السودان

 رشا عوض تكتب: ما هي الحلقة القادمة في مسلسل البلطجة المصرية !!

بقلم: رشا عوض 

الجانب المصري يتحدث عن المجزرة التي ارتكبها في حق المعدنين السودانيين كحلقة في سلسلة مكافحة التعدين غير المشروع في الاراضي المصرية! وهذا معناه ان القوات المسلحة المصرية اعلنت استيلاءها على اراضي سودانية جديدة بالاضافة الى حلايب وشلاتين كما يفهم من حديثها عن ان ما تقوم به هو مكافحة لنشاط غير مشروع يتم داخل اراضي مصرية!

وما يسمى بمجلس السيادة التابع للجيش السوداني يسمع ويرى! ماذا فعل؟

اصدر بيانا خائبا لم يجرؤ على ذكر مصر بالاسم! ولم يشر حتى الى قصف الطيران! واشار الى الموضوع وكأنه حادث حركة اليم! وليس اعتداء عسكريا من دولة اجنبية قتل فيه عشرات وربما مئات السودانيين !

ورغم البيان التافه لا أستبعد أن تكون الحكومة المصرية أرسلت لما يسمى بمجلس السيادة هذا توبيخاً أو إنذاراً بالجلد وأمرتهم بأن يصمتوا نهائياً! فهوان هذه السلطة المفروضة على السودانيين لا حدود له!

أطلق مواطن سوداني النار على ثلاثة من سائقي الشاحنات المصريين في السودان، ما ادي – بكل اسف – لقتل اثنين وإصابة ثالث، مؤكد ندين ونرفض مبدئياً الثأر والانتقام العشوائي من مواطنين مصريين أبرياء، فمشكلتنا ليست مع سائق شاحنة فقير، أو مع اي مواطن مصري بريء. ولكن يجب أن نتوقف عند الفرق في ردود الافعال، ففي مقتل شخصين أصدرت الخارجية المصرية بياناً، وتواترت الاتصالات على أعلى مستوى بين المسؤولين في الدولتين، وجزء من الاعلام المصري كالعادة استثمر مقتل المصريين الاثنين للتغطية على قتل وجرح العدد الكبير من السودانيين بالطيران. إذ تقول أقل التقديرات أن عدد القتلى سبعين غير الجرحى والمفقودين، فيما قدرت مصادر سودانية العدد بأكثر من ذلك!

طبعا الإعلام المصري أفضل من يجيد الاستعطاف لصالح الجاني وتحويله بقدرة قادر إلى ضحية!
في المقابل ماذا فعل اعلام حرب الندامة التي يسمونها حرب الكرامة؟

تبرعت صحافة ” قمبرة الشعب السوداني” بتضليل الرأي العام بخصوص مسرح الجريمة، إذ تواترت الإشارات في مقالاتهم المرتجفة إلى أن المعدنين السودانيين هم من عبروا إلى داخل الحدود المصرية إما جهلاً أو تعمداً، وإحدى الأبواق المشروخة قالت بالنص وبلا حياء: “من حق مصر الدفاع عن أراضيها وثرواتها”! في تواطؤ مخجل مع رواية الحكومة المصرية، التي تصف ما حدث بأنه مكافحة لنشاط غير مشروع داخل اراضيها!

أما آخر دركة في هذا الحضيض، فهى التشكيك في انتماء الضحايا أنفسهم للسودان، والزعم بأنهم من النيجر دول افريقية اخرى! والقاسم المشترك بين تعليقات كل أبواق حرب الندامة كالمعتاد، هو الهجوم على القوى المدنية وتجريمها أكثر من المعتدي الاجنبي الذي اخترق حدود الوطن، وقتل مدنيين ابرياء بالطيران! لماذا؟ بزعم انها استغلت الواقعة في المزايدات السياسية! ويالها من مسخرة أن تتحدث الابواق التي ظلت تمارس توزيع اتهامات العمالة والارتزاق والخيانة الوطنية والارتهان للاجنبي بلاهوادة، تتحدث عن المزايدات! وتريد أن توحي للرأي العام أن هذه المزايدات المزعومة يجب أن تكون هي محور التجريم والمحاكمات الاخلاقية القاسية! فالمطلوب هو الغضب من مزايدات القحاتة! لا الغضب من انتهاك حدود الوطن وقصف مواطنيه بالطيران! و من الصمت المخزي وردود الفعل الجبانة لسلطة تزايد هي الأخرى، بموضوع السيادة الوطنية!

فهل من هوان وانحطاط اكثر من ذلك؟ وهل من بجاحة اكثر من أن تحاضرنا أبواق حرب الندامة هذه عن السيادة الوطنية، وعن العمالة والخيانة؟!

عمالتهم وانبطاحهم المخزي لمصر وصل لدرجة التنازل الاستباقي عن أراضي سودانية قصفها طيران أجنبي وقتل فيها سودانيين ما زالت جثثهم في العراء! يتحدثون عن منطقة متنازع عليها! وعبور الحدود إلى داخل مصر، في وقت نشرت صحف عالمية موثوقة مثل نيويورك تايمز، أن المنطقة التي قصفت تقع على بعد أربعين كلم من الحدود السودانية المصرية!

وحتى لو سلمنا جدلاً بان مصر قصفت بالطيران مواطنين سودانيين داخل أراضيها، فهل هذا لا يستوجب رد فعل سوداني رسمي يرقى لمستوى الجريمة؟ هل صمتت مصر على مقتل اثنين من مواطنيها الذين قتلا بالفعل داخل الأراضي السودانية؟ بداهة اي حكومة مسؤولة عن حياة مواطنيها وكرامتهم ومصالحهم حتى لو كانوا في دولة اخرى، ولذلك هناك سفارات وقنصليات!

إن تكرار التشكيك في ان المعدنين قتلوا داخل السودان يدل على ان هناك “بيع اكتمل في الخفاء ” لاراضي سودانية غنية بالذهب لمصر. وما يجري الآن هو “اجراءات التسليم المتفق عليها”، وعلى رأسها إخلاء تلك المناطق من أي وجود بشري سوداني ، وقصف الطيران الذي تكرر مرتين في اقل من ستة اشهر والانذار بمواصلته سوف يجعل المعدنين السودانيين لا يذهبون الى تلك المناطق.

السؤال هل ستتوقف البلطجة المصرية عند هذا الحد؟ ام هناك مناطق تعدين اخرى في السودان عليها ان تستعد لقصف الطيران وطرد السكان بعد تخويفهم بقتل العشرات او المئات منهم ؟ نريد ان نعرف بالضبط ما الذي تم بيعه من اراضينا مقابل بقاء هذه الطغمة العسكرية الفاسدة في كراسي الحكم!

رحم الله عبد الله خليل رئيس وزراء السودان الاسبق في اول ديمقراطية سودانية (١٩٥٦- ١٩٥٨)، عندما تم ترسيم الدوائر الانتخابية وخصصت دائرة لحلايب، تحرك الجيش المصري واحتل المنطقة معلنا سيادته عليها، فأمر عبد الله خليل القوات المسلحة السودانية بالتحرك الفوري شمالاً، ودبلوماسياً تقدم السودان بشكوى ضد مصر لمجلس الأمن الدولي، فانسحبت القوات المصرية من حلايب في زمن قياسي بعد أن علمت أن احتلال أرض سودانية لن يكون بالمجان، وكان ذلك أول وآخر تحرك للجيش السوداني من أجل الدفاع عن التراب الوطني.

والآن (بعد ان غاب اب شنب ولعب اب ضنب) وأصبح رد الفعل على الاعتداء على الأراضي السودانية يتراوح بين الصمت او الكلام (المغتغت وفاضي وخمج) والاعتراف الاستباقي بان الاراضي المعتدى عليها مصرية، ماذا نتوقع؟ مؤكد ستنفتح شهية مصر التوسعية، ولن تتوقف عند شمال الوادي ما دامت (الجنينة ما عندها خفير)!!

هذا الهوان الوطني ينسف تماماً ادعاءات العسكر ممثلة في أن الحكم العسكري هو الضامن للسيادة الوطنية. وقائع التاريخ ولا سيما في العلاقة مع مصر (صاحبة أكبر مشروع استتباعي للسودان)، تثبت أن العهود العسكرية هي الضامن لسيادة مصر على السودان، ولذلك كلها بلا استثناء كانت عهود التبعية والتفريط في الارض وفي الدم السوداني، والعهود الديمقراطية هي عهود الدفاع عن السيادة الوطنية، فقد تم إغراق حلفا بثمن بخس في عهد عسكري (عهد عبود)، وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك استتباعية تم في عهد عسكري (عهد نميري)، واحتلال حلايب والفشقة دون ” بغم” حدث في عهد عسكري (عهد البشير)، وقصف السودانيين الأبرياء بالطيران المصري داخل الاراضي السودانية ثم ادعاء مصر أن تلك الاراضي ملكها حدث في عهد عسكري (عهد البرهان)! بينما العهود الديمقراطية شهدت تحريك الجيش لأول واخر مرة في تاريخه نحو الحدود لحمايتها من الاحتلال (عهد عبد الله خليل رحمه الله)، وشهدت الغاء اتفاقية الدفاع المشترك الاستتباعية (عهد الامام الراحل الصادق المهدي رحمه الله)، وشهدت الحديث عن المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية وعلى رأس ذلك احتلال حلايب (الفترة الانتقالية بقيادة د. عبد الله حمدوك).

إن الطريق إلى الحفاظ على السيادة الوطنية يبدأ اولاً بإيقاف الحرب الأهلية بين السودانيين أنفسهم، وبناء قاعدة متينة للمواطنة المتساوية، ومن ثم استنهاض البلاد سياسياً واقتصادياً وتنموياً عبر مشروع يجعل السودانيين كتلة واحدة في الدفاع عن وطنهم، تنوب عنهم في ذلك دولة وطنية حقيقية يقودها سودانيون أحرار من خارج ” نادي الرجفيبة من مصر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار