في صباح السابع من أغسطس 2026، نشر إيدي كوهين، الباحث والمعلق الإسرائيلي المعروف بمتابعته للشؤون العربية، أن طائرة شحن تابعة لشركة بدر للطيران وصلت إلى مطار الخرطوم قادمة من جدة، وأنها كانت تحمل، وفق ما نسبه إلى «مصادر استخباراتية»، طائرات مسيّرة باكستانية من طراز شاهبار-2. بحسب رواية كوهين، وصلت الطائرة إلى الخرطوم من جدة، ويظهر اسم السعودية في هذا السياق ضمن المسار اللوجستي غير المؤكد حتى الآن.
ينبغي الفصل بين ثلاثة عناصر هي: بلد المنشأ، وبلد العبور، ومصدر التمويل. كما أن وجود طائرة قادمة من جدة لا يعني أن السلاح سعودي، ووجود معدات باكستانية في الخرطوم لا يعني بالضرورة أن السعودية اشترتها. وحتى إذا ثبت أن الصفقة كانت ممولة سعوديًا، فهذا يحتاج إلى دليل مستقل. رويترز نفسها قالت إن مصدر تمويل الصفقة لم يكن مؤكدًا، وإن هناك تكهنات حول احتمال دعم أو تسهيل سعودي، لكنها لم تجد دليلًا يثبت أن السعودية تمول الصفقة مباشرة، وبالتالي لا ينبغي تحويل التكهن إلى حقيقة. مسار ليس استثنائيًا
بدر للطيران شركة سودانية خاصة تأسست عام 2004، وتقول في موقعها الرسمي إنها تعمل في نقل الركاب والشحن، وتحمل شهادة مشغل جوي، وتشمل عملياتها نقل الشحنات. وتشير الشركة إلى خبرة في نقل المساعدات الإنسانية، كما تعرض خدمات شحن تشمل البضائع العامة، والحيوانات، والبضائع الخطرة، والبضائع عالية القيمة والشحنات التي تحتاج إلى معالجة خاصة. كما أن للشركة مكتبًا في جدة يقع في حي الشرفية في طريق المدينة المنورة، ولها أيضا خدمة شحن في الشارقة.
وبالتالي فإن وجود مسار جوي بين السعودية والسودان ليس أمرًا استثنائيًا بالنسبة لنشاط الشركة، إلا أن أي تورط مُثبت في نقل شحنة عسكرية محظورة أو مخالفة لأنظمة العقوبات قد يضع الشركة أمام مخاطر قانونية وتشغيلية كبيرة، بما في ذلك احتمال مراجعة أو تعليق أو سحب التراخيص ذات الصلة، فضلًا عن تعرضها لتدقيق وعقوبات محتملة من الجهات المختصة في الدول والأسواق التي تعمل ضمن نطاقها. كما أن ثبوت استخدام الشركة في نقل أسلحة بصورة غير قانونية قد ينعكس على سمعتها وثقة الجهات التنظيمية وشركائها، ويضع استمرار نشاطها الجوي والتجاري تحت مراجعة إقليمية ودولية أكثر صرامة.
الإطار القانوني والعقوبات
لا يعني مجرد نقل معدات عسكرية أن شركة الطيران أصبحت تلقائيًا خاضعة للعقوبات، لأن القضية القانونية تعتمد على تفاصيل العملية. وتتصل هذه التفاصيل بالبائع والمشتري وطبيعة المعدات والمستخدم النهائي ومكان استخدامها، كما تتعلق بما إذا كانت المعدات تدخل ضمن حظر الأسلحة، وما إذا كانت الطائرة أو الشركة قد عبرت دولًا تفرض أنظمة معينة، وما إذا كان قد شارك في العملية طرف خاضع لعقوبات، وما إذا كانت خدمات أو بنوك أو شركات تأمين خاضعة لاختصاص دولة تفرض عقوبات قد دخلت في العملية. كما أن معرفة الناقل بطبيعة الشحنة تظل عاملًا مهمًا في تقييم المسؤولية في بعض الأنظمة القانونية، وكذلك ما إذا كان النقل جزءًا من عملية تهدف إلى الالتفاف على عقوبات قائمة. وكل هذه العناصر يمكن أن تغير التقييم القانوني بصورة جوهرية.
لنضع أيضًا في الاعتبار أن الأمم المتحدة لا تفرض حظرًا شاملًا على كل سلاح يتم بيعه إلى الحكومة السودانية في كل أنحاء السودان بالطريقة نفسها، لأن نظام مجلس الأمن الخاص بالسودان مرتبط أساسًا بدارفور، إذ يفرض القرار 1591 وما سبقه وما لحقه حظرًا على توريد الأسلحة والمواد ذات الصلة إلى الأطراف والكيانات العاملة في دارفور، مع ترتيبات واستثناءات محددة. كما يفرض النظام متطلبات تتعلق بوثائق المستخدم النهائي بالنسبة إلى بعض عمليات بيع أو توريد السلاح إلى السودان.
سياق آخر للحظر
يطبق الاتحاد الأوروبي نظامًا أوسع للحظر، إذ يقول رسميًا إن لديه حظرًا على توريد الأسلحة إلى السودان منذ 1994، ويمنع مواطني وكيانات الاتحاد من توريد أو بيع أو نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى السودان، ومن تقديم بعض خدمات الوساطة والمساعدة الفنية والتمويل المرتبط بها.
أما المملكة المتحدة فلديها نظام عقوبات خاص بالسودان يتضمن قيودًا على عدد من السلع والخدمات العسكرية، وعلى المساعدة التقنية والوساطة والخدمات المالية المرتبطة بها، كما توجد قائمة مستقلة للأشخاص والكيانات المدرجين تحت نظام العقوبات البريطاني. أما الولايات المتحدة فلديها هي أيضًا نظام عقوبات خاص بالسودان، وتستخدم سلطات تنفيذية تسمح بفرض عقوبات على أشخاص وكيانات وشبكات مرتبطة بالحرب. وبالتالي إذا ثبت تورط شركة بدر عن علم في نقل معدات محظورة أو في عملية تهدف إلى الالتفاف على عقوبات واجبة التطبيق، فقد تتغير المسألة جذريًا، بحسب الولاية القضائية والأطراف والعملية المالية.
ورغم أن بدر للطيران مدرجة ضمن شركات الطيران السودانية الخاضعة لحظر التشغيل التجاري في بريطانيا، لكن هذا الحظر ليس عقوبة سياسية ولا عقوبة على نقل السلاح، وإنما هو حظر متعلق بمعايير السلامة الجوية؛ إذ تضع وزارة النقل البريطانية تضع جميع شركات الطيران المعتمدة من سلطات الطيران السودانية، ومنها Badr Airlines، ضمن قائمة السلامة الجوية التي تمنعها من تشغيل خدمات تجارية إلى بريطانيا أو منها أو داخلها، ولذلك لا يجوز استخدام إدراج بدر في قائمة السلامة البريطانية باعتباره دليلًا على تورطها في نقل أسلحة.
إذًا، القصة التي بدأت بمنشور إيدي كوهين عن طائرة بدر للطيران القادمة من جدة تحمل، وفق الادعاء، مسيّرات شاهبار-2، تقود إلى ملف أوسع بكثير. وهناك صفقة باكستانية تتحدث عنها تقارير موثوقة بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار، وهناك حديث عن مئات المسيّرات، وطائرات K-8، ومركبات محافظ-V، وأنظمة دفاع جوي، إلى جانب مؤشرات على ظهور معدات باكستانية في الخرطوم. وتوجد كذلك رواية عن مسار جوي عبر جدة، وحديث عن احتمال دور سعودي في التمويل أو التسهيل، من دون دليل علني حاسم حتى الآن.
كما توجد زاوية قانونية تتعلق بمدى مشروعية أي نقل لمعدات عسكرية، ومدى انطباق أنظمة الحظر والعقوبات على الأطراف والناقلين والوسطاء. لكن جميع هذه العناصر تظل بحاجة إلى التعامل معها باعتبارها أجزاء من ملف واحد يحتاج إلى مزيد من التتبع والمقارنة بين المصادر والوقائع الميدانية والمعلومات المتعلقة بالصفقة ومسارات النقل.