السودان
رئيس اللجنة الاقتصادية في حزب البعث عادل خلف الله لـ”راينو”: انهيار الجنيه إعلان عن فشل سياسة التحرير الاقتصادي (1)

حوار: راينو
في ظل الظروف بالغة التعقيد التي يمر بها السودان، ومع تصاعد تداعيات الحرب التي أضحت تستنزف مقدرات البلاد وتهدد كيان الدولة الوطنية، تبرز التساؤلات حول طبيعة الأزمة الاقتصادية الضاربة بجذورها منذ التأسيس.. للوقوف على أبعاد هذا المشهد، تستضيف ” وكالة راينو الأخبارية” المهندس عادل خلف الله، المتحدث باسم حزب البعث العربي الاشتراكي ورئيس اللجنة الاقتصادية، في حوارٍ معمق يفكك “اقتصاديات الحرب” ويدرس التداخل العضوي بين الصراع على السلطة والانهيار المالي. ويناقش الحوار مآلات سعر الصرف، وفشل مؤسسات “بريتون وودز” في رسم سياسات تنموية مستقلة، وصولاً إلى استشراف رؤية وطنية لإعادة الإعمار تضمن السيادة وتؤسس لعدالة تنموية شاملة، بعيداً عن فخاخ التبعية والحلول الخارجية.

أزمة الاقتصاد السوداني ليست وليدة الحرب بل هي أزمة بنيوية ممتدة منذ عقود
أزمة الاقتصاد السوداني ليست وليدة الحرب بل هي أزمة بنيوية ممتدة منذ عقود
(*) يمر السودان اليوم بأكبر أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، كيف تصفون طبيعة هذه الأزمة؟
يشئ متن السؤال، مع أهميته، وكأن أزمة الاقتصاد السوداني أفرزتها هذه الحرب التي تؤكد كل ساعة فيها، وبنهج أطرافها، كم هي عبثية ومدمرة. والحقيقة التي يجب الإمساك بتلابيبها، لتجاوز تداعياتها، وبما أضافته عليها الحرب، أن أزمة الاقتصاد السوداني قديمة، مركبة، ومتفاقمة، وزادت هذه الحرب طينها بلة، كأكبر أزمة في تاريخ السودان الحديث، ولها جذورها البعيدة والمعاصرة.
(*) إذن هي نتاج تراكمات تاريخية وهياكل اقتصادية وسياسية أعمق؟
إن جئت إلى الحق، يمكن توصيف الأزمة الاقتصادية بأنها “أزمة حرب” وأحد تجلياتها في آنٍ واحد، إذا ما قصدنا بالحرب تلك الأداة التي أصبحت الأكثر شيوعاً في خوض الصراع حول السلطة أو المشاركة فيها، والتي تزيّنت بشعارات مثل المساواة والعدالة والمشاركة -ببعديهما السياسي والاقتصادي الاجتماعي- منذ ما عُرف بتمرد كتيبة الاستوائية في جنوب السودان قبيل الإعلان الرسمي عن استقلال البلاد. ودون تناقض مع حقيقة أن للأزمة جذورها البعيدة والمعاصرة، فإن اللافت وما يستوجب التعمق هو أن مسبباتها ما تزال تفعل فعل السحر في تفاقمها واستمرارها، ونشير منها إلى:
أولاً: الظاهرة الاستعمارية وتعدد أوجهها؛ وما لعبته من تخريب مزدوج وفق أهدافها، حيث لم تكتفِ بتحطيم قواعد تطور الاقتصاد الوطني المستقل، بل ألحقت الاقتصاد السوداني بالاقتصاد العالمي كتابع ملحق بحلقة دوران اقتصادياتها، مع فارق كبير في معدلات النمو بين العالمين. وقد خلّف هذا ما عُرف بـ “التطور الأعرج” أو غير المتوازن، المرتبط تاريخياً بما عُرف بقانون المناطق المقفولة.
ثانياً: عدم الاستقرار السياسي ومخلفات الدكتاتوريات المتعاقبة؛ والتي كانت صنواً للخراب والفساد، وبلغت ذروتها في فترة التمكين (1989-2019) تحت مزاعم “الأسلمة” والمشروع الحضاري والتحرير الاقتصادي. ولا يمكن القفز فوق العاهات التي سببتها سياسات الدكتاتورية العسكرية الأولى (1958-1964) بارتباطها بالنهج الإمبريالي الأمريكي، والتبعات الاقتصادية والاجتماعية لـ “المصالحة الوطنية” عام 1978. ومن أعمق مؤثرات تلك المصالحة حتى الآن:
– ربط الجنيه السوداني بالدولار الأمريكي والبدء في سياسة خفض سعر الصرف، كاستجابة لوصفات صندوق النقد الدولي (5 تخفيضات في عهد مايو، 22 في عهد الإنقاذ، و3 في الفترة الانتقالية بعد انتفاضة ديسمبر 2018 التي تبنت أخيراً تحرير سعر الصرف).
– ازدواجية الجهاز المصرفي (صيرفة تقليدية وأخرى إسلامية) استجابةً لشروط د. حسن الترابي للمصالحة، التي لخصها في “أسلمة الاقتصاد” وحرية الدعوة.
ثالثاً: تنامي تغلغل الرأسمالية الطفيلية؛ المرتبطة بالنهج الإنقاذي في شرايين الاقتصاد، وإحكام الجيش والمليشيات والأجهزة الأمنية قبضتها على الاقتصاد الكلي، وتفشي الفساد والإفساد والمحاباة والمحسوبية الملازم لكليهما.
(*) إلى أي مدى أسهمت الحرب في تسريع الانهيار الاقتصادي وما المؤشرات التي تعكس حجم الكارثة التي يعيشها المواطن؟
الحرب، ومخاطر استمرارها، والذي أدخلها طور حرب الاستنزاف، لم يسرع وتائر الانهيار الاقتصادي الذي لا تخطئه عين وفق كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المتعارف عليها، رغم إنكار وعدم اكتراث أطرافها فحسب، وإنما أضحت مهدداً جدياً لكينونة الدولة الوطنية ووحدتها شعباً وأرضاً وسلامة حدودها وتفريطاً غير مسبوق في سيادتها واستقلالها وهدراً لثرواتها ومواردها. ومن أبرز تجلياتها السيادية تعايش أكثر من نظام اقتصادي وسياسي في قطر واحد، وعملتين متداولتين، وعجز البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف وما ينجم عنه من تضخم وتآكل في القوة الشرائية للعملة الوطنية الذي وصل فقدان الجنيه لنحو 80% من قوته الشرائية (من 590 جنيه مقابل الدولار أبريل 2023 إلى 5300 جنيه مقابل الدولار في 20 يونيو 2026)، وارتفاع قياسي في مستوى أسعار السلع والخدمات، وتداعيات ذلك التي لخصتها تقارير الأمم المتحدة في عبارة: (ما يجري في السودان أكبر كارثة إنسانية تعيشها اليوم).
مترافق ذلك بالنسب العالية لحجم الدمار المخطط له لضرب قواعد الإنتاج الزراعي والصناعي والبنى التحتية وقطاعات الكهرباء والتعليم والصحة والنقل والمعالم الحضارية والثقافية بما فيها المتاحف والمكتبات والمعامل والصروح الأكاديمية، والتي تراوحت حجم دمارها ما بين 60% إلى 80%، وما يزال الحبل على الجرار وتحت ادعاءات الكرامة والتأسيس والديمقراطية.
الحرب الراهنة تحولت إلى “استنزاف” تستهدف كينونة الدولة الوطنية وهويتها
الحرب الراهنة تحولت إلى “استنزاف” تستهدف كينونة الدولة الوطنية وهويتها



