يُحكى أن أبا العيناء الأعمى، عندما سُئل عن مالك بن طوق والي البصرة في العصر العباسي، أجاب: “لو أنه كان في بني إسرائيل حين نزلت آية البقرة لما ذبحوا غيره”.
نحمد الله أن الشاعر أبا العيناء لم يحضر عصر البرهان، ليرى حكم مملوكه ودميته كامل إدريس!
عاد الرجل بخيبته من نيويورك، ليقف أمام الناس خطيباً عليهم، مكرراً ذات الكلام المستهلك الذي لا يحمل سوى الفراغ.
وحين أراد أن يُحصي إنجازاته – غير الموجودة أصلاً – بعد نحو نصف عام من تنصيبه دمية للحاكم العسكري وكتائبه الإسلامية، لم يجد غير الوهم سنداً له، فأطلق أرقاماً خيالية عن مشاريع بمئة مليار دولار قال إنه قدّمها للسعودية!
لم يشرح طبيعة هذه المليارات: أهي منحة أم استثمار أم بيع أم شراكة؟ ولم يقل لمن قدّمها من المسؤولين السعوديين، وهو الذي لم يلتقِ في زيارته سوى رئيس غرفة تجارية في أنحاء الإمارة (المكرمة)، قبل أن نراه وهو يُنقل إلى مستشفى إثر تسمم أصابه وهو يمارس هوايته في التسكع بين مطاعم ومقاهي السودانيين، والتقاط الصور مع الباعة الجائلين. ومع ذلك خرج ليعرض هذا الوهم على الناس كما لو كان إنجازاً حقيقياً!
ولم يكتفِ هذا الموهوم بالوهم الملياري، بل مضى إلى وهم آخر، متحدثاً عن مشروع “مليون مسكن للشباب”. ثم عندما أدرك بنفسه، في لحظة وعي نادرة، شطط وجنون ما يقول، استدرك قائلاً بأنها مجرد (فكرة)، ناسياً أنه كان يستعرضها كإنجاز وطني ضخم!
إذن نحن أمام رجل مريض نفسي وعقلي، ما يقوله ليس نتاج تفكير سياسي أو تخطيط اقتصادي، بل هلاوس ذهنية مضطربة، تجعل الوهم عنده مشروعاً، والخيال إنجازاً، والفراغ حقيقةً. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن أزمة هذا المخبول الذي ينتحل صفة رئيس وزراء لا تقتصر على فقدان الكفاءة والأهلية السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى غياب الوعي الإنساني ذاته، فهو يتحدث عن تهيؤاته المريضة ولا يتحدث عن شعب يتألم ويئن!
الخرطوم اليوم مدينة محاصرة بالموت والجوع والجنون والأوبئة: الكوليرا وحمى الضنك، والهواء المسموم بكيماويات الجيش. أهلها إما موتى، أو مرضى، أو ملازمون لمرضى، أو جائعون مشرَّدون يبحثون عن مأوى ودواء فلا يجدونه. ومع ذلك يتغافل هذا المنفصل عن الواقع عن كل هذه المآسي، محدّثاً الناس عن أوهامه!
إننا أمام عقل مضطرب، يحوّل خيالات طفولية إلى مشاريع تنموية، ويمنح هذيانه صفة القرارات. وأما سلطة البرهان/الكيزان في بورتسودان، فليست سوى سوق نخاسة كبير: رواتب الجيش وكتائبه الاسلامية تأتي من دولة خليجية، والذهب يُسمسر به قادة الجيش ويُهرَّب لصالح دولة أخرى قريبة، والأراضي والحدود تُباع وتُؤجَّر كما تُؤجَّر الدكاكين.
وهناك دول نالت صكوك ملكية كاملة لمناطق سودانية، ودولة أخرى توغلت شرقاً حتى مشارف كسلا. إنه انحدار بلغ قاعه، إذ تحولت السلطة إلى لص وسمسار يفكك الوطن وسيادته قطعةً قطعة ويعرضها لمن يدفع أكثر!
هكذا حول البرهان السودان إلى غنيمة!
والحقيقة أن السودان يعيش عصره الأشد انحطاطاً: سلطة لصوص ومجانين، وحكومة معتوهين، وبلاد تتسرب من بين الأصابع كما يتسرب الرمل في الريح.
وإن قُدّر لهذا العبث أن يستمر عاماً آخر، فربما نصحو فلا نجد سوداناً نبكيه، ولا سودانيين نبكي عليهم.