السودان

علي أحمد يكتب: الهيبة الضائعة: البرهان في دائرة الـ25 ميلاً!

بقلم: علي أحمد

حين أعلنت واشنطن تقييد حركة عبد الفتاح البرهان أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ضمن دائرة قطرها 25 ميلاً، لم يكن الأمر تفصيلاً إجرائياً عابراً، بل رسالة سياسية حادة مغلفة بغطاء قانوني. فالولايات المتحدة استندت إلى قانون البعثات الأجنبية (Foreign Missions Act)، الذي يخول وزارة الخارجية فرض ضوابط على تحركات المسؤولين الأجانب بما يضمن أمنها القومي ويصون التزاماتها الدولية تجاه مقرّ الأمم المتحدة.

عادة ما تُستخدم هذه القيود في حالاتٍ رمادية، حين ترغب واشنطن في معاقبة من تعتبرهم قادة فاقدي الشرعية أو منتهكي الأعراف الدولية، دون أن تصطدم مباشرةً ببروتوكولات الأمم المتحدة التي تضمن حرية الوصول إلى نيويورك.

إنها إذن أداة سياسية ناعمة، تشبه حزاماً دبلوماسياً يطوّق المعزوم عليه بالحد الأدنى من الاحترام، وبالحد الأعلى من العزلة.

في حالة البرهان، يبدو أن واشنطن أرادت القول بوضوح: أنتَ لست موضع ترحيب، لكننا لن نمنعك قانونياً من الدخول.

هكذا وُضِع قائدٌ عسكريٌّ يرأس دولة في وضعٍ أقرب إلى “المراقب المقيد”، ممنوع من الحركة إلا بإذن، كأنما تُرسم حوله دائرةٌ من الطباشير لا يتجاوزها إلا بطلب رسمي من مكتب البعثات الأجنبية. إنها رمزية قوية “نزعٌ ناعمٌ للهيبة”، لا إسقاطٌ صريح للشرعية، لكنه يعادل في المعنى دبلوماسية الحظر البارد.

لم يكن غريباً بعد ذلك أن ينسحب البرهان ويبعث بكامل إدريس بدلاً عنه. فالمشهد كله صار محرجاً. قائدٌ لا يستطيع مغادرة فندقه إلا بتصريح، ومدينةٌ تراقبه بنصف ابتسامة ساخرة.

لم يتم منع البرهان من الكلام، بل من التجوال — وهذه في الدبلوماسية أقسى من المنع نفسه، لأنها تختزل السلطة في مساحةٍ مرسومة بالمسطرة.

هكذا تتحول المسافة إلى أداة حكم، وتتحول الـ25 ميلاً إلى رمزٍ لعزلةٍ أكبر بكثير من حدود مانهاتن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار