومنظم، بما يضمن بناء مؤسسة عسكرية احترافية تحمي الدستور، وتصون سيادة الوطن، وتنهي عهود الفوضى التي عاشها السودان.

الأجهزة الأمنية في أعلى درجات اليقظة لإحباط مخططات فلول النظام البائد وميلشياته الإرهابية

(*) كيف تقرأ دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ على خلفية اتهامات باستخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية خلال الحرب؟

إن دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ ضد قادة ما يسمى بالقوات المسلحة على خلفية التورط في استخدام الأسلحة الكيميائية والمواد المحرمة دولياً يمثل إدانة دولية صريحة وتأكيداً رسمياً لما ظللنا نردده ونحذر منه طوال الفترات الماضية بشأن السلوك الإجرامي لهذه المجموعة. ورغم أن هذا الموقف الدولي قد تأخر كثيراً بالنظر إلى حجم الانتهاكات، إلا أنه يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. ونحن هنا نأمل صادقين ألا تكون هذه العقوبات مجرد ورقة ضغط سياسي خاضعة للمساومات، بل يجب أن تكون أداة محاسبة صارمة، لأن التهاون في استخدام الأسلحة الكيميائية يهدد المنظومة الأمنية والإنسانية الدولية بأسرها.

إن الأزمة الحقيقية والجذرية في السودان تكمن في بنية وهيكلية الجيش الحالي، فإذا نظرنا إلى السجل التاريخي لهذه المؤسسة منذ تأسيسها، نجد أنها لم تخض معركة واحدة دفاعاً عن البلاد خارج الحدود الوطنية، بل تحولت إلى أداة تخصصت في قمع وقتل المواطنين السودانيين الأبرياء. هذا السلوك الممتد عبر عقود في كافة الحروب التي دارت في أطراف السودان المختلفة، خلف إبادات جماعية ومآسي إنسانية نُفذت بذات العقلية والأسلحة الاستبدادية والأسلحة المحرمة دولياً.

من وسط هذه المعاناة، ينطلق إصرارنا الراسخ على بناء جيش سوداني جديد، يُؤسس على أسس حديثة وعقيدة وطنية خالصة ومغايرة تماماً للماضي. إننا نسعى لتأسيس مؤسسة عسكرية مهنية تمثل بحق كافة مكونات وشعوب السودان دون تمييز، وتلتزم بمهامها الدستورية، وهي حماية حدود الوطن وصون سيادته، مع إبعادها تماماً وبشكل قاطع عن ممارسة العمل السياسي أو التغول على القطاع الاقتصادي، واجتثاث كافة الممارسات العنصرية التي شوهت تاريخ العسكرية السودانية.

العقوبات الأمريكية إدانة دولية متأخرة لإجرام الجيش ونُصر على بناء مؤسسة عسكرية جديدة بعقيدة وطنية خالصة

(*) كلمة أخيرة للشعوب السودانية؟

نعلم تماماً حجم التضحيات والمشاق التي تكبدتموها، ونقف إجلالاً أمامكم نتيجة للمعاناة القاسية والظروف الاستثنائية التي مررتم بها طوال هذه الحرب المفروضة علينا جميعاً. لكننا نؤكد لكم اليوم وبكل ثقة، أن “حكومة “تأسيس” لم تأتِ إلا من أجلكم، ولتكون خادماً أميناً لكافة أبناء وبنات الشعب السوداني دون تمييز أو إقصاء.

إننا في حكومة “تأسيس” نسابق الزمن ونعمل ليل نهار دون كلل أو ملل لمعالجة كافة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي خلفتها هذه الحرب. إن التزامنا أمامكم ثابت ولن يتزحزح، وسنمضي قُدماً حتى تحقيق السلام العادل والشامل، وإنهاء هذه الحرب وإنقاذ البلاد من الحركة الإسلامية الإرهابية وجيشها، دون أي مساومات على دماء الشهداء أو حقوقكم المشروعة في دولة العدالة والمواطنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار