لفهم الحرب السودانية الجارية، فإن تتبع المعارك على الأرض أو قراءة البيانات العسكرية اليومية لا تكفي لتقديم قراءة معمقة للمشهد الحقيقي؛ فالمشهد الحقيقي يتشكل داخل شبكات التسليح، ومسارات التمويل السرية، وتحالفات ما وراء الجبهات.
أي قراءة جادة للصراع السوداني اليوم تمر بالضرورة عبر تفكيك هذه البنية الخفية.
يرتكز هذا التقرير التحليلي على مصادر موثوقة تشمل تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان، وتحقيقات Reuters وBloomberg، وتحليلات معهد RUSI، إضافة إلى بيانات استخبارات مفتوحة المصدر وصور أقمار صناعية وتقارير تتبع لوجستي بين عامي 2024 و2026. إذ أصبح فهم مسارات التسليح والتمويل في الحرب الحالية مفتاحاً أساسياً لفهم اتجاهات الصراع، موازين القوة، واحتمالات التصعيد أو الانفراج.
شبكات التمويل الموازي
تُظهر الحرب في السودان، الممتدة منذ عام 2023 وحتى عام 2026، تحوّلاً جذرياً من صراع داخلي تقليدي إلى اقتصاد حرب مفتوح متعدد الطبقات، إذ تتداخل خطوط الإمداد العسكري مع شبكات إقليمية معقدة تمتد عبر البحر الأحمر وشرق إفريقيا وشماله.
وتشير تقديرات استخبارات مفتوحة المصدر وتقارير تحقيقية دولية إلى أن قيمة الإمدادات العسكرية التي تدفقت إلى السودان منذ بداية الصراع تتراوح بين 1.5 و3.5 مليار دولار، تشمل أسلحة خفيفة، وذخائر، وأنظمة دفاع جوي، وطائرات مسيّرة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز سلطة بورتسودان العسكرية بصفتها الجهة التي تدير اقتصاد الحرب هذا بصورة غير شفافّة، مستعينة بالشبكات العميقة للحركة الإسلامية الإرهابية (وبقايا نظام المؤتمر الوطني المحلول) التي عادت لتلعب دور العقل المدبر وراء هندسة صفقات التسلح السرية والتمويل الموازي.
المحور الإيراني
تشير تقارير وثقتها وكالتا Reuters وBloomberg إلى أن إيران لعبت دوراً محورياً في تزويد الجيش السوداني بطائرات مسيّرة وأنظمة مرتبطة بها، خصوصاً خلال مراحل الحرب المختلفة.
ولم يكن هذا التقارب وليد الصدمة، بل جاء مدفوعاً بجهود مكثفة قادها قادة الحركة الإسلامية المتغلغلون في جهاز الاستخبارات العسكرية، والذين أحيوا علاقاتهم التاريخية مع الحرس الثوري الإيراني لضمان تدفق السلاح مقابل تقديم تنازلات جيوسياسية على ساحل البحر الأحمر.
وتشير التقديرات التحليلية لحجم الإمداد الإيراني ما بين عامي 2023 و2026 إلى تدفق ما بين 20 إلى 40 طائرة مسيّرة قتالية من طراز Mohajer-6 والنسخ المشتقة منها، بالتوازي مع شحن ما بين 100 إلى 300 وحدة من طائرات الاستطلاع الصغيرة المعدّلة عسكرياً، بالإضافة إلى شحنات ذخائر دقيقة التوجيه بوزن إجمالي يقدّر بنحو 50 إلى 120 طناً، وبقيمة تقديرية إجمالية تتراوح بين 200 و500 مليون دولار.
وتستند هذه الأرقام إلى تقاطع بيانات صور الأقمار الصناعية للمخازن العسكرية والمطارات في بورتسودان، ورصد رحلات الشحن الجوي التابعة لشركة Qeshm Fars Air الخاضعة للعقوبات الأمريكية، إلى جانب بيانات استخبارات مفتوحة المصدر من منصات دولية مثل Conflict Observatory وCritical Threats.
سلاسل الإمداد اللوجستية
يكشف التحليل الهيكلي لسلاسل الإمداد أن سلطة بورتسودان لا تعتمد على شريان واحد، بل تدير شبكة لوجستية معقدة عبر ثلاثة ممرات رئيسية يتحرك من خلالها السلاح والتمويل بشكل متوازٍ.
ينطلق أول هذه الشرايين عبر الممر الجوي مباشرة من إيران من خلال رحلات شحن سرية ومستمرة بمعدل يتراوح بين رحلة إلى ثلاث رحلات شهرياً في ذروة العمليات؛ حيث يبلغ إجمالي ما نقله هذا الجسر الجوي ما بين 800 و2,000 طن من المعدات العسكرية خلال 24 شهراً، بحمولات تتراوح بين 40 إلى 60 طناً للرحلة الواحدة.
ومن جهة أخرى، يأتي الممر البحري عبر ميناء بورتسودان كشريان أعلى كثافة لنقل المواد الثقيلة، حيث استغلت سلطة الأمر الواقع صفتها السيادية الاسمية لتسهيل دخول ما بين 15 إلى 25 شحنة بحرية عسكرية سنوياً تشمل الأسلحة، قطع الغيار، والوقود، وبقيمة سنوية تقديرية تتراوح بين 300 و700 مليون دولار.
أما الممر اللوجستي الثالث فيتمثل في المسار الإقليمي الذي تمر عبره الشحنات النوعية والحساسة بالعبور من دول الجوار في شرق إفريقيا، وتحديداً إريتريا كمحطة ترانزيت وتخزين مؤقت، بالاعتماد على شبكات من وسطاء تجاريين وشركات واجهة أسستها قيادات الحركة الإسلامية الإرهابية في الخارج لإخفاء المنشأ الأصلي للشحنات والالتفاف على آليات الرقابة المالية الدولية.
خط الذهب والشركات الواجهة
تعتمد إدارة العمليات العسكرية لسلطة بورتسودان بالكامل على نظام مالي موازٍ صُمم للالتفاف على الرقابة الدولية، يرتكز على ثلاثة أعمدة رئيسية تم تفكيكها عبر تقارير استقصائية موثوقة، أولها خط أنابيب الذهب، إذ يُمثل الذهب شريان الحياة الأساسي الذي يغذي خزائن السلطة، حيث أحكم الجيش والحركة الإسلامية الإرهابية السيطرة على مناطق الإنتاج في الولايات الشمالية، نهر النيل، وشرق السودان.
وتشير تقديرات خبراء السلع إلى أن حجم الذهب المهرّب أو المصدّر خارج القنوات الرسمية يتراوح بين 40 إلى 70 طناً سنوياً بقيمة سوقية تتراوح بين 2.5 و4.5 مليار دولار، حيث يُنقل عبر طائرات شحن خاصة إلى محطات ترانزيت إقليمية لإعادة صهره وتسييله لصالح مبيعات السلاح.
ثم تأتي في المرتبة الثانية شبكة الشركات الواجهة (Shell Companies) إذ تنشط هذه الشركات التي أسستها الحركة الإسلامية الإرهابية في ملاذات آمنة ومراكز تجارية إقليمية في تركيا وشرق إفريقيا (مثل كينيا وأوغندا).
وتعمل هذه الكيانات (مثل تلك التابعة لشركة “زادنا” العالمية للاستثمار و”سودامين”) تحت غطاء تجاري مدني مثل استيراد المعدات الزراعية والمقاولات، لفتح اعتمادات مستندية لشراء تكنولوجيات مزدوجة الاستخدام كأجهزة الاتصال والمستشعرات.
وأخيرا يأتي نظام الحوالة والتهريب النقدي المباشر (Cash Collateral) ولتمرير هذه الأموال، استغلت نخب النظام السابق فروع البنوك التجارية السودانية في الخارج؛ حيث يُسلم الذهب الفعلي لوسطاء في الأسواق الإقليمية مقابل دفعهم مستحقات شركات السلاح في دول المنشأ (مثل إيران أو روسيا أو شرق أوروبا) عبر حساباتهم الخاصة، ما يحجب الهوية الحقيقية للمشتري عن الخزانة الأمريكية وآليات الرقابة.
هيكل اقتصاد الحرب والتمويل ما بين 2024 و2026
في قراءة تحليلية لأرقام اقتصاد الحرب الممتد، يُقدّر إجمالي إنفاق الحرب السنوي لجميع الأطراف المتصارعة ما بين 2 و4 مليار دولار، وهو مبلغ يُستقطع مباشرة من الموارد السيادية المتآكلة والذهب المهرّب وآليات الاقتصاد الموازي.
ويشكّل هذا الإنفاق انعكاساً مباشراً لحجم العوائد الناتجة عن الذهب الخاضع لسيطرة سلطة بورتسودان، والتي تتراوح قيمتها التقديرية بين 2.5 إلى 4.5 مليار دولار سنوياً، إذ تجري عمليات تسييلها في الأسواق الإقليمية وضخ عوائدها في حسابات مصرفية خارجية مخصصة للمشتريات العسكرية.
وبالتوازي مع ذلك، تساهم منظومة شركات “زادنا” والواجهات الاستثمارية التابعة للحركة الإسلامية الإرهابية بما يعادل 500 إلى 800 مليون دولار سنوياً لتوفير الغطاء المدني والتجاري لتسهيل استيراد المعدات واللوجستيات.
وأدت هذه التدفقات المالية الموجهة بالكامل نحو التسليح إلى تحول تكتيكي كبير، إذ ارتفعت نسبة الاعتماد على الطائرات المسيّرة بأكثر من 600% بين عامي 2023 و2025، ما يعكس إحلال الآلة الجوية منخفضة الكلفة مكان الاستراتيجيات البرية التقليدية.
رهن السيادة مقابل البقاء
وفقاً لتحليلات معمقة صادرة عن الأمم المتحدة ووكالة Reuters، فإن تدفق المسيرات الإيرانية أحدث تحولاً تكتيكياً بارزاً عبر زيادة القدرة على توجيه الضربات الجوية، وتوسيع النطاق العملياتي لسلاح الجو لتغطية خطوط الإمداد الحيوية الممتدة من شرق البلاد إلى عمق العاصمة وولايات الوسط.
هذا التحول حوّل الصراع إلى حرب استنزاف جوية باهظة التكلفة البشرية على المدنيين، ما تسبب في رفع معدل الهجمات الجوية بأكثر من 80% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، وأدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية نتيجة إصرار نخب الحركة الإسلامية الإرهابية على الحسم العسكري الشامل ورفض الحلول التفاوضية.
وتشير مصادر دبلوماسية رفيعة نقلتها وكالة Bloomberg إلى أن سلطة بورتسودان تعيد تسعير موقعها الجيوسياسي ورهن سيادة البلاد لصالح قوى إقليمية مقابل البقاء في السلطة.
وتستهدف المناورات الدبلوماسية لجنرالات بورتسودان تقليل الكلفة السياسية للشراكة الإيرانية، ومحاولة فتح قنوات خلفية مع واشنطن عبر تقديم أنفسهم كحلفاء في مكافحة الإرهاب وحراس للملاحة في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر، مستغلين ورقة التسليح لتحسين شروط التفاوض وتفادي الملاحقات الجنائية الدولية.
ما لا شك فيه أن تفكيك هذه الشبكات يكشف أن السودان، تحت إدارة سلطة بورتسودان الحالية والشبكات الأيديولوجية المرتبطة بها، يتحرك عبر “ميزانية ظل أيديولوجية” تعتمد على اقتصاد الموارد وتسييل الأصول القومية.
هذا النظام المالي والعسكري الموازي أصبح يغذي نفسه ذاتياً ويشكل العائق الأكبر أمام أي مسار ديمقراطي أو مدني؛ أذ تحولت الحرب إلى مصدر ثراء ونفوذ ضخم لأمراء الحرب ونخب النظام السابق على حساب الانهيار الشامل للاقتصاد المدني ومعاناة الشعب السوداني، ما يجعل أي تغيير في مصادر السلاح محكوماً بالتوازنات المصلحية لهذه النخب وليس بقرار وطني منفرد.