شكلت ردود الأفعال الصادرة عن المكونات السياسية والمدنية السودانية موقفاً جماعياً رافضاً لبيان مفوضية الاتحاد الأفريقي المرحب بالمبادرة المسماة “الحوار السوداني-السوداني”، والتي تعتزم سلطة الأمر الواقع قيادتها في الخرطوم. وتوالت البيانات والتحذيرات من مختلف الطيف المناهض للحرب، مؤكدة أن هذه الخطوة تسهم في منح غطاء سياسي لإعادة إنتاج الحكم العسكري وتهديد وحدة البلاد.
في مقدمة هذه المواقف، أصدر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بياناً قال فيه أن موقف المفوضية يجافي مواثيق المؤسسة الأفريقية المناهضة للانقلابات والتغيير غير الدستوري، فيما شدد المؤتمر السوداني على أن الترحيب يسبغ الشرعية على “مسرحية سياسية زائفة” تسيطر عليها إرادة طرف عسكري واحد.
من جانبه، أعرب التجمع الاتحادي عن أسفه البالغ لترحيب المفوضية بالعملية التي طرحها قائد الجيش، مؤكداً في تصريح صحفي أن الحوار في ظل استمرار القتال وغياب الشروط المسبقة لإنهاء الحرب لن يقود إلى حل حقيقي، بل سيعيد إنتاج الأزمة ويكرس واقع الحرب. وأوضح التجمع أن المبادرة بصورتها الحالية لا تعدو كونها محاولة لترسيخ شرعية سلطة الأمر الواقع الانقلابية وإقامة مؤسسات صورية لتوفير غطاء سياسي لنتائج حرب 15 أبريل وانقلاب 25 أكتوبر، مشدداً على أن السودان بحاجة إلى عملية سياسية حقيقية تهدف بالأساس إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وليس إلى حوار شكلي.
وفي السياق ذاته، أبدى حزب الأمة القومي تحفظه على ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بالدعوة للحوار، معتبراً أن موقف المفوضية جاء “سابقاً لأوانه”. وأوضح الحزب في بيان له أن تحفظه لا يعبر عن رفض لمبدأ الحوار بحد ذاته، وإنما ينطلق من رفض منح أي تأييد مسبق لمبادرة سياسية قبل التحقق من استيفائها لمتطلبات الملكية السودانية الخالصة، والاستقلالية، والتوافق الوطني، وتوفر البيئة السياسية والأمنية الملائمة لعقدها.
كما اتسق هذا الرفض مع موقف قوى إعلان المبادئ السوداني التي أصدرت بياناً حازماً أعلنت فيه رفضها القاطع لبيان المفوضية، معتبرة إياه توفيراً لغطاء سياسي للحكم العسكري وعودة للنظام البائد وواجهاته، وتحركاً يمهد لتقسيم السودان. وحذرت قوى الإعلان من أن أي دعم أو مباركة صريحة أو ضمنية لهذا الحوار من جانب الاتحاد الأفريقي أو “الآلية الخماسية” يعني عملياً المشاركة في إضفاء الشرعية على عملية تُدار داخل مناطق سيطرة طرف واحد وتقصي الملايين، مما يحول مؤسسات الوساطة من راعٍ محتمل لسلام عادل إلى شريك في فرض الأمر الواقع. وطالبت المفوضية بسحب بيانها فوراً، مؤكدة التعامل مع أي خطوات ذات صلة بحوار الخرطوم بوصفها انحيازاً وخطوة في الاتجاه الخطأ.
تأتي هذه المواقف الحاسمة كامتداد طبيعي للرؤية الجماعية التي طرحتها القوى المدنية والمناهضة للحرب خلال اجتماعاتها التشاورية الموسعة المنعقدة في أغسطس 2026 تحت شعار “السلام الذي نريد”. وكانت هذه القوى قد خلصت إلى موقف مبدئي يقضي ببطلان المبادرة التي دعت إليها شخصيات مقربة من قيادة الجيش، لكونها تفتقر للمصداقية ولأبسط الشروط العملية، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وتوفير الممرات الإنسانية، وضمان حياد ساحة التفاوض.
وترى القوى المدنية المناهضة للحرب أن إجراء حوار تحت رعاية وإدارة طرف عسكري واحد، وداخل مناطق نفوذه المباشر، ينتهي عملياً إلى تسهيل عودة عناصر نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي بعد أن أسقطهم الشعب السوداني في ثورة ديسمبر المجيدة، فضلاً عن تعزيز سيناريوهات التقسيم الفعلي للبلاد.
بناءً على ذلك، اعتبرت التكتلات السياسية أن موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي الأخير يمثل تراجعاً عن مقررات المؤسسة القارية السابقة، وعلى رأسها قرار تجميد عضوية السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021. وجددت القوى السياسية دعوتها للمجتمعين الإقليمي والدولي للتنسيق المحكم مع السودانيين لبناء عملية سلام حقيقية وشاملة، تبدأ بوقف فوري وشامل للعدائيات لأغراض إنسانية، وتأسيس مسار لترتيبات انتقالية مدنية تحت مظلة مستقلة ومحايدة تعالج جذور الأزمة لا تمظهراتها.