السودان

تقرير: حرب الجيش .. كيف تحولت الانتهاكات إلى انتصارات في الإعلام؟

تقرير: راينو

تناقضات تبدو مريعة في مشهد الحرب السودانية المندلعة منذ أبريل 2026م، ففي الوقت الذي يحزن السودانيون على قتلاهم المدنيين بفعل عبثية الحرب وعشوائيتها، يحتفي آخرون باعتباره نصرًا تصوره صياغات أخبار وقنوات تلفزيونية ومنصات إلكترونية تجعل من (الفسيخ إلى شربات)، كما يقول المثل الشعبي، وتقلل من فداحة المصاب لصالح التركيز على نتائج الضربة باعتبارها تشفيًا وانتقامًا وحقًا للجيش باعتباره صاحب السلطة الشرعية الموروثة عقب انقلاب 25 أكتوبر 2026م.. فكيف تحولت انتهاكات الجيش إلى انتصارات؟

صناعة الخداع

مراقبون يعتبرون أن ما يحدث يتسق مع البيئة التي أفرزتها الحرب، كغياب مؤسسات إعلامية مستقلة أو، في الحد الأدنى، غياب صحافة على الأرض بفعل الحرب، ما يخلق إحساسًا متعاظمًا لدى الجمهور للحصول على المعلومة والمعرفة، مما يسهل للعديد من الدوائر التلاعب وتلوين الحقائق، خصوصًا المستفيدين من الحرب، ككبار جنرالات الجيش أو فلول النظام المباد وسمسارة الأزمات والسلاح.

وطبقًا لـ«راينو»، كشفت ملخصات لتقارير مجلس حقوق الإنسان في نوفمبر 2025م عن مخاوف حول الانتهاكات الواقعة على الصحفيين والإعلاميين، خصوصًا مع ارتفاع عدد قتلاهم، فضلًا عن توقف أكثر من 90% من الصحف والمؤسسات الإعلامية.

ويرى خبير إعلامي فضل عدم ذكر اسمه لوجوده في بورتسودان، في حديثه لـ«راينو»، أن الأمر ليس في تحويل الانتهاكات إلى انتصار، بل في كيفية تدشين سردية بالأصل لا تجعل هناك مساحة لتفسير آخر أولًا، ولا تتيح للمتلقي رؤية الانتهاكات المترتبة على الضربة أو الهجوم من خلال التلاعب اللفظي، وقال: «بالكثير من المنشورات التي تأتي عقب ضربات الجيش في سياق زمني قياسي، يكشف بوضوح علم تلك المنصات بالضربة أو درجة تنسيق عالية مع الجيش، بما يجعلهم الأسرع بما تم، سواء هجوم أو ضربة». وأبان الخبير بأن أهم ما يتم تكريسه أن ما حدث أو يحدث هو رد فعل شرعي على الدعم السريع وممارساته.

وتحصر تحليلات كثيرة عبارات محددة باعتبارها تلوّن الأخبار أو تتلاعب بالحقيقة بمنحها أبعادًا أخرى أو توجه رؤية المتلقي في اتجاه محدد، مثل «تدمير تجمعات العدو» و«تطهير المنطقة» و«توجيه ضربة موجعة»، وهو ما اعتبره الخبير الإعلامي تجاوزًا للمهنية، لتضع المتلقي أو السودانيين داخل إطار تفسيري جاهز أو معد مسبقًا قبل اتضاح تفاصيل الواقعة. وأضاف أن اقتران هذه اللغة بصور لمركبات محترقة أو مواقع مدمرة، من دون تحديد مكان التصوير وتوقيته أو عرض حصيلة الضحايا المدنيين، يجعل الصورة تؤدي دور الدليل على النجاح العسكري، حتى إن لم تثبت طبيعة الهدف أو هوية القتلى، فضلًا عن تعمد عرض عدد الضحايا باعتبارهم أمرًا ثانويًا أو عدم إيرادها في النص نفسه بالأصل، أو أنهم ضريبة عادية إزاء تحقيق أهداف مزاعم التحرير.

حسابات ومنصات

وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية مجهولة المصدر تكاثرت فيروسيًا عقب اندلاع الحرب، وبحسب متابعات «راينو»، فإن وظيفة تلك المنصات إنتاج مبررات وإضفاء مشروعية على كل تصرفات الحرب، خصوصًا تلك التي يقوم بها الجيش.

وتعمل تلك المنصات على إعادة نشر مقاطع فيديو أو صور قديمة باعتبارها حديثة. وطبقًا لرصد «راينو»، كشف تحليل نشره المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في أبريل 2026 أن ثمة منافسة ومعركة إعلامية بين الجيش والدعم السريع، وتنافسًا دعائيًا بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، الأمر الذي أسهم في انتشار المنصات، خصوصًا لدى الجيش، من خلال توظيف الموارد عبر الموالين له لتحويل الهزائم إلى انتصارات أو تكتيكات انسحاب منذ بدايات الحرب، حينما كانت السيطرة كاسحة للدعم السريع.

وبحسب تقارير بحثية ورصدية، تتوزع المنصات التي تتبنى خطابًا مؤيدًا للجيش السوداني بين مؤسسات إعلامية تقليدية، وقنوات تلفزيونية وإذاعية، وصفحات إخبارية على منصات التواصل الاجتماعي، وحسابات رسمية ومؤثرين رقميين. ولا يقتصر دور هذه المنظومة على نقل البيانات العسكرية، بل يمتد في بعض الحالات إلى تضخيم أخبار الانتصارات، وتقديم العمليات العسكرية ضمن سردية التعبئة الوطنية، أو ما يعرف بحرب الكرامة، وتقليل الاهتمام بخسائر الجيش أو الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة.

وأدرجت بي بي سي مونيتورينغ العديد من وسائل الإعلام السودانية الخاصة ضمن المؤسسات المؤيدة للجيش، بينها صحف ومواقع كالسوداني والانتباهة والمحقق وغيرهم. كذلك حدد تقرير لمجموعة إنترنيوز في 2025م عددًا من القنوات التي تعمل على تدعيم خط الجيش وتكريس روايته، مثل تلفزيون السودان، وقناة النيل الأزرق، وقناة الزرقاء، إلى جانب سودانية 24 وقناة طيبة. بينما وثق «مرصد بيم»، الذي يديره أيقونة الثورة د. محمد ناجي الأصم، شبكة حسابات تعمل على نشر محتويات تدعم الجيش فقط بصورة منسقة، وتعمل على تعزيز روايته ومهاجمة خصومه السياسيين والعسكريين. أبرزها شبكة «سما السودان»، التي تضم صفحات بأسماء سما السودان، وعرب ميديا، ودفاع السودان وعاجل السودان.

وذكر التقرير في ديسمبر 2024 أن هذه الصفحات تشترك في نشر محتوى مؤيد للجيش، وأنها تستخدم إعادة النشر والتفاعل المتبادل لتوسيع انتشار منشوراتها.

وفي تقرير آخر نشره المرصد في ديسمبر 2025، تناول شبكة أخرى تضم صفحات وحسابات من بينها «الراية نيوز» و«البوابة الإخبارية» و«شبكة أخبار السودان» و«نجوم السودان» و«السودان اليوم»، إلى جانب حسابات ومجموعات تحمل أسماء مثل «جياشة – الجيش السوداني» و«أنصار القوات المسلحة السودانية» و«الجيش خط أحمر» و«قوات العمل الخاص». وقال التقرير إن الشبكة تستخدم أنماطًا من النشر والتفاعل المنسق لمناصرة الجيش ودعم خطاب سياسي محدد.

وبحسب المتابعات، فإن دراسة بعنوان «الدعاية الرقمية خلال الحرب في السودان»، نشرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في أبريل الماضي، جرى تحليل التفاعل مع حسابات مرتبطة بالقوات المسلحة خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025م. أظهرت البيانات أن الصفحة الرسمية للجيش على فيسبوك، ووكالة السودان للأنباء، وحسابات لمؤثرين وصحفيين، حققت مستويات مرتفعة من التفاعل. كما ظهرت «سودانية 24» وقناة النيل الأزرق و«سما السودان» وقناة طيبة ضمن الحسابات الإعلامية ذات التفاعل الملحوظ.

وشددت الدراسة على ان التفاعل المرصود لا يعني بالضرورة عدد المتابعين، بيد انه يكشف بوضوح اتساع قدرة شبكات المؤيدين على نشر رسائل الحرب والتأثير في النقاش العام.

اختبار أخلاقي

من جانبه يرى مدير المركز الإعلامي الديمقراطي،موسى رحومة في حديثه لـ«راينو»، أن التغطية الإعلامية للحرب في السودان تعاني اختلالًا في التوازن إذ أن الجيش يمتلك نفوذًا على وسائل الإعلام المحلية مما يؤثر في طبيعة الاحقائق أو السرديات المقدمة للمتلقي خصوصًا في ظل غياب التوازن في نقل الأخبار إلى الإعلام الدولي

وأوضح أن وسائل الإعلام المحلية المرتبطة بالداخل السوداني، ولديها مراسلون على الأرض، قد تتبنى رواية الجيش في سياق عملها، لكنه رأى أن وسائل الإعلام الدولية تواجه اختبارًا أخلاقيًا عند تغطية الضربات التي تطال الأعيان المدنية. . وأشار إلى أن تغطية الضربات التي شهدتها كردفان مؤخرًا مثلًا تكشف، وفق رأيه عن انحياز بعض المراسلين في الداخل إلى الرواية التي تصف المواقع المستهدفة بأنها مركبات عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات بشأن المعايير الأخلاقية في التغطية .

وانتقد رحومة أداء قناتي «العربية» و«العربية الحدث»، قائلًا إنهما لا تقدمان تغطية متوازنة للأحداث، بل تتبنيان الرواية الرسمية لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان. كما أشار إلى ما وصفه بتراجع الالتزام الأخلاقي لدى بعض المؤسسات الإعلامية، في ظل انحيازها إلى أحد أطراف الحرب.

وأكد أن دور الوسيلة الإعلامية لا ينبغي أن يتمثل في الانحياز إلى أي طرف من أطراف القتال، وإنما في الانحياز إلى الضحايا من جميع الأطراف وفي مختلف مناطق الحرب. واعتبر أن تبني مؤسسات إعلامية، من بينها «الجزيرة» و«العربية» و«إندبندنت عربية» والتلفزيون العربي، روايات أطراف الحرب يطرح تحديات أخلاقية ومهنية، مشددًا على أن انتقاد التغطية الإعلامية لا يستهدف الصحفيين أنفسهم، بل الانحيازات التي تتبناها المؤسسات التي يعملون فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار