السودان

الاستنفار الشعبي: خطر يهدد المواطن وسلاح يمزق النسيج الاجتماعي

راينو: وكالات

عندما تواجه الدول أخطاراً تهدد وجودها، تضطر الحكومات أحياناً لفتح باب الاستنفار الشعبي كحل أخير لسد الفجوة التي قد تعجز الجيوش النظامية عن تغطيتها بمفردها.

ومع أن هذه الخطوة تهدف في ظاهرها إلى حماية الوطن، إلا أن تجارب التاريخ تؤكد أنها سلاح ذو حدين؛ فإما أن تكون قوة شعبية منضبطة، أو تنزلق إلى فوضى مسلحة تنهش جسد المجتمع نفسه.
فاجعة الدروشاب
يتجدد هذا الجدل الان بحدة في السودان عقب حرب 15 أبريل مع صعود ظاهرة المستنفرين وحشد المتطوعين، وما رافق ذلك من اتهامات بارتكاب انتهاكات وتجاوزات طالت المدنيين.
لعل الفاجعة التي هزت منطقة الدروشاب ببحري، إثر مقتل فتاة على يد أحد هؤلاء المستنفرين، كانت الواقعة التي فجرت غضباً واسعاً وفتحت باب الأسئلة الصعبة. إلى أي مدى يمكن السيطرة على سلاح الاستنفار؟ وأين تنتهي حدود الدفاع عن الوطن لتبدأ فوضى الانتهاكات؟
كيف يكون الحشد (الإستنفار) الشعبي لمواجهة عدو حقيقي؟
إذا كان هناك عدو حقيقي ووجودي يهدد كيان الدولة وأمنها القومي، فإن الاستنفار الشعبي يدار عبر عملية منظمة تخضع لقواعد وأسس صارمة ومحددة وأبعد ما تكون عن الفوضي.
فالاستنفار الشعبي في المفهوم العسكري هو عملية منظمة تهدف إلى حشد المجتمع عندما تواجه الدولة خطراً خارجياً واضحاً يهدد وجودها أو وحدة أراضيها وتتضمن توزيع سلاح على المواطنين وتسجيل للأسماء والأعداد وفق اللوائح والقوانين المنظمة لذلك، بل وتقوم فلسفة التعبئة الشعبية الحقيقية على عدة أسس راسخة، أولها وجود عدو واضح ومحدد يهدد الدولة والأهم ليس خصماً سياسياً داخلياً، لأن تحويل السلاح نحو الخصوم الداخليين يحول الدفاع عن الوطن إلى أداة لتصفية الحسابات.
كما يتطلب الاستنفار الناجح خضوع جميع المستنفرين لقيادة الدولة وسلسلة قيادة عسكرية نظامية وللقانون العسكري، مع ضرورة توفير تدريب انضباطي كافٍ وآليات محاسبة رادعة لأي تجاوز.
ولا بد من تحديد مهام واضحة ومؤقتة للمستنفرين، مع منع قاطع لاستخدام التعبئة الشعبية في تصفية الحسابات السياسية أو الاجتماعية أو الإثنية.
نماذج ناجحة وتجارب مريرة
إن التجارب الدولية الناجحة في التعبئة الشعبية لم تسمح أبداً بتحول هذه التعبئة إلى سلطة موازية للدولة أو إلى جماعات مسلحة تعمل فوق القانون بأي حال من الأحوال. فعند النظر إلى التجارب العالمية والعربية في مجال الاستنفار الشعبي، نجد نماذج متباينة تتراوح بين النجاح المنضبط والفشل الكارثي.
فخلال الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال قامت بريطانيا بتشكيل وحدات دفاع مدني وشعبي كانت تخضع مباشرة للدولة والقانون، ولم تُمنح أبدا صلاحيات مفتوحة ضد المواطنين.
وحتى في تجارب المقاومة الشعبية الناجحة تاريخياً، مثل المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، كان الهدف الأساسي هو مقاومة احتلال أجنبي واضح، لا فرض الهيمنة على المجتمع المحلي أو تغيير هويته.
وتقدم المقاومة الفيتنامية نموذجاً آخر للانضباط الحديدي والعقيدة التحررية الوطنية البعيدة عن ترهيب المدنيين.
وبعيدة عن التاريخ نجد أن في أوكرانيا بعد الغزو الروسي، تم تشكيل وحدات دفاع إقليمي ضمن هياكل قانونية وعسكرية واضحة، مع تسجيل رسمي وتدريب ومحاسبة صارمة، حيث لم يكن مسموحاً لأي فرد بحمل السلاح باسم الوطنية دون ضوابط.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن أوكرانيا طورت نهجاً متميزاً في مواجهة العدوان، يجمع بين الابتكار الاستراتيجي والمرونة التكتيكية، حيث شكلت مرونة المجتمع بأكمله عاملاً حاسماً في قدرتها على الصمود، إذ تطوع المواطنون العاديون إلى جانب القوات المسلحة لدعم المجهود الحربي.
كما أثبتت التجارب أن النجاح في الحشد الشعبي يعتمد على القدرة على التكيف والصلابة المعنوية أكثر من اعتماده على القوة النارية وحدها.
في مقابل ذلك وفي عالمنا العربي شهدت عدة دول تجارب مريرة عندما تحول الاستنفار الشعبي إلى مجرد غطاء للمليشيات المسلحة سواء السياسية أو الأيديولوجية، كما حدث في بعض مراحل الحرب الأهلية اللبنانية وفي العراق بعد عام 2003 حيث أدى انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى انفلات أمني واسع وانتهاكات إنسانية جسيمة.
وفي هذا السياق يقدم نموذج (الحشد الشعبي) في العراق تجربة مثيرة للجدل، حيث نجح في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي من جهة لكنه عانى من إشكاليات (الدولة داخل الدولة) ومن انتقادات تتعلق بارتكاب انتهاكات طائفية بحق المدنيين.
تجربة الحركة الإسلامية الإرهابية في السودان:
ارتبط مفهوم الاستنفار الشعبي في السودان بصورة كبيرة بتجربة الحركة الإسلامية السودانية المصنفة حديثاً حركة إرهابية، ونظام الإنقاذ البائد، عبر إنشاء ما عُرف بقوات الدفاع الشعبي.
وقد رُوّج وقتها للاستنفار باعتباره جهاداً وواجباً دينياً ووطنياً، بينما كان في حقيقته مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً هدفه خلق قوة موازية للجيش التقليدي وضمان الولاء المطلق للنظام الحاكم.
وتشير عدة تقارير ودراسات إلى أن هذه القوات توسعت عبر دمج مليشيات قبلية ومجموعات غير نظامية تحت غطاء الدولة، ما أدى إلى تفتيت احتكار الدولة للقوة المسلحة.
المشكلة الأساسية في التجربة السودانية كانت في الطريقة العشوائية وغير المهنية التي أُدير بها هذا الاستنفار. فقد قامت هذه التجربة على تعبئة قائمة على الخطاب العقائدي والأيديولوجي والانقسام السياسي الحاد، ما جعل السلاح وسيلة لحماية الحزب لا حماية الوطن.
تم تسليح الشباب بشكل واسع دون تأهيل عسكري كافٍ أو تأهيل نفسي وأخلاقي وضعف المحاسبة القانونية لأي تجاوزات تُرتكب، ما خلق ثقافة الإفلات من العقاب.
وساهم الغياب التام للانضباط في تحويل بعض هذه التشكيلات إلى عصابات مسلحة تعمل خارج القانون، وأسهم انتشار السلاح في تفكيك هيبة الدولة بدلاً من تعزيزها، وخلق واقعاً خطيراً من الفوضى الأمنية التي يعاني منها السودان حتى اليوم.
ولعل أبرز مظاهر “الخداع السياسي” في هذه التجربة هو استغلال شعارات الجهاد والدفاع عن الوطن لحماية مصالح الحزب والنظام، بينما يتم الزج بأبناء الفقراء والمهمشين في المحرقة ويتجنب أبناء النخبة الحاكمة ويلوذون بالفرار عند اشتعال الأزمات.
إن تحويل الشباب إلى وقود لحروب السياسة ثم تركهم لاحقاً بلا محاسبة أو تأهيل أو مستقبل هو وصفة أكيدة لإنتاج دورات مستمرة من العنف والانهيار.
مدنيون ضحايا
إن أي استنفار شعبي يفقد معناه الوطني والأخلاقي عندما يتحول السلاح من أداة لحماية المدنيين إلى أداة تهديد لهم، وعندما يصبح المدنيون أنفسهم هم الضحايا الأساسيون للمستنفرين. هنا تكمن الخطورة القصوى للحوادث التي تتكرر في السودان اليوم، ومنها حادثة مقتل فتاة الدروشاب المأساوية أو في حادثة مؤسسة أخري كشفت عمق انهيار البيئة التعليمية في السودان، عندما حاول طالب ثانوي يغش في امتحان الشهادة السودانية بمدرسة ود الحليو الثانوية قتل مدير المركز (معلم) بعد أن ضبطه وطرده من القاعة.
عاد الطالب إلى منزله ثم إلى المدرسة حاملاً بندقية، وتسلل عبر نقاط التأمين دون اعتراض، قبل أن يتدخل مساعد شرطة موجود بالمكان من نزع السلاح. وأعربت لجنة المعلمين في السودان حينها عن صدمتها، محذرة من أن الحادثة ليست فردية بل نتيجة مباشرة لخطاب الاستنفار والعسكرة وتمجيد العنف الذي غزا المدارس والمناهج، مطالبة بنزع السلاح من محيط التعليم ووقف استهداف المعلمين.
سلاح دون رقيب
كل هذه الحوادث أعادت للأذهان سؤالاً جوهرياً ومصيرياً الا وهو من يحاسب من يحمل السلاح باسم الوطن إذا أصبح هو نفسه مصدر الخوف والرعب للمواطن العادي؟ فالدولة الحديثة والقوية لا تُقاس بعدد المسلحين فيها أو بقوة المليشيات التابعة لها، بل بقدرتها الحقيقية على احتكار استخدام القوة وفقاً للقانون وحماية حقوق مواطنيها.
وعندما يصبح السلاح منتشراً بلا ضوابط حقيقية أو رقابة فعلية، يختلط مفهوم الدفاع المزعوم عن الوطن بالفوضى والانفلات، وتضيع الحدود الفاصلة بين الجندي المنضبط و”المليشياوي” الخارج عن القانون والمجرم العادي.
إن التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية توثق بشكل مقلق تورط قوات مسلحة غير نظامية في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في السودان، من قتل متعمد وهجمات على المدنيين ونهب للممتلكات، بل وفي بعض الحالات انتهاكات جسدية خطيرة تطال النساء والفتيات.
وتصف هذه التقارير نمطاً من العنف العشوائي الذي يستهدف المدنيين دون تمييز، وهو ما يرقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
وتؤكد منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات ووقف تدفق الأسلحة إلى الأطراف المتحاربة.
النفاق السياسي.

كثير من المراقبين والمحللين وصفوا الخطاب الاستنفاري الحالي بأنه نوع من “الخداع السياسي” الواضح، حيث يصبح السلاح مقبولاً أو مرفوضاً بحسب موقع القوة والمصلحة الضيقة وليس بحسب المبادئ الثابتة والقيم الوطنية الجامعة.

فالاستنفار الشعبي الحقيقي الناجح لا يكون بالشعارات أو التحريض العاطفي أو استغلال الدين لتمرير الأجندات، بل يكون ببناء جيش وطني محترف قوي، ومؤسسات دولة راسخة قادرة على حماية سيادتها، وعدالة قوية تطبق على الجميع دون استثناء أو محسوبية، وتوفير التعليم والعمل والكرامة للشباب بدلاً من تحويلهم إلى وقود للحروب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة من الدول هو خسارة احتكار القانون والسلاح معاً، وانتهاك حرمات المواطنين الآمنين في بيوتهم.

الاستنفار الذي لا يحمي (بنت الدروشاب أو معلم يراقب الإمتحانات ليقدم للمجتمع جيل كتعلم بنواهة وإحترافيه) هو استنفار ضد الشعب وأمنه واستقراره.

إن تحويل الأحياء السكنية الهادئة إلى ثكنات عسكرية يديرها مراهقون أو عقائديون مسلحون دون رقابة هو وصفة مؤكدة لتمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير الدولة من الداخل.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار