السودان

وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة السلام إبراهيم الميرغني: الأمن والصحة والتعليم والوصول الإنساني أولوياتنا في المرحلة الحالية

في حوار مع صحيفة تأسيس تحدث نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، والقيادي البارز بتحالف السودان التأسيسي، ووزير شؤون مجلس الوزراء بحكومة السلام الانتقالية، السيد إبراهيم الميرغني، عن الفلسفة السياسية التي يرتكز عليها تحالف “تأسيس”، وأولويات حكومة السلام في المرحلة الراهنة، ومستقبل العملية السلمية، وكيفية التعاطي مع التحولات في المواقف الدولية، بالإضافة إلى ملامح مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب. وتحدث كذلك عن استكمال بناء مؤسسات الحكم الانتقالي، وإدارة الملفات الخدمية والأمنية والإنسانية، بالتوازي مع طرح رؤية سياسية إستراتيجية تسعى لمعالجة جذور الأزمة السودانية.

حوار: سلافة أبو ضفيرة

وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة السلام إبراهيم الميرغني

منفتحون على أي جهد إقليمي أو دولي يحترم الإرادة الوطنية ويستهدف معالجة جذور الأزمة

(*) تتمحور رؤية “تحالف السودان التأسيسي” حول أولويات حاسمة تتلخص في: وقف الأعمال العدائية، إيصال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين. هل ما تزال هذه المقاربة تمثل جوهر مشروعكم السياسي، أم أن ديناميكيات المشهد المتسارعة فرضت أولويات جديدة؟

إن المشروع الذي يتبناه “تحالف السودان التأسيسي” لم يكن يوماً مجرد استجابة ظرفية أو رد فعل عابر أملته ظروف الحرب الحالية. بل هو نتاج مراجعات فكرية وسياسية عميقة وشاملة للتجارب المريرة التي مرت بها البلاد طوال العقود الماضية. لقد انطلقنا في التحالف من قناعة راسخة بأن الأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة سلطة أو صراعاً على حقائب حكومية، بل هي أزمة بنية سياسية ودستورية متجذرة تراكمت عبر عقود من التشوهات البنيوية، وهو ما استوجب تقديم مقاربة مفاهيمية جديدة تؤسس للحل من الجذور.

إن جميع المبادرات السابقة تعاملت مع “نتائج” الأزمة وأعراضها الظاهرية، بينما حاول تحالفنا، من خلال “الوثيقة السياسية” و”الدستور الانتقالي لسنة 2025″ والمبادئ فوق الدستورية، حاول تقديم تصور إستراتيجي متكامل يعيد تعريف العلاقة العضوية بين الدولة والمجتمع. نحن نسعى لتأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.

لذا، فإن بناء السلام يظل الأولوية القصوى لنا، لأن السلام بمفهومنا ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار أو تسوية فوقية بين أطراف النزاع، بل هو عملية هيكلية شاملة لإعادة صياغة مؤسسات الدولة على أسس جديدة تمنع تكرار الحروب وتضمن الاستقرار المستدام. ومن هذا المنطلق، فإن العمل الإنساني وحماية المدنيين هما امتداد طبيعي لهذا المشروع، إذ لا يمكن فصل التنمية أو الاستقرار عن إنهاء معاناة المواطن الذي يمثل محور عملية التأسيس.

استكمال البناء المؤسسي للدولة هو هدف لا حيدة عنه، ولكنه يخضع لإستراتيجية التدرج السليم والمواءمة مع ظروف الحرب

(*) تشهد الساحة السودانية تحولات لافتة في مواقف الفاعلين الدوليين، ولعل أبرزها تصريحات مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس بشأن الأطراف المعرقلة للسلام. كيف تقرؤون هذه الديناميكيات الدولية الجديدة؟

الواضح اليوم أن المجتمع الدولي بات يمتلك صورة أكثر وضوحاً ودقة لطبيعة الصراع السوداني وخلفياته مقارنة بما كان عليه الحال في بدايات الحرب. إن الكثير من الحقائق التي كانت محل تجاذب وخلاف أصبحت اليوم حقائق موضوعية وصارخة في النقاشات والتقارير الدولية.

نحن نرى أن الإدارة الأمريكية، عبر تصريحات مبعوث الرئيس للشؤون العربية والأفريقية، بدأت تتعامل مع الملف السوداني بقدر أكبر من الواقعية السياسية. وتسمية الأطراف التي تعرقل جهود السلام تعكس تحولاً مهماً في قراءة الأزمة. ومع ذلك، فإننا نؤمن بأن مجرد تشخيص أسباب الحرب أو الإشارة إلى المعرقلين لا يكفي لإنهاء المأساة، ما لم يصاحب هذا التشخيص تحرك دولي عملي وإجراءات حازمة تفرض احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتهيئة المناخ الملائم لعملية سياسية شاملة.

إن حكومة السلام تنظر بإيجابية وانفتاح لأي جهد إقليمي أو دولي يهدف إلى وقف نزيف الدم، شريطة أن ينطلق من احترام الإرادة الوطنية السودانية، وأن يستهدف معالجة جذور الأزمة لا تدويرها عبر مسكنات مؤقتة أو تسويات قاصرة قد تفجر الصراع مجدداً في المستقبل.

لم يأت تحالف تأسيس كاستجابة ظرفية أو رد فعل عابر بل هو نتاج مراجعات فكرية وسياسية عميقة

(*) يبدو ملف الهدنة الإنسانية وفتح مسارات الإغاثة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وسط اتهامات للحركة الإسلامية باستخدام “تنازلات تكتيكية” لامتصاص الضغوط الدولية. كيف تنظرون إلى مستقبل هذا الملف الحيوي.

القضية الإنسانية في السودان تجاوزت منذ فترة طويلة أبعادها الإغاثية التقليدية لتصبح اختباراً حقيقياً لمدى توفر الإرادة الأخلاقية والسياسية لدى أطراف الصراع. إن ملايين السودانيين يواجهون اليوم ظروفاً معيشية وصحية بالغة القسوة، وأي تباطؤ في فتح الممرات الآمنة أو عرقلة لتدفق المساعدات يعني مباشرة حكماً بالموت على مواطنين أبرياء.

في تحالف السودان التأسيسي، وفي الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، نعتبر أن غوث المدنيين والوصول الإنساني هو حق أصيل غير قابل للتصرف، وليس ورقة تفاوضية أو أداة للضغط والابتزاز السياسي. ومن هنا، وضعت حكومة السلام الانتقالية هذا الملف في صدارة أجندتها اليومية.

المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن في شح المبادرات الدولية، بل في غياب الإرادة السياسية لدى الطرف الرافض للحلول السلمية، والذي يحاول استخدام المناورات الإعلامية أو التنازلات المرحلية لامتصاص الضغوط الخارجية دون التزام حقيقي على الأرض. إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتعايش مع سياسات تجويع المدنيين، وسنواصل عملنا وتنسيقنا مع المنظمات الدولية والشركاء الإقليميين لضمان تدفق الإغاثة لكل محتاج في السودان، بعيداً عن التسييس أو العرقلة العسكرية.

 

يدار ملف تمويل اللجان المتخصصة بمسؤولية عالية داخل مؤسسات التحالف لتمكين هذه اللجان من أداء مهامها بفعالية في مختلف الأقاليم

(*) يثار الكثير من الجدل والنقد حول طبيعة تشكيل حكومة السلام الانتقالية، حيث يرى البعض أنها خضعت لمنطق المحاصصة السياسية، بينما يرى آخرون أنها افتقرت لمعايير الكفاءة الجافة، كيف تفندون هذه الانتقادات؟

إن النقاش الدائر حول “المحاصصة” غالباً ما يتسم بالاختزال ويبتعد عن فهم تعقيدات المراحل الانتقالية في الدول التي تمر بأزمات وجودية. حكومة السلام ولدت من رحم ظروف استثنائية قاهرة فرضتها الحرب، وكان من الواجب الإستراتيجي الجمع بين بُعدين: تمثيل المكونات السياسية والمدنية الواسعة للتحالف لضمان حاضنة وطنية عريضة، وفي الوقت ذاته، الصرامة في تطبيق معايير الكفاءة والخبرة التكنوقراطية القادرة على الإنجاز وسط الركام.

السودان بلد يتميز بتعددية ثقافية وجغرافية واجتماعية واسعة، ومن الطبيعي والشرعي أن تنعكس هذه التعددية في مؤسسات الحكم لإضفاء الصبغة الوطنية عليها، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب الجدارة والنزاهة. والمنصفون يدركون أن الحكم على التجربة يجب أن يستند إلى “النتائج” لا إلى الانطباعات المسبقة.

ورغم شح الإمكانات والتعقيدات الأمنية البالغة، استطاعت الوزارات والمؤسسات التي اكتمل تشكيلها تحقيق خروقات إيجابية وملموسة في ملفات حيوية مثل الصحة، التعليم، الإدارة المدنية، وتسهيل التدفقات الإنسانية. لقد اعتمدنا منهجية متدرجة تفرضها الحقائق على الأرض، فبدأنا بتفعيل الوزارات الخدمية اللصيقة بحياة المواطن اليومية، وسنستكمل بقية الهياكل تباعاً بما يضمن مرونة العمل الحكومي واستدامته.

المجتمع الدولي بات يمتلك صورة أكثر وضوحاً ودقة لطبيعة الصراع السوداني وخلفياته مقارنة بما كان عليه الحال في بدايات الحرب

(*) لا تزال الهيئة التشريعية القومية غير مكتملة الأركان، ألا يلقي ذلك بظلاله على قيم الرقابة والتشريع والمحاسبة خلال هذه المرحلة الدقيقة؟

بكل تأكيد، استكمال البناء المؤسسي للدولة هو هدف لا حيدة عنه، ولكنه يخضع لإستراتيجية التدرج السليم والمواءمة مع ظروف الحرب. الهيئة التشريعية القومية صُممت دستورياً لتتشكل من غرفتين: “مجلس الأقاليم” و”مجلس النواب”. وحالياً، بدأ مجلس الأقاليم في ممارسة اختصاصاته الدستورية والتشريعية بالفعل، الأمر الذي أتاح لنا إقرار وصياغة عدد من التشريعات والقوانين الحاكمة والضرورية لعملية التأسيس وإدارة شؤون الحكم الانتقالي.

وجود مجلس الأقاليم وفر المظلة القانونية والشرعية اللازمة لعمل مؤسسات الدولة في الوقت الراهن، إلى حين توفر الظروف الميدانية والسياسية المواتية لاستكمال تشكيل مجلس النواب. إن المراحل الانتقالية في الفقه السياسي لا تُقاس بالمسارات الجامدة للدول المستقرة، بل بمدى مرونة مؤسساتها وقدرتها على صون تماسك الدولة وتلبية الاحتياجات الوجودية للمواطنين، مع الحفاظ على بوصلة الفصل بين السلطات وتطوير آليات الرقابة تدريجياً.

المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن في شح المبادرات الدولية، بل في غياب الإرادة السياسية لدى الطرف الرافض للحلول السلمية

(*) ماذا عن البنية التنظيمية لـ”تحالف السودان التأسيسي”؟ هل اكتملت هياكله الداخلية، وما هي الإنجازات العملية التي حققها حتى الآن، وتحديداً في ملف تمويل اللجان المتخصصة وتفعيلها؟

لقد تجاوز مشروع “تحالف السودان التأسيسي” منذ اللحظة الأولى لتأسيسه الأطر التقليدية للتحالفات السياسية العابرة، ليتحول إلى منصة وطنية وتاريخية عريضة تجمع طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية حول رؤية واحدة لإنقاذ وإعادة بناء السودان. نعم، عملية استكمال وتوسيع الهياكل التنظيمية مستمرة ولم تتوقف، لكن هذا لم يمنع التحالف من القيام بدوره القيادي والإسنادي كاملاً.

التحالف يمثل اليوم الظهير السياسي والإستراتيجي لحكومة السلام، فهو المعمل الفكري الذي تُصاغ فيه الرؤى المتعلقة بالإصلاح المؤسسي وإدارة التعقيدات السياسية. وما يميز هذا التحالف هو ابتعاده عن الشعارات الإنشائية الجوفاء، لقد قدمنا للمشهد السوداني وثائق مرجعية وتاريخية غير مسبوقة: “الدستور الانتقالي لسنة 2025″، “الوثيقة السياسية”، و”المبادئ فوق الدستورية”. هذه الوثائق وضعت إطاراً نظرياً وعملياً جديداً لإنهاء الأزمة عبر تفكيك أسبابها البنيوية: طبيعة الدولة، التوزيع العادل للسلطة والثروة، إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، وقضايا المواطنة والعدالة الانتقالية.

أما فيما يتعلق بتمويل اللجان المتخصصة، فإن هذا الملف يدار بمسؤولية عالية داخل مؤسسات التحالف. هناك خطط عملية يجري تنفيذها لتوفير الموارد المالية واللوجستية اللازمة لتمكين هذه اللجان (السياسية، الخدمية، والتنظيمية) من أداء مهامها بفعالية في مختلف الأقاليم. وتشهد المرحلة المقبلة انطلاقة أوسع وتواجداً ميدانياً أكبر لهذه اللجان لتعزيز الحاضنة الشعبية للمشروع ودعم العمل التنفيذي للحكومة.

الوصول الإنساني هو حق أصيل غير قابل للتصرف، وليس ورقة تفاوضية أو أداة للضغط والابتزاز السياسي

(*) لو أردنا ترتيب أولويات حكومة السلام في الأمد المنظور، ما هي الملفات التي تحظى بالصدارة المطلقة على طاولتكم الوزارية؟

نحن ننطلق من معيار واضح: نجاح الحكومة لا يُقاس بالهياكل النظرية، بل بمدى الأثر الإيجابي في حياة المواطن العادي. وفي هذا الصدد، وضعنا سلماً صارماً للأولويات يتصدره الملف “الأمني” فالأمن هو الجسر الإستراتيجي الذي لا يمكن بدونه الحديث عن تنشيط اقتصاد، أو إعادة بناء مدرسة، أو تشغيل مستشفى،
يليه مباشرة “القطاع الصحي” الذي يعاني انهياراً كبيراً جراء الاستهداف المباشر وتداعيات الحرب، حيث تتركز جهودنا على إعادة تأهيل المرافق الطبية وتوفير الدواء المنقذ للحياة. وثالثاً “ملف التعليم”، الذي نعتبره خط الدفاع الأول عن مستقبل السودان وبناء الإنسان. ورابعاً ملف “الوصول الإنساني” وتسهيل الإغاثة. هذه الملفات لا تعمل في جُزر معزولة، بل هي منظومة مترابطة ومتكاملة، فالأمن يحرك الاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي يدعم السلام المستدام والتأسيس الدستوري.

“إنهاء الحرب في حد ذاته ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة شديدة التعقيد تتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً لبناء الدولة والمجتمع معاً على أسس المواطنة المتساوية وسيادة القانون”

السودان يحتاج إلى عملية “تأسيس ثانية” تعالج تشوهات العقود الماضية وتصيغ عقداً اجتماعياً جديداً

(*) كيف يستشرف إبراهيم الميرغني ملامح السودان في مرحلة ما بعد الحرب؟ وكيف يمكن تصفية التداعيات الاجتماعية والسياسية الثقيلة التي خلفتها هذه الأزمة؟

يجب أن نكون واقعيين وصادقين مع شعبنا، إن إنهاء الحرب – رغم محوريته – لن يكون نهاية للأزمة السودانية، بل هو بداية لمرحلة شاقة ومستحقة تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً وعميقاً لإعادة بناء الدولة والمجتمع معاً. إن السودان يحتاج إلى عملية “تأسيس ثانية” تعالج تشوهات العقود الماضية وتصيغ عقداً اجتماعياً جديداً يرتكز على المواطنة المتساوية، سيادة القانون، العدالة الاجتماعية، واحتضان التنوع السوداني الفريد.

معالجة آثار الحرب لا تقف عند حدود إعادة الإعمار المادي واللوجستي للمباني والمؤسسات، بل تشمل بالأساس رتق النسيج الاجتماعي، إعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية، تعزيز المصالحات التاريخية، وتهيئة البيئة النفسية والاقتصادية لعودة النازحين واللاجئين بكرامة.

إننا في حكومة السلام وفي تحالف السودان التأسيسي ننظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة تاريخية نادرة لوضع السودان على المسار الصحيح: مسار المؤسسات لا الأشخاص، وحكم القانون لا موازين القوة العسكرية، والشراكة الوطنية الشاملة لا الإقصاء. الرهان الحقيقي ليس وقف إطلاق النار الفني فحسب، بل بناء دولة حديثة تستجيب لتطلعات السودانيين في الحرية والسلام والعدالة. الطريق وعر ومليء بالتحديات، ولكن بالإرادة السياسية الصلبة، وتلاحم القوى الوطنية الحية، والانفتاح على الحوار الشجاع، سيعبر السودان نحو بر الأمان مستقراً، موحداً، ومتصالحاً مع ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار