في السودان اليوم لم يعد المعلم يطالب بزيادة راتب أو تحسين بدل خدمة فحسب المعلم أصبح يخوض معركة سياسية واجتماعية تكشف طبيعة السلطة التي تحكم الأرض ؛ والإعلان الذي نشرته لجنة المعلمين السودانيين عن جدول الإضراب لا يمكن اعتباره محض إعلان نقابي عابر بقدر ما هي شهادة اتهام مكتملة الأركان ضد واقع وصل فيه المعلم إلى مرحلة فقدان الثقة في الوعود الرسمية فحين تمنح اللجنة السلطات مهلة للرد ثم تعود لتعلن أن التجاهل كان هو الإجابة الوحيدة فإن القضية تتجاوز حدود المرتبات لتصبح سؤالاً أكبر عن مكانة التعليم في دولة تنفق معظم طاقتها على الحرب بينما تترك من يبنون العقول يواجهون مصيرهم وحدهم!
في الخرطوم ومناطق سيطرة الجيش تبدو المفارقة قاسية للغاية فالسلطة التي ترفع شعارات الدولة والمؤسسات لم تتمكن حتى الآن من تقديم نموذج يطمئن المعلم على مستقبله أو يضمن له حياة كريمة وبينما تتحدث المنابر الرسمية عن المعارك والانتصارات والتحركات العسكرية الوهمية يعيش آلاف المعلمين واقعاً مختلفاً تماماً حيث أصبح الراتب يفقد قيمته قبل أن يصل إلى صاحبه وأصبحت المهنة التي كانت رمزاً للهيبة الاجتماعية عبئاً اقتصادياً ثقيلاً لذلك لم يأت الإضراب من فراغ هذا الحراك جاء نتيجة تراكم طويل من الإحباط والشعور بأن التعليم لا يحتل موقعاً حقيقياً ضمن أولويات السلطة التي ثبت عدم شرعيتها وما يلفت الانتباه أن بيان اللجنة لم يستخدم لغة المساومة بقدر ما استخدم لغة من وصل إلى حافة الصبر ولم يعد يملك سوى التصعيد كوسيلة أخيرة للدفاع عن كرامته
وعلى الجانب الآخر ترسم نيالا وبعض مدن دارفور وكردفان مشهداً مختلفاً في التفاصيل والاتجاه العام فهناك لا تزال التحديات الاقتصادية والأمنية حاضرة بقوة لكن العملية التعليمية تحولت إلى جزء من مشروع الاستقرار نفسه المدارس تعمل في ظروف صعبة لكنها تعمل وتوصل الطلاب لمرحلة أداء امتحانات الشهادة السودانية وهم آمنين والمعلم ينظر إليه باعتباره أحد أعمدة إعادة بناء المجتمع وليس مجرد موظف ينتظر راتبه آخر الشهر لهذا لم تصبح أخبار الإضرابات هي العنوان الأبرز كما في الخرطوم بل أصبحت عودة الطلاب إلى الفصول واستمرار العام الدراسي جزءاً من الخطاب اليومي فالفارق هنا ليس في حجم الموارد وإنما في طبيعة الأولويات فحين تنظر أي سلطة إلى التعليم كأداة لصناعة المستقبل فإنها تتعامل مع المعلم كشريك وحين تنظر إليه كملف هامشي فإن أول ما تخسره هو ثقة من يحملون رسالة التعليم.
وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن المعركة الحقيقية لا تدور بين لجنة معلمين وحكومة بل بين نموذجين للحكم نموذج يرى أن شرعيته تنبني من خلال توفير الخدمات واستقرار حياة المواطنين ولو في ظروف الحرب ونموذج آخر يعتقد أن البندقية وحدها قادرة على إنتاج الشرعية لذلك فإن إضراب معلمي الخرطوم ليس حدثاً مهنياً معزولاً الإضراب مؤشر سياسي بالغ الدلالة يكشف أين تتجه الأولويات وأين تتراجع فالدولة التي يفقد فيها المعلم الأمل تضطر لاحقاً إلى مواجهة أجيال فقدت الأمل أيضاً بينما الدولة التي تحافظ على المدرسة وسط أصوات المدافع ترسل رسالة مختلفة تماماً مفادها أن الحرب مهما طالت لن تكون أقوى من المستقبل.