السودان
المتحدث باسم تحالف تأسيس أحمد تقد لسان لـ”راينو”: على أي تسوية سياسية قادمة أن تعترف بوجود سلطتين على الأرض

حوار: راينو
في ظل المشهد السوداني البالغ التعقيد، والتحولات المتسارعة التي تشهدها خارطة النفوذ والسيطرة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل وحدة السودان الإدارية والاقتصادية. ومع تطاول أمد الصراع المسلح، تجد القوى العسكرية والسياسية نفسها أمام استحقاقات مصيرية تتعلق بتدبير حياة ملايين المواطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مما يدفع نحو تشكيل أجسام إدارية ومؤسسات خدمية موازية يراها البعض خطوة اضطرارية لإنقاذ المدنيين، بينما يصنفها آخرون كبادرة لتقسيم البلاد وتكريس الانفصال. في هذا الحوار الحصري، يجيب الأستاذ أحمد تُقد لسان، المتحدث الرسمي باسم تحالف “السودان التأسيسي”، على الأسئلة الساخنة المتعلقة بخطط التحالف لإنشاء مؤسسات مالية ونقدية مستقلة، وإقامة امتحانات منفصلة، وإدارة ملف الإغاثة والمساعدات الإنسانية عبر “حكومة السلام الانتقالية”. كما يتطرق بشفافية إلى موقف التحالف من صراع الشرعية بين بورتسودان ونيالا، وحقيقة التسويات السرية، ومستقبل الحل السياسي الشامل في السودان.

لجوء تحالف “تأسيس” لإيجاد مؤسسات مالية ونقدية هو استجابة أخلاقية لسياسات التجويع والحصار التي تمارسها سلطة بورتسودان
لجوء تحالف “تأسيس” لإيجاد مؤسسات مالية ونقدية هو استجابة أخلاقية لسياسات التجويع والحصار التي تمارسها سلطة بورتسودان
* تؤكدون التزامكم بوحدة السودان، لكنكم في الوقت ذاته تبحثون خطوات لتأسيس بنك مركزي وإصدار عملة. كيف تفسرون إمكانية الموازنة بين الحفاظ على الوحدة السياسية والاقتصادية للبلاد وبين إيجاد مؤسسات مالية ونقدية مستقلة تماماً عن المركز؟
إن الدوافع الحقيقية التي أدت إلى تحرك “حكومة السلام والانتقال” نحو اتخاذ خطوات مؤسسية مستقلة، تكمن في مواجهة السياسات الممنهجة التي تتبعها سلطة المركز في بورتسودان. لقد عمدت سلطة الأمر الواقع هناك إلى توظيف الخدمات الأساسية وحرمان المواطنين منها كأداة من أدوات الحـرب والتنكيل السياسي. وشهدنا كيف عُزل المواطنون عموماً في أقاليم غرب السودان ومناطق سيطرتنا عن خدمات الاتصالات، ومُنعت عنهم الإمدادات والمساعدات الإنسانية، وحُرموا من استخراج وثائق الهوية والأوراق الثبوتية، بل ووصل الأمر إلى تجميد العملية التعليمية ومنع الطلاب من الجلوس للامتحانات.
أمام هذا الحصار الذي امتد لما يقارب السنوات الثلاث، عانى المواطن السوداني في هذه المناطق من فجوة معيشية حادة وحرمان تام من الحقوق الأساسية. ولم يكن أمامنا من خيار، انطلاقاً من مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية، إلا التدخل لملء هذا الفراغ الإداري والخدمي وتوفير البدائل والمعينات الضرورية لاستمرار الحياة وتخفيف المعاناة عن كاهل المدنيين.
* وبالنسبة للمؤسسات المالية والنقدية؟
ما يُثار بشأن الخطوات المتعلقة بالملف المالي والنقدي؛ فقد جاء هذا التحرك بعد أن فرض المركز حصاراً اقتصادياً خانقاً، شمل تحريم تداول العملة الحالية في مناطقنا، وتحجيم وتجفيف قنوات السيولة النقدية، وقطع الاتصال الشبكي المصرفي لمنع وصول الرواتب والمعاملات التجارية إلى الأراضي السودانية برمتها في تلك النواحي. بناءً عليه، أصبح إيجاد نظام مالي ونقدي موازٍ مسألة بقاء اقتصادي وليس ترفاً سياسياً. ونؤكد بشكل حاسم أن هذه التدابير الاستثنائية ليست دليلاً على رغبة تحالف “السودان التأسيسي” في خلق واقع انفصالي أو تقسيم البلاد؛ بل هي تدابير مؤقتة فرضتها طبيعة الحـرب وسقوط واجبات المركز تجاه مواطنيه. إن الوحدة الاقتصادية الحقيقية لا تقوم على إخضاع المواطنين لسياسات التجويع، بل على تكافؤ الفرص. وحين تضع الحـرب أوزارها ويُتفق على صيغة حكم وطنية جديدة، فإن هذه المؤسسات الإدارية والنقدية المستحدثة يمكن دمجها أو تكييفها ضمن هيكل الدولة الموحد على أسس اتحادية أو فدرالية تضمن عدم تكرار سلاح الحصار المالي ضد أي إقليم مستقبلاً. إنها خطوة لحماية الحقوق الإنسانية، والمسؤولية تقع كاملة على من دفع الشعب نحو هذه الخيارات الحرجة.
الشهادات الصادرة من مناطقنا تستند إلى النظم الوطنية للدولة السودانية، ومعركتنا الحقيقية هي تأمين مستقبل الطلاب لا استجداء الاعتراف الدولي
الشهادات الصادرة من مناطقنا تستند إلى النظم الوطنية للدولة السودانية، ومعركتنا الحقيقية هي تأمين مستقبل الطلاب لا استجداء الاعتراف الدولي
* بعد إقامة امتحانات مستقلة للشهادة السودانية في مناطق سيطرتكم، ما هي الضمانات والآليات التي يمتلكها التحالف لتأمين اعتراف دولي وإقليمي بشهادات الطلاب، وتفادي عزلهم أكاديمياً عن بقية المنظومة التعليمية التي يسيطر عليها الجيش؟
فيما يتعلق بملف التعليم والآليات المتبعة، يجب أولاً تصحيح المفهوم السائد؛ فالشهادات التعليمية والامتحانات التي أُجريت في مناطقنا ليست بحاجة إلى اعتراف دولي استثنائي أو منشأ قانوني جديد خارج سياق الدولة السودانية. نحن لا نطرح أنفسنا ككيان أو دولة أخرى منفصلة تبحث عن اعتراف خارجي بشهاداتها؛ بل نحن نتحرك كدولة سودانية، ونمارس سلطاتنا السيادية والدستورية لحماية مواطنينا في أراضينا.
إن هذه الامتحانات والشهادات تتبع بدقة ذات النظم، والمناهج، والتسلسل الرقمي والتوثيقي المعمول به تاريخياً في جمهورية السودان، وتأتي اتساقاً مع الأطر والسياسات العامة للتعليم في الدولة. بالتالي، فإن المعايير الأكاديمية والفنية مستوفاة بالكامل، والطلاب جلسوا للمقررات السودانية الوطنية المعتمدة.
إن تركيزنا الأساسي لا ينصب على استجداء شرعية دولية للشهادة، وإنما على هندسة مسارات واقعية لتأمين مستقبل هؤلاء الطلاب، حيث نعمل على مستويين لتفادي أي عزل أكاديمي؛ أولاً من خلال المستوى الداخلي عبر تفعيل وافتتاح مؤسسات التعليم العالي والجامعات في المناطق الخاضعة لإدارتنا لاستيعاب هؤلاء الطلاب مباشرة وتوفير المقاعد الدراسية لهم في مسارات البحث العلمي والتعليم التقني والجامعي، وثانياً على المستوى الإقليمي والدولي من خلال فتح قنوات اتصال مباشرة مع المنظمات الدولية المهتمة بالحق في التعليم (مثل اليونسكو والمنظمات الأممية)، بالإضافة إلى جامعات في دول الجوار الصديقة، لشرح الطبيعة القانونية والإنسانية لهذه الامتحانات، وضمان اعتماد وتسهيل قبول هؤلاء الطلاب في برامج الدراسات العليا والجامعية بناءً على استيفائهم للمعايير الأكاديمية الوطنية، بعيداً عن الاستغلال السياسي للملف من قِبل واجهات سلطة المركز في بورتسودان.
إن الهدف الأسمى هو بناء إنسان سوداني مؤهل ومسلح بالمعرفة والعلم، ليكون قادراً على مواكبة التطور والمساهمة في إعمار ما دمرته الحـ.رب، والتعليم حق إنساني طبيعي غير قابل للتسييس أو الحظر تحت أي ركام.
حكومة السلام الانتقالية” تمتلك وكالات إنسانية تدير ملف الإغاثة ميدانياً، والمجتمع الدولي ينسق مع سلطة الأمر الواقع لإنقاذ الأرواح
حكومة السلام الانتقالية” تمتلك وكالات إنسانية تدير ملف الإغاثة ميدانياً، والمجتمع الدولي ينسق مع سلطة الأمر الواقع لإنقاذ الأرواح
* تعتمد المبادرات الإنسانية وعمليات الإغاثة دولياً على التنسيق مع المؤسسات التي يسيطر عليها الجيش.. كيف يخطط التحالف لإدارة ملف المساعدات وتوفير الخدمات الأساسية في حال واجهت هذه الأجسام الإدارية المستحدثة عقبات في الاعتراف أو التعامل الدولي؟
هذه المعلومات التي تشير إلى انحصار التعامل الدولي مع المؤسسات التابعة للجيش هي معلومات غير دقيقة وتجافي واقع العمل الإنساني الميداني. إن “حكومة السلام الانتقالية” تمتلك أجهزة، وأذرعاً، ووكالات إنسانية متكاملة ومؤهلة تأسست خصيصاً لإدارة هذا الملف الحيوي. وقد أصدرت القيادة توجيهات واضحة وقاطعة بضرورة ضبط وتنسيق عمل كافة الجهات والمبادرات المحلية الدولية المعنية بتقديم العون الإنساني لضمان عدالة التوزيع ووصول الدعم لمستحقيه الفعليين، على أن تمر كافة هذه العمليات عبر بوابة “الذراع الإنساني لحكومة السلام الانتقالية”.
لقد فرغت هذه الوكالات والأجهزة من ترتيب كافة التدابير الإدارية والفنية المطلوبة؛ سواء من حيث حصر وتوثيق الاحتياجات، أو تسجيل المنظمات، وتنسيق خطوط السير والمتابعة الميدانية اللوجستية.
إن القانون الدولي الإنساني يستند في جوهره إلى مبدأ “الوصول المباشر وغير المشروط للمدنيين في مناطق النزاع”، بغض النظر عن الاعتراف السياسي بالجهة المسيطرة. والواقع السائد اليوم على الأرض يثبت أن هذه الأجهزة والوكالات الإنسانية التابعة لنا تعمل بالفعل وبتنسيق متقدم مع سلطات الإدارة القائمة ميدانياً ومع المنظمات الدولية والأممية العاملة في الأراضي التي تديرها حكومة السلام الانتقالية.
* وهل تعي المنظمات الدولية ذلك؟
المنظمات الدولية تدرك تماماً أن إيصال الإغاثة وإنقاذ الأرواح يتطلب التعامل مع القوة الحقيقية التي تؤمن الأرض وتدير شؤون السكان. نحن نقدم لهذه المنظمات بيئة عمل آمنة، وشفافية مطلقة في مشاركة البيانات والمعلومات الكافية، وتسهيلات لوجستية تضمن توزيع المساعدات والخدمات الطبيعية والغذائية حسب الحوجة الفعلية للمواطنين، ووفق سياسات إنسانية مرسومة بمهنية؛ مما يجعل تجاوز أجسامنا الإدارية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية لكل من يريد بصدق إغاثة الشعب السوداني.
الخطوات الإدارية في مناطقنا لا تعرقل التفاوض بل تحرك المياه الراكدة وتضغط على الأطراف للإذعان لخيارات السلام
الخطوات الإدارية في مناطقنا لا تعرقل التفاوض بل تحرك المياه الراكدة وتضغط على الأطراف للإذعان لخيارات السلام
* بالنظر إلى التجارب الإقليمية المماثلة، فإن نشوء مؤسسات موازية غالباً ما يضعف فرص الحلول السياسية الشاملة؛ كيف يرى التحالف أفق التوصل إلى تسوية وطنية موحدة في ظل وجود نظامين إداريين وماليين منفصلين على أرض الواقع؟
إذا أردنا قراءة المشهد بعين الواقعية السياسية وبعيداً عن الشعارات، يجب أن نقر بأن هناك -بحكم الأمر الواقع- سلطتين قائمتين على الأراضي السودانية، وتقوم كل منهما بالوظائف والمهام الإدارية والخدمية المنوطة بأي حكومة تجاه السكان. هذا واقع مادي مشهود لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه، وبالتالي فإن أي تفكير جاد من القوى الوطنية أو الوسطاء الدوليين للبحث عن حل سياسي شامل يضمن وحدة السودان، يجب أن ينطلق من اعتراف صريح بهذا الواقع القائم لبناء تسوية قابلة للحياة على أساسه.
ونحن في تحالف “السودان التأسيسي” نعلن عن كامل استعدادنا وجاهزيتنا للتعاطي الإيجابي والمسؤول مع كافة الآليات الإقليمية الدولية المعنية بحل النزاع المسلح في السودان. إننا نسعى بكل ما أوتينا من قوة وإرادة سياسية لتحقيق سلام عادل واستقرار مستدام يؤمن وحدة السودان، ولكن على أسس جديدة تقطع مع مظالم الماضي وتضمن مستقبلاً موحداً ومستقراً للشعب السوداني.
ويجب التمييز بوضوح بين مفهوم “خلق دولة جديدة” ومفهوم “تأسيس حكومة إدارية”. إن تحالفنا لم يسعَ يوماً، وليس من أولوياته إطلاقاً، إنشاء دولة منفصلة أو تخليق سودان آخر موازي للسودان القديم بالمعنى الانفصالي؛ فالدولة وجغرافيتها وشعبها وسيادتها واحدة. كل ما جرى هو تأسيس سلطة وحكومة تسييرية لتقديم الخدمات الضرورية الملحة والتعامل مع متطلبات الحياة اليومية للمواطن التي عجز المركز أو تعمد إهمالها. وهناك فرق قانوني وسياسي شاسع بين السعي للاعتراف بدولة جديدة وبين المطالبة بالاعتراف بحكومة تدير واقعاً معيناً. ومن هذا المنطلق الفكري، فإن أبوابنا منفتحة تماماً وبلا قيود أمام أي مبادرة جادة تسعى لوقف الحـ.رب، ونتعاطى بإيجابية مع كافة الأطراف الدولية لإنهاء النزاع بما يحافظ على وحدة السودان أرضاً وشعوباً، ويصون سيادته وسلامة أراضيه من التشظي.
* يرى الوسطاء الدوليون أن اتخاذ خطوات إدارية أحادية حتى وإن كانت رد فعل على ممارسات الجيش، يضعف موقف القوى المدنية والسياسية في التمسك بالحل السلمي الشامل؛ كيف تردون على القول بأن هذه الإجراءات تمنح الأطراف العسكرية المبرر للاستمرار في التصعيد وتجاوز طاولات التفاوض؟
نحن نرفض هذه القراءة تماماً، ولا نرى مطلقاً أن التدابير الإدارية والخدمية التي اتخذناها تمنح أي طرف عسكري مبرراً للاستمرار في التصعيد أو الهروب من استحقاقات طاولات التفاوض. بل على العكس تماماً، إن هذه الخطوات تخدم مسار السلام من زاويتين استراتيجيتين؛ أولاً لأنها تؤكد للأطراف العسكرية والسياسية المتصلبة في المركز أن سياسة كسب الوقت ومحاولة إخضاع الأقاليم عبر الحصار المالي والخدمي لم تعد مجدية، وأن استمرار الحـرب سينتج واقعاً إدارياً جديداً يصعب عليهم تجاوزه مستقبلاً؛ مما يشكل عنصر ضغط حقيقي وقوي يدفع الجميع للجلوس والإذعان لرغبة السلام والبحث الجاد عن خيارات سياسية تعالج الأزمة من جذورها، بدلاً من المراهنة على الحلول العسكرية والسياسات الأمنية العقيمة.
وثانياً لأن هذه الخطوة شجاعة وضرورية لتحريك المياه الراكدة في كافة المحاور والمسارات، فهي تدق ناقوس الخطر أمام المحور الدولي والإقليمي وتلفت انتباه الوسطاء إلى أن استمرار حالة السيولة والجمود التفاوضي له كلفة إدارية وإنسانية باهظة على الأرض، كما أنها تحفز القوى السياسية والأطراف المتصارعة وتدفعها للخروج من دائرة المراوحة والبحث عن تسوية سياسية شاملة وعاجلة تنهي الحـ.رب وتضع حداً لوجود سلطات متعددة، فالإدارة الذاتية هنا هي وسيلة لحماية المواطن وتحفيز السلام، وليست غاية لتكريس الحرب.
الحل يبدأ بهدنة إنسانية تقود لتصميم عملية سياسية تؤسس لدولة سودانية جديدة
الحل يبدأ بهدنة إنسانية تقود لتصميم عملية سياسية تؤسس لدولة سودانية جديدة



