السودان

تقرير: مسار السلاح إلى الخرطوم وما وراء الصفقة الباكستانية في السودان – الحلقة الثانية

راينو: وكالات

طائرة شحن تحط في الخرطوم قادمة من جدة. معلومات تتحدث عن مسيّرات باكستانية من طراز شاهبار-2. مدرعات باكستانية تظهر في شوارع الخرطوم. صفقة تسليح تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، تتردد في تفاصيلها أسماء مسيّرات وطائرات تدريب ومركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي.

في صباح السابع من أغسطس 2026، نشر إيدي كوهين، الباحث والمعلق الإسرائيلي المعروف بمتابعته للشؤون العربية، أن طائرة شحن تابعة لشركة بدر للطيران وصلت إلى مطار الخرطوم قادمة من جدة، وأنها كانت تحمل، وفق ما نسبه إلى «مصادر استخباراتية»، طائرات مسيّرة باكستانية من طراز شاهبار-2.

مواصفات شاهبار-2

تُصنف النسخة شاهبار-2 ( بلوك – 2) التي تعرضها شركة GIDS الباكستانية هي طائرة مسيّرة مسلحة من فئة MALE (متوسطة الارتفاع وطويلة التحمل). وتقول الشركة المصنعة إنها صممتها لتعمل في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، مع القدرة على حمل أسلحة وتنفيذ مهام قتالية. ويبلغ باع الجناح نحو 35 قدمًا، ويصل الوزن الأقصى عند الإقلاع إلى نحو 1125 كيلوغرامًا.

وتصل قدرة التحمل إلى 20 ساعة في مهام الاستطلاع ISR (الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع)، حتى 15 ساعة في الوضع المسلح مع حمولة خارجية تزن 60 كيلوغرامًا، وحتى 12 ساعة في الوضع المسلح مع حمولة خارجية تصل إلى 120 كيلوغرامًا. أما سقف الطيران فيبلغ نحو 25 ألف قدم في مهام الاستطلاع و22 ألف قدم في الوضع المسلح. وتصل الحمولة الخارجية إلى نحو 120 كيلوغرامًا موزعة على أربع نقاط تعليق، بينما تصل الحمولة الداخلية إلى نحو 50 كيلوغرامًا.

القيمة العسكرية الحقيقية لشاهبار-2 تكمن في قدرتها على حمل السلاح، إضافة إلى قدرتها على الاستمرار في المراقبة. فالطائرة تستطيع البقاء في الجو لساعات طويلة، ما يسمح ببناء صورة مستمرة لمسرح العمليات، ويُمكن تجهيزها بحمولات كهروبصرية وحرارية EO/IR (أنظمة التصوير الكهروبصري والأشعة تحت الحمراء)، إضافة إلى إمكان دمج تجهيزات مثل COMINT (استخبارات الاتصالات)، وELINT (الاستخبارات الإلكترونية)، وSAR (الرادار ذي الفتحة التركيبية). وهذا يحول الطائرة من «طائرة تضرب هدفًا» إلى منصة قادرة على جمع المعلومات وتحديد الأهداف والمساعدة في تقييم نتائج الضربات.

ومن أكثر الأرقام لفتًا للنظر في مواصفات شاهبار-2 قدرة الاتصال خارج خط النظر BLOS (الاتصال خارج خط النظر)، التي تصل، وفق بيانات GIDS، إلى نحو 1500 كيلومتر، بينما تبلغ قدرة الاتصال بخط النظر LOS (الاتصال ضمن خط النظر) نحو 250 كيلومترًا.

وتشير الشركة إلى استخدام الاتصالات عبر الأقمار الصناعية. وهذا لا يعني أن الطائرة نفسها تستطيع بالضرورة الطيران 1500 كيلومتر بعيدًا عن السودان والعودة، فهناك فرق بين مدى الاتصال وبين مدى الطيران، لكن قدرة BLOS تعني أن مركز التحكم يمكنه البقاء بعيدًا عن الطائرة بدرجة كبيرة، وفق بنية الاتصالات المتاحة، وهو أمر مهم في عمليات المراقبة والاستطلاع بعيدة المدى.

أثر شاهبار-2 على معادلة التفوق العسكري

الإجابة العسكرية الأقرب إلى الواقع هي أن شاهبار-2، حتى إذا وصلت بالفعل وبدأت في تنفيذ المهام، فلن تغير وحدها معادلة الحرب السودانية. قد تغير نتيجة معركة، وقد تدمر مركبة، وقد تضرب موقعًا، وقد تكشف تحركًا عسكريًا، وقد تحسن القدرة على الاستطلاع، لكنها لن تغير وحدها معادلة الحرب السودانية.

الحرب الحديثة لا تحسمها منصة واحدة. فالطائرة تحتاج إلى أطقم مدربة وصيانة وذخائر ومحطات تحكم واتصالات آمنة، وحماية للقواعد ومنظومة قيادة وسيطرة، فضلًا عن القدرة على التعامل مع الحرب الإلكترونية والدفاعات المضادة للمسيّرات. وفوق كل ذلك تحتاج إلى قوات برية تستطيع استثمار ما تحققه الضربات الجوية.

وهذا بالضبط ما أثبتته الحرب السودانية خلال أكثر من ثلاث سنوات. تطورت المسيّرات، ودخلت أنظمة جديدة، وتغيرت خطوط السيطرة، وتدفق السلاح من الخارج، ومع ذلك لم تنتج هذه التطورات وحدها حسم الحرب. لذلك فإن شاهبار-2، إذا وصلت فعلًا، ستكون إضافة مهمة إلى القدرة العسكرية، لكنها ليست سلاحًا سحريًا يستطيع بمفرده تغيير نتيجة الحرب.

ظهور المدرعة “محافظ-V ” في الخرطوم

تتقاطع التطورات الجوية مع تطور بري لا يقل أهمية. فقد ظهرت في الخرطوم صور ومقاطع لمركبات مدرعة باكستانية من طراز محافظ -V. وتكتسب هذه الصور أهمية خاصة لأن محافظ-V ورد اسمها ضمن قائمة المعدات التي تحدثت عنها التقارير المتعلقة بالصفقة الباكستانية. فإذا كانت المركبات التي ظهرت في الخرطوم بالفعل من هذه الصفقة، فإن ذلك يعني أن بعض المعدات البرية الباكستانية بدأت بالفعل بالظهور على الأرض.

ويكتسب التسلسل الزمني أهمية أكبر مع جمع المؤشرات المتاحة. ففي أغسطس 2025 ظهرت تقارير عن الصفقة الباكستانية، وفي يناير 2026 تحدثت رويترز عن صفقة دفاعية تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، وفي يوليو 2026 ظهرت محافظ-V في الخرطوم، ثم انتشر في 7 أغسطس 2026 خبر وصول شاهبار-2 إلى الخرطوم عبر جدة. هذه الوقائع لا تثبت بعضها بعضًا بصورة آلية، لكنها تشكل سلسلة من المؤشرات التي تستحق التحقيق.

الجدير بالانتباه أن محافظ-V ليست دبابة، بل مركبة مدرعة خفيفة/متوسطة مخصصة للحماية والحركة ونقل الأفراد والقيام بالمهام الأمنية والعسكرية. ووفق بيانات الشركة المصنعة، يبلغ طولها نحو 5.4 متر، وعرضها 2.2 متر، ويبلغ وزنها القتالي نحو 5.6 طن.

وتستوعب حتى ثمانية أفراد، وتصل سرعتها على الطرق المعبدة إلى نحو 120 كيلومترًا في الساعة، وتعمل بنظام دفع 4×4، وتستخدم محركًا بقوة نحو 202 حصان.

أما الحماية فتصل إلى مستوى B6 وفق معيار EN 1522/1523، باستخدام تدريع فولاذي باليستي، وتتضمن تجهيزاتها إطارات Run-Flat التي تسمح باستمرار الحركة بعد فقدان ضغط الهواء، ومنافذ لإطلاق النار، ووسائل رؤية، وبرجًا أو محطة سلاح بحسب التهيئة، كما أن وظيفتها ليست مواجهة الدبابات الثقيلة، وإنما توفير حماية وحركة أفضل للقوات في بيئة قتالية.

وتكتسب رؤية هذه المدرعة على الأرض أهمية خاصة لأن ظهورها أكثر دلالة من مجرد وجود اسمها في عقد. فالصفقة على الورق، والمعدات التي تصل فعليًا، والمعدات التي تدخل الخدمة وتظهر في الميدان تمثل مراحل مختلفة من تنفيذ أي برنامج تسليح. فإذا ثبت أن مركبات محافظ-V الموجودة في الخرطوم هي جزء من الصفقة الباكستانية، فإن ذلك يمثل دليلًا ماديًا أقوى على أن عملية التسليح ليست مجرد اتفاق سياسي أو عسكري لم ينفذ بعد. كما أن ظهور معدات برية باكستانية في الخرطوم يمنح الادعاء المتعلق بشاهبار-2 سياقًا أوسع، لأنه يأتي في فترة ظهرت خلالها مؤشرات على وصول معدات عسكرية باكستانية إلى السودان.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار