السودان
مشروع التمكين: كيف اخترقت الحركة الإسلامية الجيش السوداني؟

راينو: وكالات
يشكل انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ نقطة تحول جوهرية في تاريخ السودان الحديث. ومثل منصة الانطلاق لمشروع منهجي منظم نفذته الحركة الإسلامية بهدف السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة.
هذا المشروع، الذي عُرف إعلاميًا باسم “مشروع التمكين” وتنظيميًا بـ “مشروع الضباط الدعاة”، استهدف اختراق جميع مفاصل الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، بوصفها صمام الأمان الأخير وأداة القوة القصوى في أي دولة.
لم يكن مشروع اختراق الجيش السوداني مجرد عملية تجنيد عادية، بل كان بناءً متكاملًا لدولة موازية داخل الدولة، تقوم على الولاء الأيديولوجي لا الكفاءة الوطنية. الدفعة ٤٠ مثلت نموذجًا مصغرًا لهذا المشروع: نخبة مميزة، صنعتها الحركة الإسلامية الإرهابية بعناية، لتكون أداتها للسيطرة على مستقبل السودان.
وما نراه اليوم من صراعات وانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، إنما هو ثمرة طبيعية لهذا الغرس التنظيمي الذي بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود.
مشروع بناء المنازل التمليك المميزة لضباط الدفعة ٤٠
في خضم الصراع الخفي على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، كثيراً ما تُستخدم أدوات تبدو خدمية لتحقيق غايات تنظيمية بعيدة المدى. وقدم مشروع “بناء المنازل التمليك المميزة لضباط الدفعة ٤٠” في السودان، نموذجاً صارخاً على كيفية توظيف الموارد والصلاحيات لخلق نخبة موالية، تعمل خارج النسيج الرسمي للمؤسسة.
لم يكن مشروع شركة تحت مظلة “الزمالة” وليد الصدفة، بل نتاج تخطيط دقيق قاده ضباط بارزون في الحركة الإسلامية. على رأسهم العميد خالد محمد محمد خير، الذي أسس شركة إنشاءات تابعة لصندوق زمالة الدفعة ٤٠. كان الهدف المعلن هو توفير مساكن متميزة، لكن الهدف الخفي كان أكثر إحكاماً، وهو إظهار ضباط الدفعة ٤٠ كنخبة متفوقة، وربط ولائهم للحركة الإسلامية بتحسين أوضاعهم المعيشية المستقبلية، خاصة وأن مشكلة تملك المسكن تمثل هاجساً يومياً لأي ضابط محدود الدخل.
“حصرية” تثير التساؤلات
ما جعل المشروع استثنائياً ومثيراً للجدل هو حصريته. فقد تقرر أن يكون البناء في منطقة “الثورات” (الحارة ٧٩ و ٨٠) حكراً على ضباط الدفعة ٤٠، برسوم رمزية تُسدّد لصندوق زمالة الدفعة. هنا برز السؤال: لماذا لا تُعمّم التجربة على باقي الدفعات؟ كان الجواب الرسمي دائماً بأن المشروع “خاص بالدفعة ٤٠” ولا شأن للقيادة العامة به سوى بعض المهام التنظيمية.
ولتذليل العقبة المالية الأكبر تم اللجوء إلى حيلة ذكية. فبدلاً من انتظار ضباط الدفعة ٤٠ لدورهم في الحصول على “سلفية الإسكان” من الصندوق المختص (وفق شروط خدمة معينة)، تم توجيه هذه السلفيات تلقائياً من صندوق الإسكان -الذي يسيطر عليه ضباط إسلاميون- إلى شركة العميد خالد لتمويل المشروع مباشرة.
هذه الآلية سرّعت البناء بشكل لافت، مما عمّق الإحباط بين ضباط الدفعات الأخرى الذين كانوا ينتظرون أدوارهم لسنوات. كان الانطباع السائد أن “القرب من الحركة” هو المفتاح السحري لحل أعقد المشكلات.
الرجل الذي يُدير الخيوط
لم يكن المشروع لينجح دون غطاء تنظيمي محكم. هنا برز دور اللواء ركن معاوية حمد، ، الذي جمع بين منصبه الرسمي في إدارة شؤون الضباط آنذاك، ذلك الوضع أتاح له التحكم في حركة التنقلات وفق توجيهات الحركة – وإشرافه على صندوق زمالة الدفعة ٤٠.
هذا المزيج من السلطة الرسمية والتنظيمية خلق “دولة داخل دولة”، ومكّن اللواء معاوية من توجيه الموارد والبشر لخدمة المشروع، قبل أن يلقى حتفه العام السابق في مواجهات مع قوات الدعم السريع.
استثناء لتطييب الخواطر
مع تصاعد الانتقادات المكبوتة، اضطرت الدفعة ٤٠ إلى القيام باسترضاءات محدودة، بالسماح للدفعة ٣٩ بالانضمام للمشروع. لكن هذا الاستثناء لم يكن دخولاً في شراكة، بل كان خضوعاً تحت الإشراف الكامل لشركة الدفعة ٤٠.
لم يكن مشروع الإسكان مجرد خدمة سكنية، بل كان أداة استقطاب وتمييز منظمة، وحوّل الضباط إلى “عملاء” مميزين، وكسر القواعد الموحدة للمؤسسة العسكرية، وخلق طبقة موالية تعتمد على الحركة الإسلامية في تأمين مستقبلها. القصة لم تكن عن بناء منازل، بل عن بناء ولاءات على حساب القانون والعدالة داخل المؤسسة الأكثر حساسية في الدولة.
تحويل الدولة لخدمة الحركة الإسلامية



