السودان
رئيس المجموعة السودانية لضحايا التعذيب زين العابدين الطيب لـ”راينو”: اللجوء إلى القضاء الدولي جاء نتيجة لانهيار العدالة الوطنية

حوار: راينو
في ظل واقع سوداني معقد تنهشه تداعيات الحرب، يبرز التساؤل حول مستقبل العدالة والتحول الديمقراطي في البلاد. في هذا الحوار، يضع زين العابدين الطيب، رئيس المؤسسة الأمريكية الأفريقية لمناهضة التعذيب ورئيس المجموعة السودانية لضحايا التعذيب، يده على مكامن الخلل في التجربة السودانية، محذراً من أن الحرب لم تستهدف الأجساد فحسب، بل اخترقت البنية النفسية للمجتمع. يتحدث الطيب بصراحة القابض على جمر القضية عن ضرورة بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، معتبراً أن لا مستقبل للسودان إلا بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وإعادة الاعتبار لدور الخبراء والحقوقيين في صياغة ملامح الدولة القادمة.
• لا عدالة بلا مساءلة، والمنفى الحقيقي لن ينتهي إلا بعودة السودان إلى الديمقراطية
• لا عدالة بلا مساءلة، والمنفى الحقيقي لن ينتهي إلا بعودة السودان إلى الديمقراطية
(*) بعد الحرب، تغيّرت تجربة المنفى السوداني بصورة لافتة. كيف تنظر إلى هذا التحول؟
أعتقد أن المنفى بعد اندلاع الحرب اتخذ شكلاً مختلفاً وأكثر قسوة مما عرفناه في المراحل السابقة. ففي الماضي، وبالمقارنة مع حجم الشعب السوداني، كان عدد الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد بسبب التعذيب أو الملاحقة محدوداً نسبياً. أما بعد هذه الح.رب، فقد أصبح النزوح والمنفى تجربة جماعية عاشها قطاع واسع من السودانيين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لقد تغيرت طبيعة المنفى؛ ففي الماضي كان يضطر إلى المغادرة شخص أو اثنان من الأسرة، أما اليوم فقد أصبحت أسر كاملة تغادر، وهو ما خلّف أعباء هائلة. ورغم كل هذه المآسي، أؤمن بأن مستقبل السودانيين لا يمكن أن يكون خارج السودان، وأن الأمل الحقيقي لن يتحقق إلا داخل الوطن.
(*) كيف انعكس اتساع دائرة الانتهاكات على السودانيين؟*
شهد السودانيون مستويات غير مسبوقة من القمع والانتهاكات والجرائم الفظيعة. وحتى أولئك الذين لم يتعرضوا للتعذيب مباشرة، عاشوا شكلاً آخر من أشكال التعذيب وهو “مشاهدة الجرائم”. فالأنظمة القمعية تمتلك خبرات وأدوات في ممارسة التعذيب، وهي تدرك أن إرغام الإنسان على مشاهدة تعذيب الآخرين قد يكون، في كثير من الأحيان، أشد أثراً من التعذيب الجسدي نفسه. لذلك كان كثيرون ضحايا لهذا النوع من الانتهاكات النفسية، إذ عاشوا تفاصيل الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، وهو ما ترك آثاراً عميقة لا تقل خطورة عن التعذيب المباشر.
كما أحدثت الحرب تحولاً كبيراً في وعي السودانيين بقضايا حقوق الإنسان والانتهاكات. ففي السابق، لم يكن كثيرون يدركون حجم آثار التعذيب، بل إن النظام السابق كان يعمل على التشكيك في روايات الضحايا، ويشيع أن ما يُروى عن التعذيب مجرد مبالغات أو ادعاءات. وللأسف، تأثر بعض الناس بهذه الدعاية إلى درجة تكرارها، رغم أن التشكيك في ضحايا التعذيب يمثل انتهاكاً أخلاقياً، وقد يترتب عليه أيضاً مسؤوليات قانونية.
اليوم أصبح الوعي المجتمعي أكبر بحجم الانتهاكات وآثارها النفسية والاجتماعية. ولم يعد الحديث عن الصدمات النفسية التي تتركها الحرب والتعذيب محل تشكيك كما كان في السابق، بل أصبح الجميع يدرك أن آثارها تمتد إلى الضحية وأسرته والمجتمع بأسره.
جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها التسويات السياسية
جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها التسويات السياسية
(*) في ظل الجدل الدائر حول العدالة الانتقالية، هل يمكن تحقيق السلام من دون مساءلة حقيقية؟
التجارب التي خضناها، وما راكمناه من خبرات عملية في العمل الحقوقي، تؤكد لنا يوماً بعد يوم أن المدخل الحقيقي لتصحيح مسار العدالة، ولمحاربة الانتهاكات، وحماية حقوق الإنسان، يبدأ من مبدأ أساسي لا يمكن التنازل عنه، وهو عدم الإفلات من العقاب.
فهذا المبدأ يمثل حجر الأساس لأي عمل حقوقي أو مؤسسي جاد، ولا يمكن بناء دولة القانون أو ترسيخ العدالة إذا ظل مرتكبو الانتهاكات بمنأى عن المساءلة. ولذلك ينبغي لكل من يعمل في مجال حقوق الإنسان أو في الشأن العام أن يؤمن بأن مكافحة الإفلات من العقاب ليست مجرد شعار، وإنما هي القاعدة التي تُبنى عليها العدالة والمؤسسات.
لكن من المؤسف أن هناك التباساً لدى البعض في فهم بعض المفاهيم القانونية، إذ يجري أحياناً الخلط بين احترام الضمانات القانونية للمتهم وبين إعفائه من المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها.
والحقيقة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، يقرران بوضوح أن الجرائم الجسيمة، وعلى رأسها جرائم التعذيب، لا تسقط بالتقادم، بصرف النظر عن هوية مرتكبها أو موقعه.
ولهذا لا بد من التأكيد على أنه لا يجوز منح عفو عام عن جرائم الانتهاكات الجسيمة، ولا تملك أي جهة الحق في إسقاط المسؤولية الجنائية عن مرتكبيها.
والاستثناء الوحيد يتعلق بالحق الشخصي للمجني عليه؛ فإذا اختار ضحية التعذيب التنازل عن حقه الشخصي أو المدني، فهذا قرار يخصه وحده، لكنه لا يؤدي إلى سقوط الحق العام، ولا يعفي الدولة من واجبها في ملاحقة مرتكبي الجريمة.
فجرائم التعذيب تظل جرائم يعاقب عليها القانون، ومرتكبها يظل مسؤولاً عنها، ولا تمحوها التسويات السياسية أو قرارات العفو. ومن الضروري أن يترسخ هذا الفهم في الوعي العام، لأنه يشكل أحد أهم أسس العدالة، والضمانة الحقيقية لعدم تكرار الانتهاكات في المستقبل.
(*) لكن يبدو أن هذا المفهوم ما يزال يواجه كثيراً من سوء الفهم مما يفرض عمل توعوي كبير؟
صحيح.. لأنه من المؤسف أن هناك التباساً لدى البعض في فهم بعض المفاهيم القانونية، إذ يجري أحياناً الخلط بين احترام الضمانات القانونية للمتهم وبين إعفائه من المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها. والحقيقة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، يقرران بوضوح أن الجرائم الجسيمة، وعلى رأسها جرائم التعذيب، لا تسقط بالتقادم، بصرف النظر عن هوية مرتكبها أو موقعه.
ولهذا، لا بد من التأكيد على أنه لا يجوز منح عفو عام عن جرائم الانتهاكات الجسيمة، ولا تملك أي جهة الحق في إسقاط المسؤولية الجنائية عن مرتكبيها. والاستثناء الوحيد يتعلق بالحق الشخصي للمجني عليه؛ فإذا اختار ضحية التعذيب التنازل عن حقه المدني أو الشخصي، فهذا قرار يخصه وحده، ولا يترتب عليه سقوط الحق العام أو المسؤولية الجنائية للدولة في ملاحقة الجريمة.
فجرائم التعذيب تظل جرائم يعاقب عليها القانون، ومرتكبها يظل مسؤولاً عنها، ولا تمحوها التسويات السياسية أو قرارات العفو. ومن الضروري أن يدرك الجميع هذه الحقيقة، وأن يكونوا حريصين على ترسيخها في الوعي العام، لأنها تشكل أحد أهم أسس العدالة، وضمانة حقيقية لعدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
التعذيب النفسي عبر مشاهدة الجرائم لا يقل خطورة عن التعذيب المباشر
التعذيب النفسي عبر مشاهدة الجرائم لا يقل خطورة عن التعذيب المباشر
(*) حاليا كثيرون يرون أنه لا وجود لقضاء وطني مستقل بعد أن دنسه الإسلاميون وسيسه العسكر هل اللجوء للقضاء الدولي أمر لا مفر منه؟
أعتقد أن اللجوء إلى القضاء الدولي، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية أو غيرهما من الآليات الدولية، لا يكون خياراً أولاً، وإنما يأتي نتيجة مباشرة لانهيار أو غياب العدالة على المستوى الوطني. ففي كل الدول التي تتعرض فيها السلطة القضائية للاختلال، يصبح البحث عن العدالة خارج الحدود أمراً حتمياً.
فالسلطة القضائية تُعد من أهم مؤسسات الدولة، وهي الضامن الحقيقي لتوازنها واستقرارها. ولا يمكن الحديث عن دولة قانون ومؤسسات في ظل قضاء فاقد للاستقلال أو خاضع للاستغلال والتسييس.
لقد كان القضاء السوداني، في فترات طويلة، من أكثر الأجهزة القضائية تميزاً في المنطقة، بل نافس على المستوى الدولي من حيث النزاهة والكفاءة. إلا أن نظام الإنقاذ، خلال ثلاثين عاماً من الحكم، ألحق أضراراً جسيمة بهذه المؤسسة، إدراكاً منه لأهمية القضاء في حماية دولة القانون. لذلك عمل بصورة منهجية على إضعافه، وتسييسه، والتدخل في استقلاليته، حتى فقد كثيراً من مكانته وثقة المواطنين فيه.
ورغم أن الأنظمة الديكتاتورية السابقة لم تكن مثالية، فإنها لم تبلغ في تسييس القضاء واستهدافه المستوى الذي وصل إليه الأمر في عهد نظام الإنقاذ، الذي قام أساساً على انقلاب سياسي، وجعل من القضاء إحدى أدواته.
ولهذا وجد كثير من السودانيين أنفسهم مضطرين للجوء إلى القضاء الدولي، ليس رغبة في تجاوز القضاء الوطني، وإنما بسبب غياب قضاء محلي مستقل وموثوق. فلو حافظ القضاء السوداني على نزاهته واستقلاله، لكان الجميع أكثر حرصاً على أن تُحسم هذه القضايا داخل السودان، لأن العدالة الوطنية تبقى الأقوى والأكثر رسوخاً.
وخلال المرحلة المقبلة، يصبح من الضروري إعادة بناء المؤسسة القضائية على أسس الاستقلال والكفاءة، وإجراء مراجعة وإصلاح حقيقيين يضمنان استعادة ثقة المواطنين فيها، باعتبار أن إصلاح القضاء يمثل أحد أهم ركائز العدالة الانتقالية.
(*) هل أُهدرت فرصة إصلاح القضاء خلال الفترة الانتقالية؟
نعم.. وهذا يقودني أيضاً إلى مراجعة بعض أوجه القصور التي صاحبت المرحلة الانتقالية السابقة، فمن المهم أن نعترف بأخطائنا، لأن الاعتراف بها يمثل ظاهرة صحية وخطوة أساسية نحو التصحيح. ومن أبرز تلك الإخفاقات أننا لم نولِ قضايا انتهاكات حقوق الإنسان الاهتمام الذي تستحقه، رغم اتساع نطاقها وخطورتها.
وأذكر هنا مثالاً من تجربتنا في المجموعة السودانية لضحايا التعذيب، حيث تقدمتُ باقتراح خلال المرحلة الانتقالية يدعو إلى أن يكون إصلاح وتأهيل السجون من أولويات الإصلاح المؤسسي. وقد أوضحت في الورقة التي قدمتها أن السجون، أياً كانت طبيعة المحتجزين فيها، سواء كانوا معتقلين سياسيين أو متهمين في قضايا جنائية، يجب أن تُدار وفق المعايير الإنسانية، وأن تُبنى على احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للمحتجزين، لأن إنسانية السجون تمثل أحد أهم مؤشرات احترام الدولة لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
العلاج النفسي أصبح ضرورة لكل السودانيين بعد الحرب
العلاج النفسي أصبح ضرورة لكل السودانيين بعد الحرب
(*) كثيراً ما تنتقد عدم وجود المنظمات الحقوقية المتخصصة. أين تكمن المشكلة برأيك؟
هناك قاعدة معروفة تقول: “فاقد الشيء لا يعطيه.” ومن هذا المنطلق، فإن تغييب المنظمات الحقوقية المتخصصة، وليس مجرد غيابها، يمثل واحدة من أكبر الإشكالات التي واجهت مسار العمل الديمقراطي والحقوقي في السودان.
فالمنظمات المتخصصة، مثل المنظمات المعنية بضحايا التعذيب وغيرها من الفئات ذات القضايا المحددة، تمتلك خبرات تراكمية لا يمكن الاستغناء عنها. وعندما يتم إقصاؤها أو تهميشها داخل الأجسام الجبهوية التي يفترض أن تقود مشروع التحول الديمقراطي، فإن ذلك يضعف هذه الأجسام ويفقدها كثيراً من مصداقيتها.
وفي تقديري، فإن ما حدث في بعض الحالات لم يكن مجرد خلل عابر، بل كان تغييباً مقصوداً، حيث جرى فرض تمثيل بعض المنظمات أو الأجسام بصورة لا تستند إلى المؤسسية أو الديمقراطية، وإنما إلى اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالتمثيل الحقيقي.
وعندما يحدث ذلك داخل جسم يرفع شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فإنه يقع في تناقض واضح بين خطابه وممارسته. فمن الطبيعي أن يفقد المواطن ثقته في جسم يدعو إلى التحول الديمقراطي بينما لا يطبق المبادئ الديمقراطية داخله، ويمارس الإقصاء والتغييب في تكويناته.
والأسوأ من ذلك أن هذا السلوك ينعكس أيضاً على علاقة هذه الأجسام بالشركاء والمنظمات الدولية، التي تراقب مدى اتساق الخطاب مع الممارسة. وقد لا يحدث فقدان الثقة فوراً، لكنه يتراكم مع الوقت عندما تكتشف هذه الجهات أن ما يُعلن لا يجد ترجمته على أرض الواقع.
ولو نظرنا إلى التجارب الجبهوية السابقة، فقد نجد لبعضها مبررات مرتبطة بطبيعة المرحلة، إذ كانت قياداتها في الغالب تمثل أحزاباً سياسية بصورة مباشرة. أما في التجارب اللاحقة، التي رُفعت فيها شعارات التجديد وبناء قيادة أكثر استقلالاً وخبرة، فقد كان من المفترض أن تكون أكثر التزاماً بالمؤسسية والديمقراطية، لا أن تقع في أخطاء أكبر من أخطاء التجارب السابقة.
بل إن المقارنة بين بعض الأجسام الحالية وتجارب مثل التجمع الوطني الديمقراطي تكشف عن فارق واضح في طبيعة الأداء وإدارة التعدد والتمثيل. ولذلك فإن بناء ديمقراطية حقيقية يقتضي مراجعة نقدية وشجاعة لما يجري اليوم، وإعادة النظر في أساليب إدارة هذه الكيانات.
ومن الإشكالات أيضاً فرض أجسام أو قيادات بطريقة غير ديمقراطية، لأن ذلك ينسف القيمة الأساسية لأي جسم يدّعي العمل من أجل التحول المدني الديمقراطي. فلا يمكن المطالبة بالديمقراطية مع تجاهل أبسط قواعدها في بناء المؤسسات وإدارة الخلافات.
كما أن عدم التواصل مع القوى السياسية والمجتمعية الحقيقية، التي تمتلك حضوراً جماهيرياً وخبرة طويلة في مقاومة الديكتاتوريات، يمثل خطأً كبيراً. فبدلاً من الحوار معها لمعالجة أسباب تباعدها أو خروجها من بعض التحالفات، جرى في أحيان كثيرة عزلها أو تجاوزها، وهو ما أضعف المشروع الديمقراطي وأفقده جزءاً مهماً من قوته وخبراته.
ويبقى الابتعاد عن الجماهير هو التحدي الأكبر، لأن التحول الديمقراطي والحقوقي لا يُصنع من أجل النخب، وإنما من أجل المواطنين. وإذا أصبحت الجماهير بعيدة عن هذه المشاريع، فإن ذلك يعني أن القوى التي تقودها قد ابتعدت عن رسالتها الأساسية، لأن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بالاقتراب من الناس والاستماع إليهم وإشراكهم في صناعة المستقبل.
(*) أشرتَ إلى أن تغييب المنظمات الحقوقية المتخصصة أضعف المشروع الديمقراطي. هل ينعكس هذا الخلل أيضاً على نظرة المجتمع الدولي إلى القوى المدنية؟
نعم بالتأكيد فالمجتمع الدولي ليس بمعزل عما يجري في السودان، بل يتابع التطورات عن كثب ويراقب ما يحدث داخل البلاد وخارجها. كما يلاحظ بدقة طبيعة المشاركة في الفعاليات المختلفة، ويقف على مدى استقرار الحضور، وتمثيل الجهات المختلفة، وكذلك على ظاهرة تهميش أو عزل الفئات والمنظمات المتخصصة عن الفعاليات المرتبطة بمجالات اختصاصها.
ومن المعلوم لدى المختصين أن إتاحة المجال للخبراء والمتخصصين للتحدث في قضاياهم أكثر جدوى وتأثيرًا من الدفع بعدد كبير من غير المختصين؛ فالمعرفة المتخصصة تمنح الطرح عمقًا ومصداقية، وتُكسبه وزنًا أكبر أمام الجهات الوطنية والدولية.
لذلك، إذا كنا نرفع شعارات الديمقراطية والمؤسسية، فلا بد أن تنعكس هذه المبادئ في ممارساتنا. ومن غير المقبول أن تظل المواقع والأدوار محصورة في أشخاص بعينهم، لأن تداول المسؤوليات والمواقع يمثل ركيزة أساسية لأي عمل مؤسسي سليم. وإذا كان ذلك ضرورة داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية، فإنه يصبح أكثر إلحاحًا في الأجسام والتحالفات الجبهوية التي يفترض أن تقدم نموذجًا ديمقراطيًا يحتذى به.
وعليه، فإن المطلوب هو إرساء ممارسة حقيقية للديمقراطية والمؤسسية، تقوم على الكفاءة والتخصص، وتكافؤ الفرص، والتداول الطبيعي للمسؤوليات، بما يعزز الثقة في العمل العام ويمنحه المصداقية أمام الجماهير والمجتمع الدولي على حد سواء.
الحرب حولت المنفى من تجربة فردية إلى مأساة جماعية
الحرب حولت المنفى من تجربة فردية إلى مأساة جماعية
(*) بعد تجارب انتقالية متعثرة، ما الذي ينبغي الاتفاق عليه منذ الآن حتى لا تتكرر الأزمات نفسها؟
أعتقد أننا، كحقوقيين، يجب أن نطالب منذ الآن القوى السياسية الحقيقية، سواء كانت منخرطة في الأجسام الجبهوية أو خارجها، بالبدء في معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالتحول الديمقراطي. فهناك قوى سياسية مؤثرة وفاعلة، ولا بد من إشراكها في حوار جاد حول شكل النظام الديمقراطي القادم، وعلى رأسه قضية البرلمان وطريقة تشكيله.
لقد كشفت التجربة السابقة عن فراغ واضح في معالجة هذه المسألة، ولذلك يجب ألا نؤجلها مرة أخرى. فمن الضروري الاتفاق منذ الآن على أسس تمثيل البرلمان خلال المرحلة الانتقالية، بحيث يضمن تمثيلًا حقيقيًا لمختلف الفئات، ولا سيما الفئات المتضررة من الحرب والانتهاكات، وفق معايير واضحة ونسب محددة ومتوافق عليها.
إن الاتفاق المبكر على هذه الأسس سيجنبنا تكرار ما حدث في التجربة السابقة، حين ظلت مؤسسات الحكم الانتقالي، بما فيها مجلس السيادة ومجلس الوزراء، عرضة للتجاذبات والتفاوض المستمر حول من يمثل ومن لا يمثل، وهي حالة لم تكن تعكس ممارسة ديمقراطية حقيقية، ولا تخدم أهداف الانتقال الديمقراطي.
ولا يمكن أن نتحدث عن بناء ديمقراطية راسخة بينما تظل المؤسسة التي تمثل الإرادة الشعبية، وهي البرلمان، غائبة أو مؤجلة، أو تتحول إلى محل تفاوض مستمر طوال سنوات المرحلة الانتقالية. فهذه كانت إحدى الإشكالات الأساسية التي أضعفت التجربة السابقة، ويجب معالجتها منذ الآن.
لذلك، ينبغي أن يكون تشكيل البرلمان من أولويات أي ترتيبات انتقالية، وأن تُحدد مهامه واختصاصاته بصورة واضحة، كما يجب الاتفاق مسبقًا على الفئات التي ستمثل فيه وآليات اختيارها، بحيث يكون من أوائل المؤسسات التي تُنشأ في المرحلة الانتقالية، باعتباره الركيزة الأساسية للرقابة والتشريع وتمثيل الإرادة الشعبية، وضمانةً حقيقية لمسار التحول الديمقراطي.
(*) بعد كل ما مر به السودان من حرب وانقسامات ونزوح، من أين يبدأ الإصلاح الحقيقي؟
طول أمد الحرب أدى إلى تراجع قدرة الناس على الاحتمال، ليس بسبب ضعف الإرادة، وإنما نتيجة الضغوط المعيشية والاقتصادية المتراكمة، إضافة إلى التعقيدات الإقليمية والدولية، وكلها عوامل تركت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.
ورغم كل هذه المآسي، فإن هناك درساً كبيراً ينبغي أن نستخلصه، وهو أن السودان لا يمكن أن ينهض إلا إذا عملنا جميعاً على تصحيح مساره وبنائه على أسس سليمة. فالشعب السوداني يحب وطنه، ولم تكن الأزمة يوماً في غياب هذا الحب، وإنما في الظروف التي فرضتها الأنظمة الدكتاتورية منذ ما بعد الاستقلال، والتي عطلت المسار الديمقراطي ومنعت حتى اكتمال دورة ديمقراطية واحدة، وهي المأساة الأساسية التي قادت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة.
وأعتقد أن أهم ما ينبغي أن نخرج به من تجربة المنفى هو الإيمان بأن مستقبل السودانيين لا يمكن أن يكون خارج السودان، وأن الأمل الحقيقي والرفاه والاستقرار لن يتحقق إلا داخل الوطن. لذلك يجب أن نعمل من أجل سودان يقوم على الحرية والديمقراطية وسيادة المؤسسات.
لكن بناء هذا السودان يبدأ من داخل تنظيماتنا وأحزابنا ومؤسساتنا، عبر ترسيخ الممارسة الديمقراطية الحقيقية، واحترام الرأي الآخر، وتعزيز المؤسسية، وإشراك الأعضاء في صناعة القرار، واحترام عقولهم وإرادتهم. فهذا هو الطريق الحقيقي نحو التغيير والتحول الديمقراطي الذي ينشده السودانيون.
تغييب المنظمات الحقوقية المتخصصة أضعف المشروع الديمقراطي
تغييب المنظمات الحقوقية المتخصصة أضعف المشروع الديمقراطي



