السودان

تمديد بعثة تقصي الحقائق في السودان: العدالة تحاصر البرهان

تقرير: راينو

الحرب السودانية لا يبدو أنها ستغلق أبوابها أمام العدالة الدولية، ولا يبدو أن من يقفون وراء استمرار هذه الحرب سيفلتون من عواقب ما حدث، فمع تمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، دخلت آليات التوثيق والتحقيق مرحلة جديدة، وهو قرار يعكس استمرار الاهتمام الدولي بأكبر كارثة إنسانية في الألفية الثالثة والقلق من حجم الانتهاكات التي وقعت منذ بداية الحرب في أبريل 2023، ويسعى السودانيون إلى أن تُنتج هذه البعثة نتائج تساهم في محاكمة من ارتكب جرائم.، الأمر الذي يضع حدا لظاهرة الافلات من العقاب.

توقيت التمديد

التمديد الأخير جاء عاكساً لتاثر المجتمع الدولي بالمأساة السودانية، إذ وافقت 28 دولة على القرار في مقابل رفض 10 دول وامتناع 9 دول، في اجتماع يوم الاثنين بجنيف ليستمر عمل البعثة حتى أكتوبر 2027م. ويجيء قرار التمديد كثالث مرة منذ إنشائها في أكتوبر 2023.

ويأتي التمديد في وقت اتسعت فيه ملفات التحقيق وتوسعت دائرة الجرائم، إذ تجاوزت البعثة دورها في مجرد توثيق الانتهاكات، وتطورت مهامها لتحديد سلاسل القيادة، وتحديد المسؤوليات، ومصادر السلاح والدعم العابر للحدود والجهات التي تدعم استمرار الحرب، أي أن العمل تحول من التوثيق إلى تحديد المسؤولية، وهو ما ينتظره السودانيون منذ فترة طويلة.

من دارفور إلى حرب الإسلاميين

لا تبدو بعثات التحقيق الدولية في السودان أمرًا جديدًا، فالتركيز على تلك اللجان لم يبدأ مع الحرب بين الجنرالين في ابريل 2023م، بل بدأ مع تفجر أزمة دارفور في 2003، حيث أنشئت أول لجنة تحقيق دولية في 2004، للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ما أدى إلى إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتحديد الأشخاص المطلوبين من رموز النظام السابق.
لكن البعثة الحالية تختلف عن ما سبق، لجهة أنها تاتي في سياق الحرب الدائرة، وتهدف إلى متابعة الانتهاكات المرتبطة بالحرب الحالية، وجمع الأدلة وتحديد المسؤولين عنها. وبعد إنشاء البعثة ظل ملفها ترس صغير ضمن تروس في منظومة دولية أكبر للمساءلة، مع اختلاف اختصاص كل آلية وطبيعة الأدلة التي يمكن استخدامها.

حصار معسكر الحرب

تحليلات كثيرة تقول إن تمديد عمل البعثة مهم كونه يأتي في الوقت الذي يصر فيه معسكر الحرب الذي يقوده البرهان ويهندسه الإسلاميين وميليشياتهم على استمرارها، فضلا عن عرقلتهم وإجهاضهم لكل محاولات إيقافها وتكسير كل المبادرات القادمة من دوائر النفوذ الدولي والإقليمي.

لذا فإن القرار يمثل ضغطًا وحصاراً على الأطراف المتصارعة، خاصة بعد تقديم تقرير البعثة للمجلس في سبتمبر الماضي، الذي كشف عن أدلة تشير إلى أن الطرفين ارتكبا انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب. وبحسب التقارير الأخيرة، ورصدت البعثة استخدام الطائرات المسيرة في توسيع نطاق الحرب وتجاوز خطوط المواجهة التقليدية، واستهداف المدنيين ومنشآتهم بشكل متعمد، بما في ذلك المناطق خارج مناطق العمليات العسكرية النشطة، وتدمير مؤسف للمدارس والمستشفيات والأسواق ودور العبادة.

في المقابل تذهب تحليلات أخرى إلى أن قدرات مثل البعثات محدودة لأنها لا تمتلك سلطات تنفيذية، ولا قوة شرطية أو محاكم خاصة، في ظل موازنات المؤسسات الأخرى والتأثيرات السياسية التي تحاصر نعاونها مع تقارير البعثات. فضلا عن المعوقات المرتبطة بأداء مهامها نفسه مثل صعوبة الوصول إلى مسرح الجريمة بسبب عدم تعاون السلطات أو تاخير أو منع التاشيرات أو بفعل التهديدات التي تواجه الشهود والضحايا والمحامين والصحفيين.

أهمية ومعوقات

وغض النظر عن تباين التقييمات لدور البعثة، إلا أن أهمية التمديد تكمن في إبقاء ملف الانتهاكات مفتوحًا ومنع فقدان الأدلة مع مرور الوقت. ويرى الخبير الإنساني د. صلاح الأمين في حديثه لـ”راينو” أن التجديد يعزز عمل البعثة، ويمنع حدوث فجوة تُستخدم للإفلات من العقاب، ويُوسع المرجعية القانونية التي تستند إليها البعثة. وقال: “القيمة القانونية هي ترسيخ عمل اللجنة ومنع حدوث فجوة للإفلات من العقاب، خصوصاً وإن القرار الجديد وسع المرجعية القانونية.

إنذار مبكر

وأشار الأمين إلى أن البعثة يمكن أن تتحول من مجرد آلية للتوثيق إلى آلية للإنذار المبكر، وتُساعد في رصد الانتهاكات قبل أن تتفاقم. كما أن الأدلة يمكن استخدامها في الضغط على الأطراف، والعمل كأداة ضغط سياسي وقانوني.، واوضح:” التجديد الحالي حول اللجنة من مجرد لجنة قانونية الى لجنة إنذار مبكر تمنع او تحاصر حدوث الانتهاكات “.

لكن الأمين يرى أن هناك تحديات كبيرة، تواجه عمل البعثة لا يجب إغفالها مثل عدم التعاون من السلطات، وصعوبة الوصول إلى الضحايا والشهود، وخوفهم من الإدلاء بشهاداتهم دون ضمانات أمنية، ونقص شبكات الاتصال في مناطق واسعة من السودان. وقال:” البعثة مواجهة بتحديات عديدة منها أو أبرزها عدم تعاون السلطات على الارض في السماح للجنة بالتحرك بحرية للقاء الضحايا والتحدث إليهم وتوثيق الانتهاكات، وايضا فان السلطات تتعامل مع اللجنة كملف امني بمعنى انها تحاول محاصرة اللجنة، وايضا خوف الضحايا او الشهود من الحديث الا بضمانات امنية وهذا احيانا يعيق عمل اللجنة وكذلك هناك ضعف شبكة الاتصال والتي تحول دون الوصول للضحايا والشهود في ظل القبضة الامنية”.

ويؤكد الأمين أن تجاوز هذه العقبات يتطلب توفير بيئة آمنة للبعثة، وضمان الوصول إلى الضحايا والمواقع مما يساعد في تحويل التوثيق إلى ملف متكامل يمكن استخدامه في مسارات المساءلة..

في النهاية، تبدو المهمة المقبلة أكثر تعقيدًا من السنوات السابقة، ويبقى السؤال الأكبر هل ستتحول الأدلة إلى ملفات قضائية، أم ستبقى في أرشيف المؤسسات الدولية؟ حتى الآن، أبقى مجلس حقوق الإنسان الباب مفتوحًا أمام الخيار الأول، بتمديد ولاية البعثة. أما تحويل التوثيق إلى عدالة فعلية، فيتطلب إرادة سياسية وقضائية تتجاوز حدود جنيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار