السودان

في ظل النزوح وشح الإمداد: الصحة تحت سيطرة بورتسودان .. هل انهار القطاع الصحي؟

تقرير: راينو

في الوقت الذي تحولت فيه بورتسودان إلى محطة رئيسية لاستقبال ملايين الفارين من جحيم الحرب، يعيش القطاع الصحي هناك على حافة الهاوية. وبحسب شهود عيان مرتبطون بالقطاع الصحي، فإن منظومة الصحة في المدينة والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش تواجه ضغطاً بشرياً غير مسبوق، مترافقاً مع شح كارثي في الإمدادات الدوائية والطبية يهدد بتوقف ما تبقى من المرافق الحيوية عن العمل نهائياً.

تفاصيل دقيقة

وطبقا لتصريحات رسمية لوزير صحة بورتسودان بأن 11 مليار دولار هي جملة خسائر القطاع الصحي بسبب الحرب.. وبحسب متابعات “راينو” فإن المشهد الصحي الحالي هو امتداد لانهيار واسع النطاق ضرب البنية التحتية في البلاد؛ حيث أكدت المعطيات الميدانية أن نحو 85% من المرافق الصحية باتت خارج الخدمة تماماً، وتعطل ما يزيد على 400 مرفق صحي بين عام وخاص. وفي قطاع الدواء وثّقت آخر إحصائيات اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان -تحتاج إلى تحديث- وتحصل عليها “راينو” خروج 60% من الصيدليات ومخازن الأدوية عن الخدمة، وإغلاق أكثر من 2,800 صيدلية في الخرطوم وحدها، بالتزامن مع توقف 41 شركة أدوية وأكثر من 90% من مصانع الدواء عن الإنتاج بشكل كامل.

ماذا قالت اليونيسيف؟

وبحسب تقديرات اليونيسف فإن النظام الصحي في السودان يشهد حالة من الهشاشة المستمرة، وتتجلى هذه الأزمة في انخفاض المؤشرات الصحية بصورة دائمة مع وجود تفاوتات هائلة بين المناطق الحضرية والريفية وبين الأغنياء والفقراء. وينتج عن ذلك تعريض أكثر من 8 ملايين طفل دون سن الخمس سنوات للخطر نتيجة لعدم تمكنهم من الحصول على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة. وفي هذا السياق، يموت سنوياً 78,000 طفل دون سن الخمس سنوات لأسباب يمكن الوقاية منها مثل الملاريا، وتشير التقديرات إلى أن هذا الرقم سيتضاعف ثلاث مرات إن استمرت الاستثمارات في قطاع الصحة في الانخفاض.

وبحسب ذات التقرير، يمثل الحصول على الخدمات الصحية تحدياً كبيراً للعديد من الأسر السودانية؛ إذ يُظهر الواقع أن 70 % فقط من السكان عند وصولهم إلى المرفق الصحي لا يجدون الرعاية بالجودة الكافية، ونتيجة لذلك، تُعد تغطية الخدمات الصحية للأمهات والأطفال إحدى أدنى مستويات التغطية في المنطقة؛ وعلى سبيل المثال، أُحضِر فقط ربع الأطفال المرضى الذين يعانون من الإسهال إلى مركز صحي للعلاج، ولم يُزوّد من بين هؤلاء الأطفال بالعلاج (محلول معالجة الجفاف عن طريق الفم) سوى 27 في المئة فقط، مما يترك عددًا كبيرًا جدًا من الأطفال عرضة للوفاة من حالات يمكن الوقاية منها أو علاجها.

استهداف وتجني

وسط حصار مزدوج بين تفشي الأوبئة كالكوليرا والملاريا وحمى الضنك، وبين الشلل التام في البيئة الصحية ومصادر المياه، تقف الكوادر الطبية وغرف الطوارئ المحلية خط دفاع أخيراً، وطبقا للإحصائيات تعرض القطاع الطبي لسلسلة من الانتهاكات الجسيم بلغت 521 هجوماً، أدت إلى مقتل نحو 200 من الكوادر الصحية. وبحلول نوفمبر 2024، تجاوز عدد الوفيات 28,700 وفاة، بينها أكثر من 20 ألف وفاة مباشرة، فيما قُدّر عدد الوفيات في الجنينة وحدها بنحو 15 ألفاً. وخلال الفترة من 31 يناير إلى 5 فبراير 2025، سُجلت وفاة 275 مدنياً، إلى جانب مقتل 57 متطوعاً.

أما الاحتياجات الصحية والإنسانية، فأشارت الإحصائيات إلى أن نحو 20 مليون شخص كانوا بحاجة إلى الرعاية الصحية، بينهم أكثر من 11 مليوناً بحاجة إلى خدمات رعاية منقذة للحياة. كما تجاوز عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية 26 مليون شخص، بينهم نحو 13.6 مليون طفل، فيما بلغ عدد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي نحو 24.6 مليون شخص.

وطبقا لمصادر طبية في حديثها لـ”راينو” فإنه في ظل شح الموارد المالية، وانقطاع شبكات الاتصالات، والملاحقات، وهجرة الكوادر المؤهلة، فإن الوضع ينذر بكارثة إنسانية شاملة ما لم تتدخل الجهات المعنية لتوفير ممرات آمنة وإمدادات إسعافية عاجلة تنقذ ما يمكن إنقاذه.

وتذهب رئيسة اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان د. هبه عمر في حديثها لـ”راينو” إلى أنه فيما يخص العنوان المقترح المتعلق بـ(انهيار القطاع الصحي)، فإن الواقع المؤلم يؤكد أنه لم يعد هناك قطاع صحي من الأساس كي ينهار أو يوشك على الانهيار؛ وقالت:” انهار النظام وانتهى وشبه تلاشى، ولا يوجد في السودان قطاع طبّي أو صحي حقيقي بالمعنى المؤسسي، وما يتم على الأرض هو مجرد محاولات مضنية لتقديم خدمات إسعافية متفرقة هنا وهناك، وببساطة شديدة: ‘ما في صحة’ من الأساس.”

وأكدت عمر أنه بخصوص الأرقام والإحصائيات، فإنهم يبذلون قصارى جهدهم لتزويدالإعلام بآخر المعطيات المتاحة، وأضافت: “لكن ينبغي إدراك حقيقة أنه في غياب دولة مستقرة وغياب القطاع الصحي نفسه، يستحيل توفر إحصائيات دقيقة أو موثوقة على أي مستوى. وفعلياً، من الذي سيقوم بإعداد هذه الإحصائيات في ظل غياب تام للمستشفيات، وتعطل المرافق العاملة، وتوقف الوزارات، وانعدام الكوادر الطبية من الأساس؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار