السودان

عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية .. هل تغير واقع الحرب في السودان؟

تقرير: راينو

خطوة مباغتة فاجأت بها الإدارة الأمريكية المجتمع الدولي والإقليمي والسودانيين، بإعلانها فرض عقوبات على مسؤولين سودانيين سابقين في نظام البشير هم (طه عثمان أحمد الحسين، وصلاح عبد الله محمد صلاح “قوش”، ومحمد عطا المولى عباس)، قالت إن لهم دوراً في تقويض السلام والأمن والاستقرار في السودان.

وتكمن المفاجأة في أن الخطوة جاءت بالتزامن مع تعثر منبر جدة، وبعد (48) ساعة من إنهاء تفويض (اليونيتامس)، ونقل مهامها. الخطوة عدها البعض قراراً أمريكياً داخلياً، بتغيير منهجية التعامل مع الملف السوداني، وذلك بانتهاج خطاً منفرداً، خصوصا بعد صدور بيان الخارجية الامريكية الأخير. فهل سيكون للعقوبات تأثير يضع حداً لسيناريو الحرب في السودان؟

وزارة الخزانة الأمريكية:

العقوبات التي تستهدف أشخاصاً سودانيين، لم تكن الأولى منذ اندلاع الصراع بين الجيش والدعم السريع في السودان، إذ ابتدرت الإدارة الامريكية عقوباتها في بدايات سبتمبر الماضي بنائب قائد قوات الدعم السريع في السودان (عبد الرحيم حمدان دقلو)، وقالت وزارة الخزانة الأمريكية حينها، إن العقوبات فرضت عليه بسبب ارتكاب قواته أعمال عنف وانتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك استهداف المدنيين والقتل العرقي، واستخدام العنف الجنسي.

ولم يمض سبتمبر إلى نهاياته، إلا وأضافت وزارة الخزانة الأمريكية اسم (علي كرتي)، الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان، لاتهامه بعرقلة مساعي التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يضع حداً للنزاع. وقالت الخارجية الأمريكية حينها، إن (كرتي) قاد “جهوداً لتقويض” الحكومة الانتقالية، التي قادها المدنيون برئاسة (عبد الله حمدوك)، كما اتهمت واشنطن (كرتي) بالوقوف في وجه محاولات التوصل الى اتفاق للتهدئة بين الجيش، وقوات الدعم السريع.

وكان آخر المنضمين لقائمة العقوبات الامريكية (طه الحسين، ومحمد عطا المولى، وصلاح قوش) الذين اعتبرتهم الإدارة الامريكية (أشخاصا يزعزعون استقرار السودان، ويقوضون الديمقراطية).

عقوبات ذكية:

عموماً الحالة السودانية ليست الوحيدة التي تتبنى الإدارات الامريكية المتعاقبة فيها سيناريو (العقوبات الذكية)، التي تستهدف الأفراد لا الدول، بيد أن الكثيرين يرون أنها ليست ذات تأثير على المشهد المباشر، في وقت يرى فيه آخرون أن لها تأثير يتوقف على المدى الزمني الذي ستظل هذه العقوبات مفروضة فيه، بهدف تغيير سلوك الأفراد، أو الأشخاص المستهدفين.

وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن بعض التحليلات ترى هذا النوع من العقوبات “رمزي” وغير مؤثر. لكن بحسب تقرير لموقع “ذا هيل” الإخباري الأمريكي، فإن هذا النوع من العقوبات مُهم، حتى إن لم يظهر حتى الآن تأثيره على السطح. ويضيف التقرير:(حتى إذا لم تستطع الولايات المتحدة تغيير السلوك السياسي للفرد على الفور، فإن منع وصوله إلى النظام المصرفي الدولي ينتج عنه نتائج مؤلمة). وتابع:(معاقبة الأفراد تخلق وصمة عار، والإضرار بصورة الفرد العامة).

مدى تأثير العقوبات:

القيادي بالحرية والتغيير والخبير البنكي (محمد عصمت)، ذهب في حديثه لـ(راينو) إلى أن من يتابعون الشأن السياسي والحرب الدائرة في السودان يستهينون بمدى تأثير العقوبات الأمريكية على الدول والمؤسسات والأفراد، وقال:(الواقع يحكي عن تأثير بالغ ومتعاظم يوماً بعد يوم، وتجربة حصار العقوبات الأمريكية على النظام البائد خير دليل).

ويرى (عصمت) أن العقوبات الأمريكية الأخيرة على رموز الإسلامويين البارزين، وقائد ثاني الدعم السريع، ومدير مكتب الرئيس المخلوع، ستؤثر حتماً على مجريات الحرب الدائرة الآن، إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية – وبما لديها من معلومات – تري أن المُعاقبين هم أطراف ذات صلة وثيقة بالطرفين. وتابع:(هناك ملاحظة مهمة، وهي أن كل المُعاقبين من جانب المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية وواجهاتها ليسوا بقيادات عسكرية عاملة الآن في الجيش السوداني، لكنها تخوض معاركه مع الدعم السريع، وهذا ما يشي بضلوعهم بشكل أو بآخر في هذه الحرب، وهو ما ينطبق أيضاً علي مدير مكتب الرئيس المخلوع.

وأشار (محمد عصمت) إلى أن عقوبة قائد ثاني الدعم السريع، وباعتباره عسكرياً، فهي مفهومة. طالما أنه يخوض المعارك علناً، وأضاف:(هنا يجب أن نقول إن عدم صدور عقوبات من الولايات المتحدة الأمريكية على قيادات الجيش الحالية أمر يجب أن تنتبه إليه القيادة العسكرية، وأن تجتهد لتفاديه تقديراً لمكانة وكبرياء المؤسسة العسكرية في السودان، وحتى لا تُوصم قيادة الجيش السوداني بأنها تعرضت لعقوبة يوماً ما. وهذا لن يتأتى إلا بالجلوس للتفاوض والحوار، بدلاً عن الخراب والدمار).

أسماء أخرى في الطريق:

من جانبه ذهب مدير مكتب رئيس الوزراء السوداني المستقيل (عبد الله ديدان) في حديثه لـ(راينو) إلى أن سلسلة العقوبات الامريكية لن تتوقف في الاسماء المعلنة، وقال:(من الواضح والمؤكد أن العقوبات ستمتد إلى أسماء أخرى في الطرفين المتقاتلين، ومعهم قيادات سياسية من الحركة الاسلامية والمؤتمر الوطني. منوهاً إلى أن الأمريكان عادة في مسالة فرض العقوبات يتحركون ببطء لأنها مقيدة. وتابع:(قرار فرض العقوبات وتسمية المستهدفين بها مقيدة بقوانين وتقارير وتأكيدات، بحيث تكون فعالة ومؤثرة، وتفرض فعلاً على الأشخاص المؤثرين تأثيراً واضحاً على الاستقرار، والانتقال المدني الديمقراطي في السودان).

ويرى (ديدان) أن للعقوبات تأثيراً كبيراً على المستهدفين، وقال:(العقوبات فرضت عليهم لتقييد دورهم السلبي في عملية استمرار الحرب، وإعاقة مجهودات إيقافها، وإعاقة الجهود المبذولة من جانب الأمريكان تحديداً، لصناعة السلام في السودان وايقاف الحرب وتحقيق الانتقال الديمقراطي). واضاف:(بالتالي فرض عقوبات على هؤلاء الأفراد هو بالتأكيد ذو تأثير على قدرتهم في قيادة دفة الحرب وتغذيتها، وإعاقتهم لعملية التفاوض بين الجيش والدعم السريع).

ولخص (عبد الله) أوجه تأثير العقوبات على الأشخاص الذين حددتهم الإدارة الأمريكية في  الحد من قدرتهم المالية، وفي نقلهم للأموال من دولة الى دولة، وشراء السلاح، والتحويلات المالية لمجموعات المجاهدين – أو ما يسمى بكتيبة البراء بن مالك – أو للجماعات التي تزج بها الحركة الاسلامية في أتون الحرب لضمان استمرارها، وتابع:(العقوبات تؤثر أيضاً في قدرتهم على التحرك السياسي لبناء تحالفات للحصول على دعم، سواءً عبر تركيا، أو داخل مصر نفسها، لأنها ستضع هذه الدول في موقف مواجهة مع الولايات المتحدة، حال استمرارها في التعامل مع هذه الاسماء، خصوصا (صلاح قوش) كمؤثر بتواجده في مصر، ولعب دوراً كبيراً في صناعة الموقف المصري تجاه الحرب..

واعتبر (ديدان) أن العقوبات ستؤثر في الاسلاميين لأنها ستكون بمثابة رادع لكثير منهم بحيث ستقلل من نشاطهم الداعم للحرب، وأضاف:(أعني شخصيات بذات مستوى من تم فرض العقوبات عليهم، لأنه سيسبب لهم خسائر وأضرار على مستوى استثماراتهم الشخصية، إذ أن لهم استثمارات بالأموال المنهوبة طيلة الثلاثين عاما الماضية، كذلك تؤثر على الموقف التركي، فالمصالح الأمريكية التركية الأوروبية، ليس لها علاقة من حيث القيمة والمستوى، بمصالح تركيا مع السودان).

رسائل متعددة:

ويرى مدير مكتب حمدوك سابقاً، أن العقوبات هي رسائل في اتجاهات متعددة، لفرض ضغوط على مصر وتركيا، باعتبارهما داعمين لمجموعات الإسلاميين المتبنين لموقف استمرار الحرب، والعاملين له على الارض. وقال:(في تقديري هذه العقوبات ستستمر، ومن المؤكد أنها ستفرض على آخرين لاحقاً، وستقيد حركة الإسلاميين بصورة كبيرة، وتشكل مهدداً لقادة الجيش، بأن ذات العقوبات يمكن أن تشملهم كلما تماهوا مع الإسلاميين، وأصبحوا يأتمرون بإمرتهم، بأنهم سيجدون أنفسهم فريسة لعقوبات أمريكية، لأنهم أضحوا معيقين لعملية إيقاف الحرب، وتحقيق الانتقال الديمقراطي في السودان).

وأوضح (ديدان) أن تأثير العقوبات لا يكون على المدى القصير بل المتوسط، لكنه على المدى القصير يمثل رادع، ومقيد لحركة الأموال وللحركة السياسية، ويشكل عقبة أكيدة، وغير مطلوبة من جانب الإسلاميين في هذا التوقيت، لأنها تقيد قدرتهم على الاتصال بمجموعات أخرى، في إطار تنسيق جهدهم لاستمرار الحرب.

ويرى (عبد الله) أنه على مستوى الدعم السريع، فإن العقوبات لن تقف عند (عبد الرحيم دقلو)، وأضاف:(الدعم السريع تكوين معقد ومركب وهناك مجموعات أخرى داعمة له سواءً كانوا قادة قبليين، أو شركات يتم عبرها غسيل امواله، أو دول يتم عبرها نقل السلاح، أو وسطاء لتوفير السلاح من السوق الأسود، وكل هؤلاء سيتخوفون من أن يكونوا ضمن الحزمة القادمة من العقوبات).

توقيت العقوبات:

التوقيت الذي اتخذته الادارة الامريكية لإعلان عقوباتها اعتبره البعض تسلسلاً طبيعياً، وتدرجاً منطقياً. بيد أن (ديدان) يرى أن الأمريكان شعروا باستفزاز من جانب الجيش والإسلاميين، في رفضهم الاستجابة للمقترحات الأمريكية في جدة بإيقاف الحرب والشروع في التفاوض لوقف إطلاق النار، وتابع:(الأمريكان لا يتهاونون مطلقاً في عدم الاستجابة لرؤيتهم بالشكل المستفز الماثل). معتبراً العقوبات المعلنة مؤشرات لخطوات أخرى أكثر اتساعاً وأشد تأثيراً، لأن عدم إيقاف الحرب في السودان يتجه تدريجياً، لمخاطر تقود لتفجير الإقليم كله، خصوصاً دول الجوار التي تتضمن تعقيدات ناجمة عن صراع سياسي، أو التكوين الإثني والعرقي، كتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، وأرتريا إلى حد ما. وأضاف:(وهنالك المصريين الذين يتبنون قراءة خاطئة للحرب في السودان، إذ انهم غير مدركين لتأثير الحرب عليهم في المدى المتوسط والبعيد، إذ سيكون لها تأثير كارثي. حالياً هم تعاملوا معها بانتهازية مطلقة، ومهدوا لها منذ فترة طويلة بدعمهم للإسلاميين والجيش ضد الاتفاق الإطاري، وضد الانتقال السياسي المدني في السودان، لأنهم يتخوفون من عدوى انتقال الديمقراطية، واستقلالية السودان، وأيضاً للسيطرة على قراره وموارده، لكن الحرب أشد خطراً، وفي ظل النظام المدني يمكن الوصول لتفاهمات مستندة على المصالح المشتركة، لكن تأثير الحرب كارثي، لأنه يعيد تشكيل التحالفات في المنطقة والإقليم، خصوصاً إذا تطاول أمدها، وكان له تأثيره على بعض دول الجوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار