السودان

منعم سليمان يكتب: خطاب البرهان: عامان.. ولا يزال!

بقلم: منعم سليمان

حين أُعلن عصر أمس أن الفريق البرهان سيوجّه خطابًا إلى الشعب السوداني في المساء، قلت لمحدثي – وهو سياسي بارز ربما يقرأ هذه السطور الآن – إن الخطاب لن يحمل جديدًا، وسيدور حول ادعاء أن سقوط الفاشر لم يكن هزيمة عسكرية، بل “انسحاباً تكتيكياً”.

هكذا قلت لمحدثي، بل قلت له إنه لن يذكر شيئًا عن مفاوضات واشنطن، ولن يقدم رؤية للسلام، وهذا ما حدث لغاية الأسف!

انتظر السودانيون من الرجل خطابًا شجاعًا يواجه الحقائق، ويعترف فيه بهزيمة الجيش وحلفائه من المليشيات في الفاشر، وبانهيار خطوط الإمداد، ليقرّ أخيرًا بأن الحرب بلغت طريقًا مسدودًا عسكرياً.

لكن الخطاب جاء كما توقعت: مزيجٌ من الكذب الثقيل والوعظ الرخيص، واللغة التعبوية المكرورة المملة، بلا أدنى عظةٍ أو اعتراف، بل وعيدٌ وتهديدٌ يؤكد أن الرجل ماضٍ في طريق الحرب لا السلام.

وقد بنى الرجل روايته فعلاً على كذبة الانسحاب التكتيكي من الفاشر، مبرراً إخلاء المدينة بأنه جاء لحماية المدنيين!

إن وصف ما جرى بـ “الانسحاب التكتيكي” يحمل إهانة بالغة، إهانة للجيش وللعسكرية عامة قبل أن تكون إهانة للشعب.

أي انسحاب هذا الذي لم ينجُ منه أحد؟ وأين هم المنسحبون؟ وإلى أين انسحبوا يا ترى؟ وأي تكتيك ذاك الذي يُقتل فيه معظم القادة ويُؤسر الآلاف؟

إن البرهان، في محاولته التبرير، لا يحتقر عقول السودانيين فحسب، بل يحتقر دماء جنوده ويسترخص حياتهم.

ثم كيف يدّعي حرصه على المدنيين في الفاشر، وقد رفض وفده في واشنطن قبل أيام هدنة إنسانيةً لثلاثة أشهر تمكن منظمات الإغاثة من الوصول إليهم وإنقاذهم؟ أليس هؤلاء هم المدنيون أنفسهم الذين يتحدث باسمهم الآن؟!

أليسوا هم أنفسهم الذين كانت تتخذهم ميليشيات المرتزقة المتحالفة معه دروعاً بشرية لها، وظل هو يرفض طوال عامين فتح مسارات إنسانية لوصول قوافل الإغاثة من طعامٍ ودواءٍ إليهم؟!

أليسوا هم سكان الفاشر الذين كانت تصل الإغاثةُ باسمهم إلى ميناء بورتسودان، فتتحوّل زاداً لمليشياته وكتائبه الإسلامية، وما تبقّى منها يُباع في الأسواق ويذهب سحتاً إلى جيوب قططه السمان وحاشيته ولصوصه، وعلى رأسهم اللص جبريل؟!

البرهان لا تنقصه شروط القيادة التي تتطلب الشجاعة والاعتراف فحسب، بل تنقصه أشياء أساسية كي يكتمل إنساناً طبيعياً مثلنا؛ إذ لا يزال يتحدث عن “نصرٍ قريب” و “تطهير الأرض من المرتزقة” وعن السيادة و”الكرامة”، بينما الناس على الأرض يموتون ويُعذبون ويُشرَّدون!

أيُّ كروموسومٍ عفِنٍ أنتج هذا الرّوث الإنساني؟

رغم كل هذا الموت وهذه المآسي التي عاشها ويعيشها الشعب، لا يزال الرجل قاسي القلب، يخاطب السودانيين بنفس اللغة الخشبية، ويردد الأكاذيب ذاتها، مكرراً الوعد الكاذب نفسه، متحدثًا عن نصرٍ لن يأتي، هو وعدٌ يتكرر منذ أكثر من عامين، ولا شيء يحدث سوى تناقص الكرامة وتكاثر القبور!

*برهان اليوم هو برهان الأمس: لم ينس شيئًا، ولم يتعلّم شيئًا*.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار