إن ما أقدمت عليه القاهرة من جريمة نكراء لا ينبغي أن يقف عند حدود الشجب والإدانة والاستنكار، فذلك من شأنه أن يغري المعتدي بتكرار فعلته الشنعاء، لا سيما وقد فعل ذلك من قبل مثنى وثلاث دون رادع، مما جعله يعيد الكرة وهو مطمئن كأنه ذاهب إلى نزهة ترفيهية، وليس لحصد أرواح بشر أبرياء كل جريمتهم أنهم تبعثروا في الفيافي بحثاً عن لقيمات يُقمن صلبهم، وقدرهم أن يحدث ذلك في زمن التفاهة الذي استنسرت فيه بغاث الطير وأقامت بأرضنا.
وعليه نقول بلا مواربة إن ما أقدمت عليه القاهرة يُوصف بمصطلحات القانون الدولي بأنه جريمة ضد الإنسانية. وهو مصطلح مألوف ومُجرَّب لدينا، فقد سبق أن وجَّهته محكمة العدل الدولية ضمن المواد التي حاكمت بموجبها رئيس النظام المعزول عمر البشير ونفراً من جلاوزة النظام الهاربين، وهو قانون لا يسقط بالتقادم حتى وإن تطاولت سنوات الهروب.
الغريب في الأمر تضارب التبريرات من قبل القاهرة، وبعضها يثير السخرية ويبعث على الضحك في زمن البكاء. فمن الواضح أن القاهرة اعتمدت على معطيات بائسة في تصورها لردود الفعل المحتملة، الأمر الذي يجعلنا نميل إلى ما تسرب من معلومات عن اتفاقات سرية مع رئيس النظام الجنرال عبد الفتاح البرهان، خاصة وأن كثيراً من الشواهد تدل على ذلك. ولعل البرود الراهن الذي تعامل به مع المأساة يعلي من أسهم هذه الاحتمالات.
ليس مطلوباً من نظام الحركة الإسلاموية تجييش الجيوش من الخرطوم إلى القاهرة، لكن طرق أبواب المجتمع الدولي متاحة، فالعالم ليس غابة ترتع فيها الثعالب وتعبث فيه الذئاب، وإنما تحكمه نظم وقوانين واحترام متبادل.
ذلك يحيل الأمر برمته من الجنرال الخانع إلى ما هو أبعد من حكومته رغم عدم شرعيتها المشهودة.
لقد جاءت مقتلة شمال الوادي في ظروف يعيش فيها الشعب السوداني أسوأ حالاته جراء حروب أهلية تكاثرت وتطاولت وباتت تهدد وجوده على وجه هذه الأرض. غير أن القاهرة تخطئ استراتيجياً إن ظنت أن تلك فرصة تريد اغتنامها للحصول على (غنائم) يصعب الوصول إليها في الظروف الطبيعية.
إن ديكتاتورية الجغرافيا تفرض على البلدين العيش في سلام وفقاً لمبادئ وقوانين المجتمع الدولي وطبقاً للمصالح المشتركة وحفاظاً على الأمن القومي وصيانته، وهذا بالطبع لن يتأتى إلا في ظل القيم المتعارف عليها في العلاقات بين الدول، وما حدث من القاهرة ليس من بينها.
إن هذه الجريمة النكراء ينبغي أن تجد الاهتمام الكبير من جميع دول العالم، لما لها من انعكاسات خطيرة على كافة الأصعدة. وسودانياً، لتكن منطلقاً لرحيل نظام الحركة الإسلاموية إلى مزبلة التاريخ، ذلك أن بقاء هذا النظام على سدة السلطة يزيد من التكلفة الباهظة التي ظل الشعب السوداني يتلقاها من كل فج عميق.