السودان

صراع الجيش والمشتركة: هل اقترب سقوط جبريل إبراهيم؟

تقرير: راينو

“الجيش وبعض زعماء المشتركة والدراعة والنور قبة وموسى هلال في طريقهم لتكوين حلف جديد”.. عبارة صغيرة للسياسي البارز ياسر عرمان ألقت الضوء على مشهد الاحتقان الماثل بين الجيش السوداني وحلفاءه من قادة الجركات المسلحة، معيدا بعبارته تلك إلى الأذهان رفض هذه الحركات لتنفيذ قرارات حكومة الأمر الواقع والجيش، بمغادرة وزارات بعينها كالمالية والمعادن أو إخلاء العاصمة الخرطوم وبعض مدن لم تمسسها الحرب من المظاهر العسكرية وتشكيلات الحركات المسلحة.. ليفرض السؤال نفسه بقوة أكبر وبجرأة افصح، ما احتمالات الصدام بين الجيش والحركات المسلحة، وهل سيبقى جبريل ابراهيم تحديدا كونه الأكثر تهديدا مخلدا في مقعد وزير المالية؟

تحالفات بلا أرضية:

لم يعد من الممكن قراءة واقع الحرب في السودان بوصفه مواجهة ثنائية بين الجيش وقوات الدعم السريع، فالمشهد الذي يتضح يومياً، أن الأمر يتجاوز ذلك إلى واقع معقد لشبكة من التحالفات غير الثابتة والحافلة بالتناقضات الداخلية والصراعات المرحلة التي تنخر في معسكري الحرب كلا على حدا، كما يصفها المراقبون.

من لندن يذهب المستشار القانوني والمحلل السياسي ابو بكر عبد الله آدم في حديثه لـ”راينو” إلى أن الساحة ستشهد – ما وصفه- بالتحالفات المرتدة الكثيرة جداً، وقال:”لأن المشهد بذاته معقد نتيجة لعناصر عدة، أبرزها هشاشة العوامل الداخلية المكونة للتحالفات نفسها فضلاً عن غياب التصورات المبدئية للأطراف المتحاربة التي يمكن أن تحرك الصراع في اتجاهه الصحيح، رغم وجود شعارات مرفوعة مثل الكرامة والديمقراطية وغيرها، هذه الهشاشة الداخلية هي التي ساهمت بدور أساسي في إطالة أمد الحرب وجعلت إمكانات التوصل للسلام صعبة.”

توصيف آدم يفكك طبيعة التحالفات نفسها، ففي رؤيته أن الصراع رغم تمظهره بين طرفين رئيسيين، يخفي داخله تشظي كامن، واضاف:”على الصعيد الداخلي، وبالرغم من أن الصراع في حقيقته قائم بين طرفين أساسيين، إلا أن كل طرف منهما يحمل تناقضاته الذاتية التي تفتح الباب لإمكانية التفكك الداخلي وخلق تحالفات مضادة.” مؤكدا أن معسكر الجيش يتكون أساساً من تحالفات تضم القوات المشتركة و‘البراء’ وقوات درع السودان، مع وجود هيمنة للإسلاميين… وأن جميع هذه التحالفات هي نتاج رؤية قصيرة المدى، أي أنها أطراف لم تلتقِ على أسس مبدئية. وتابع:”بهذا المعنى، لا تعود الحرب صراعًا بين معسكرين، بل تتحول إلى صراع متعدد المستويات، داخل كل معسكر بقدر ما هو بينهما.

تحالفات مرحلية:

واعتبر المستشار القانوني أن مشاركة القوات المشتركة او الحركات المسلحة في الحرب لم يكن قائمًا على رؤية استراتيجية، بل على حسابات أفضت لقرارها بالتخلي عن الحياد عقب عامين من الحرب، وتتعلق بالصراع والتنافس على السيطرة في دارفور، والانتقام من الدعم السريع. منوها الى انه مع تغير موازين القوة، بدأت هذه التحالفات في التآكل، لتظهر على السطح التوترات سواء صراعات ميدانية بين القوات المشتركة ودرع السودان، أو مناوشات بين درع السودان وكتائب “البراء”، أو تهديدات مباشرة من “كيكل” تجاه الجيش. وقال: “كل هذه الشواهد تؤكد أن المشهد الداخلي مرشح في أي لحظة لحدوث صدامات، أو إعادة تشكيل للتحالفات، أو حتى ممارسات تدخل في باب الغدر السياسي.” مشدداً على أن بعض المؤشرات تذهب أبعد وأكثر تعقيدا من ذلك، مثل الاتهام الطبيعي للدعم السريع بهجمات المسيرات، إلا أن ثمة معطيات ترجح تورط أطراف أخرى، واضاف: “هذه الهشاشة تعطي مساحة كافية لحدوث مثل هذه السيناريوهات.”

ويشير عبد الله بوضوح إلى أن أعداد المليشيات اليوم تفوق ما كانت عليه قبل الحرب، واضاف:”بل تم رصد نشوء مليشيات سودانية في الخارج، تحديداً في إريتريا”، وهو ما يعكس تحوّلاً خطيراً من دولة مركزية إلى فضاء مفتوح تتقاسمه قوى مسلحة متعددة، لكل منها أجندتها ومصالحها.

ويرى المستشار أبو بكر أن غياب المبدئية لدى أطراف الحرب غيب المنطق الوطني الموحد، مما يفتح الباب أمام انشقاقات مستمرة وإعادة تشكيل للتحالفات بناءً على مصالح آنية، مدللاً على ذلك بخروج “كيكل” مثلاً من قوات الدعم السريع وانضمامه للجيش، وهو ما يثبت أن عمليات الانقسامات والاندماجات هي السمة الغالبة للمرحلة. واضاف: “هذا الواقع ينطبق أيضاً على “القوات المشتركة”، حيث لا يُستبعد حدوث تصادم بينها وبين القوات المسلحة أو أي من الحلفاء الحاليين نتيجة التناقضات الذاتية داخل المعسكر الواحد”.

انهيار الثقة:

في ذات الاتجاه يذهب المحلل السياسي كمال السر في حديثه لـ”راينو” إلى أن احتمالات الصدام متوقعة في أي لحظة، مؤكدا أن جذور التوتر الحالي بين الجيش والحركات تعود إلى تحولات ميدانية حاسمة، وقال:” التوتر الحالي ليس وليد الساعة، بل يعود إلى شهور طويلة من الخلافات المكتومة، خاصة بعد خروج كل ولايات دارفور خصوصا عقب حصار الفاشر وأجزاء واسعة من ولايات كردفان عن سيطرة الجيش.”

مشيرا إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد خسارة جغرافية، بل أثر مباشرة على طبيعة العلاقة بين الجيش وحلفائه، واضاف:”قيادة الجيش توصلت لقناعات بأن القوات المشتركة لم تستطع كسر حصار الفاشر رغم ما وفره لها الجيش من إسناد جوي، ما أضعف ثقة الجيش بها، وفتح الباب أمام أصوات داخل المؤسسة العسكرية، للمطالبة بإخراج هذه القوات من الخرطوم والمدن الأخرى.، خصوصا الضباط الإسلاميين في مفاصل الجيش المختلفة وبحكم سيطرتهم فإن هذا الصوت بدا مسموعا للغاية”.

مركز الانفجار:

ويرى كمال أنه إذا كانت دارفور ساحة التراجع في للجيش وحلفاءه فإن الخرطوم تبدو مرشحة لأن تكون ساحة الانفجار، وتابع:”الخرطوم تقترب من لحظة الانفجار، مع ترجيح أن تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجيش والقوات المشتركة.” مشيراً الى أن قرار إفراغ العاصمة من التشكيلات المسلحة، الذي أعلنته قيادة الجيش، لم يُقرأ كخطوة تنظيمية بقدر ما فُهم كإجراء سياسي يستهدف إعادة توزيع القوة داخل المعسكر نفسه، واضاف:”لقد عبّر قادة الحركات عن هذا القلق بوضوح، مشيرين إلى أنهم لم يكونوا جزءًا من القرار”.

وطبقا لمعلومات السر فإن الإسلاميين الذين يسيطرون على مفاصل الجيش بدأوا يحذرون من أن بعض قيادات القوات المشتركة لم تعد تخفي طموحاتها السياسية والاقتصادية، مستفيدة من التمكين العسكري الذي حصلت عليه منذ بداية الحرب. واضاف:” الإسلاميون يتهمون الجيش بأنه سمح لتلك القوات بتجنيد عناصر من حواضنها الاجتماعية، ومنحها السيطرة على موارد وإيرادات حكومية، وهو ما تجلى في فشل رئيس الوزراء حكومة بورتسودان كامل إدريس في انتزاع وزارتي المالية والمعادن من الحركات المسلحة في التشكيل الوزاري الأول والأخير”.

واكد كمال أن الإسلاميين يعلمون أن هذا التمدد لم يكن عبثيًا، بل جزء من ضعف بنيوي في قيادة الجيش. التي سمحت للأمر بالخروج عن سيطرتها، وهي اليوم عاجزة عن إعادة تنظيم العلاقة مع الحلفاء الميدانيين السابقين.

وكشف كمال عن تصاعد الضغوط داخل الجيش، خاصة من التيار الإسلامي، الذي يرى في تمدد الحركات تهديدًا مباشرًا، وقال:”الإسلاميون لن يترددوا في توظيف هذه الأزمة لتأجيج الانقسامات لمنع أي تسوية سياسية تهدد بإزاحتهم من المشهد وجعل الخرطوم وسائر السودان رهينة لصراعات داخلية دامية، لأن عدم الاستقرار يحقق لهم ذلك.”

وزارة المالية:

وزارة المالية تبدو المحطة التي يتكشف عندها كل شيء بحسب التحليلات، لأنها في هذا السياق المتوتر تبرز كأحد أهم ميدان للصراع، فالنزاع حولها لا يتعلق بإدارة الاقتصاد، بل بالتحكم في موارد الدولة، وبحسب البعض فإن جبريل إبراهيم لا يعتبر المالية مسألة رمزية بل استراتيجية، لجهة أنه يعتقد أن السيطرة على الموارد تعني النفوذ السياسي، وان النفوذ السياسي يعني القدرة على إعادة تشكيل التحالفات. وهو ما يؤكده كمال السر بقوله:”جبريل إبراهيم يرى في تقلدة وزارة المالية السيطرة ووضع يده على الموارد المالية لبناء إمبراطوريته التي يحلم بها في التمدد في مناطق خارج مناطق حواضنه. واضاف:” دخول مناطق الكنابي في ولاية الجزيرة توضح هذا الطموح الذي يصطدم باستراتيجية الإسلاميين الذي ينتمي اليهم”. مؤكدا بأن جبريل حتما سيتم إبعاده في أقرب وقت، عندما يتم ترتيب أوراق القوات المشتركة، ربما بصفقة تتم مع قوات الدعم السريع ضمن ترتيبات الخارج لوقف الحرب وإعادة المشهد إلى ما قبل اندلاع الحرب.

ابتلاع الدولة:

في المقابل يرى السياسي البارز ياسر عرمان في تشخيصه لواقع انتشار الحركات والمليشيات بأنه حينما دخلت الدولة العناية المكثفة، لجأت للمليشيات، واضاف:”وها هي المليشيات تتحرك نحو ابتلاع الدولة،لقد دخلت الدولة بالفعل عصر أيديولوجيا وفقه المليشيات.”

معتبراً أن جبريل إبراهيم اختار حاكورته في وزارة المالية بعناية، معتبراً معركة وزارة المالية هي تدشين لعصر أيديولوجيا المليشيات، واضاف: “ولكل مليشيا حاكورة من السلطة والمال.. فالحقوق لم تعد تُقاس بالمواطنة، بل على بنادق المليشيات التي تقرر قسمة السلطة والثروة.”

وكشف عرمان عن معلومات وصف بأنها من مصادر حُسنة الاطلاع عن ان جبريل ابراهيم يسعى لتحريض المشتركة للحفاظ على وزارة المالية ويحرض بقية مكونات المشتركة بان خروجه سيعني خروج الجميع تباعاً ويحاجج بان وزراة المالية هي جزء من اتفاق جوبا وثورة ديسمبر التي انقلب عليها! واضاف:” جبريل إبراهيم ان مساهماته حينما يتعلق الأمر بالمليشيات قليلة و( ممحوقة) في الحرب المسماة حرب الكرامة، فالقوات التي حاربت معلومة وهو لم يمتلك قوة كبيرة”.

واكد عرمان أن جبريل يريد ان يستدرج بقية مكونات المشتركة لحرب حول وزارة المالية، وموقفه ضعيف ومعزول، وأضاف:”لان عدد من قادة المشتركة لا يتفقون معه، وأيضاً الاستخبارات العسكرية لها صوت ووجود داخل المشتركة”.

عموما الأمر يبدو خاضع لعامل الزمن في ظل تفاعل العوامل التي تنخر في معسكر الحرب المكون من الإسلاميين والجيش وحلفاءهم في الحركات المسلحة، وتقود لصدام بينهم، لذا لم يعد السؤال هل سيغادر جبريل وزارة المالية؟ بل هل ستظل هناك دولة حال وقعت الحرب الثانية لتكون فيها وزارة للمالية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار