السودان

القيادي في مبادرة إنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية سامي الباقر لـ(راينو): غياب قاعدة بيانات للطلاب يعكس هشاشة الدولة

حوار: راينو

يبرز ملف التعليم في السودان كواحد من ابرز الأزمات المستمرة بفعل الحرب، وكأكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا، خصوصا وان النظر إليه يتم باعتباره خط الدفاع الأخير عن مستقبل السودان نفسه، الذي يجلس الملايين من أبنائه خارج مقاعد الدراسة بحسب التقديرات الأممية، فيما يقف مئات الآلاف من طلاب الشهادة السودانية على حافة المجهول.

المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية جاءت كرد فعل على الواقع التعليمي المأزوم منذ فبراير الماضي، عاكسة تحرك مدني واسع في محاولة لتحييد ملف التعليم وإبعاده عن التوظيف السياسي والعسكري بين الطرفين المتحاربين.. فما النتيجة؟

“راينو” سعى لاستنطاق الأستاذ سامي الباقر، القيادي في المبادرة والمتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، لمعرفة كواليس نشأة المبادرة، والتحديات التي تواجهها.

الأزمة لم تعد تعليمية… بل أزمة جيل كامل مهدد بالضياع

(*) كيف برزت فكرة المبادرة في واقع الحرب الماثل وتحولت من مبادرة محدودة إلى تيار واسع؟

وُلدت المبادرة من لحظة ضرورة، لا ترف. عندما تراكمت دفعات الشهادة السودانية، وتعطّل المسار التعليمي لثلاثة أعوام، أصبح واضحاً أن الأزمة لم تعد تعليمية فقط، بل أزمة جيل كامل مهدد بالضياع. بدأت الفكرة كمجهود محدود بين معلمين وأكاديميين، لكنها سرعان ما تحولت إلى تيار واسع لأن الواقع نفسه كان يدفع في هذا الاتجاه؛ فكل بيت سوداني تقريباً أصبح معنياً بالأزمة.

(*) ما الذي جعل المبادرة تتجاوز نطاق النخبة الأكاديمية لتصبح قضية يومية تمس الأسر السودانية بمختلف فئاتها؟

لأن القضية خرجت من قاعات النقاش إلى داخل البيوت. لم تعد مسألة سياسات تعليمية، بل مصير أبناء وبنات ينتظرون مستقبلاً معلقاً. عندما يصبح التعليم معطلاً، تتحول أي مبادرة لإنقاذه إلى قضية يومية تمس الأسر مباشرة، وهذا ما كسر الطابع النخبوي.

(*) ما تقديراتكم لأعداد وتوزيعات الطلاب المحرومين من أداء الشهادة السودانية منذ ثلاثة أعوام ؟

التقديرات الأقرب تشير إلى مئتين وثمانين ألف طالب/ة تقريباً من طلاب الشهادة السودانية المتراكمين عبر ثلاث دفعات، مع توزع كبير: داخل مناطق الحرب حيث الانقطاع الكامل، وفي ولايات أكثر استقراراً لكن ببنية منهكة، وغياب قاعدة بيانات دقيقة هو جزء من الأزمة نفسها.

280 ألف طالب خارج الامتحانات… وغياب البيانات جزء من الكارثة

(*) بحسب الونيسيف هنا ما يقارب الـ 19 مليون طفل بلا دراسة، في هذا السياق أين تضعون “المبادرة الوطنية لإنقاذ التعليم”؟

في ظل وجود أكثر من 19 مليون طفل سوداني خارج مقاعد الدراسة، نحن لا ندّعي أننا الحل، لكننا نضع أنفسنا كأحد أهم محركات الفعل الوطني في هذا الملف. المبادرة تحاول تحويل التعليم من ملف ثانوي إلى أولوية سياسية وإنسانية عاجلة.

(*) بدأتم كمحاولة لتأجيل امتحانات الشهادة حتى يستطيع كل الطلاب السودانيين أداء الامتحان، ثم أصبحتم مبادرة لانقاذ التعليم.. هل هذا يعني أن المبادر أصبحت بديلاً مؤقتاً أم نواة لسياسة تعليمية جديدة؟

هي الاثنين معاً. في لحظتها الراهنة تمثل استجابة طارئة، لكنها في جوهرها تحمل ملامح مشروع تعليم جديد أكثر عدلاً ومرونة، يتجاوز اختلالات النظام القديم.

(*) ما خطتكم لتحويل الجهد الطوعي الحالي إلى قوة ضغط تضع ملف التعليم على طاولة تسوية سياسية قادمة؟

عبر توسيع القاعدة المجتمعية، وبناء تحالفات مع النقابات ومنظمات المجتمع المدني، وتدويل القضية باعتبارها حقاً أساسياً، وربط أي تسوية سياسية قادمة بملف التعليم كشرط لا كملحق.

لا ندّعي أننا الحل… لكننا من أهم محركات الفعل الوطني

(*) كيف كانت استجابة الأطراف لدى محاولتكم اجلاس كل الطلاب لامتحان الشهادة؟

كانت الاستجابة محدودة ودون مستوى التحدي. في الوقت الذي كنا نطرح فيه قضية تمس مستقبل ملايين الطلاب، لم نجد تعاطياً جدياً يرتقي لحجم الكارثة، بل لمسنا تجاهلاً متعمداً من حكومة بورتسودان، حيث لم يُتعامل مع المبادرة كأولوية وطنية.

(*) أيضا في سياق سعيكم لتحييد ملف التعليم برمته عن توظيفه في الصراع السياسي والعسكري.. كيف تقيمون مستوى الاستجابة من أطراف النزاع أو المنظمات الدولية؟

كانت الاستجابة متباينة بشكل واضح. فقد أبدت حكومة السلام في نيالا قدراً من التفاعل مع القضية، بينما لمسنا تجاهلاً متعمداً من حكومة الأمل في بورتسودان والخرطوم، حيث لم يُعامل ملف التعليم باعتباره أولوية وطنية عاجلة.

أما على مستوى المنظمات الدولية، فقد اتسمت استجابة بعض الجهات بدرجة عالية من التفهم لأبعاد القضية وأهميتها، لكن هذا التفهم لم يترجم بعد إلى تدخلات بحجم الكارثة التي يعيشها قطاع التعليم في السودان.

(*) ألا ترى أن هذا الملف رغم خطورته على مستقبل البلاد إلا أنه يشهد تهميشاً؟

لأن أولويات الحرب طغت على ما عداها، ولأن التعليم لا يُنظر إليه كقضية عاجلة رغم كونه أساس الاستقرار. إضافة إلى غياب الضغط النقابي المنظم، وضعف الحضور الدولي الفاعل في هذا الملف مقارنة بملفات أخرى.

التعليم يجب أن يصبح شرطًا في أي تسوية سياسية… لا ملحقًا بها

(*) كثيرون يعتبرون أن المبادرة تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ضمن النظام التعليمي الموجود حالياً، فلماذا لا تؤسس المبادرة عملياً لمشروع تعليم جديد يستق مع ملامح ما بعد الحرب؟

لا نسعى فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل نطمح إلى تأسيس تعليم سوداني جديد يكون: عادل، مرن، مقاوم للأزمات، وقائم على الكفايات لا الحفظ.

(*) كيف تعاملتم مع أولويات الأسر السودانية بين لقمة العيش أم التعليم؟

تعاملنا معه بواقعية. ندرك أن البقاء الاقتصادي أولوية، لذلك طرحنا حلولاً مرنة تقلل الكلفة وتسمح باستمرار التعلم دون أن تشكل عبئاً إضافياً على الأسر.

(*) كيف يمكن تطبيق ما يعرف بـ”التعليم البديل” والمنصات الرقمية في بلد يعني انقطاع الكهرباء والإنترنت؟

لا يمكن الاعتماد عليه وحده في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت. نراه جزءاً من حل متعدد الوسائط، وليس بديلاً كاملاً.

تجاهل متعمد من بورتسودان ونيالا تفاعلت… الاستجابة دون مستوى الكارثة

(*) ثمة حلول بديلة كالحقيبة التعليمية الورقية أو التعليم عبر الراديو لتجاوز العائق التقني لماذا لم تفكروا فيها بالتنسيق مع لجنة المعلمين؟

هذا طرح مهم، ونرى ضرورة التوسع فيه. التعليم في ظروف الحرب يتطلب أدوات مرنة، تشمل الحقيبة التعليمية، والراديو، ومراكز التعلم المجتمعي، بالتنسيق مع المعلمين.

(*) هل لديكم خطة لحل أزمة الوثائق الدراسية المفقودة للطلاب؟

نقترح آليات بديلة تشمل امتحانات تحديد مستوى، واعتماد نسخ مؤقتة، وإنشاء سجل وطني طارئ للطلاب المتضررين.

(*) أليس من الممكن إنشاء بنك معلومات أكاديمي بديل ومعترف به؟

هو ضرورة ملحة. غيابه يعكس هشاشة البنية المؤسسية، ونحن ندفع باتجاه إنشاء قاعدة بيانات وطنية بديلة وموثوقة.

لا نسعى للإنقاذ فقط بل لتأسيس تعليم سوداني جديد

(*) ما المعالجات التي يمكن ان تفيد استيعاب طلاب مناطق الحرب داخل مدارس الولايات المستقرة؟

ذلك يتطلب دعماً إضافياً للمدارس المستضيفة، وسياسات دمج تحمي من التمييز، وبرامج دعم نفسي واجتماعي، حتى لا تتحول الأزمة إلى شكل آخر داخل المدارس.

(*) في ظل تراكم الدفعات، ما الذي ترونه على مستوى المناهج؟

نعم، نرى ضرورة اعتماد منهج مكثف يركز على الكفايات الأساسية، لأن الظرف الاستثنائي لا يحتمل الاستمرار بنفس المناهج التقليدية.

(*) ثمة من يرى أهمية توظيف الكم الهائل من الطلاب في التعليم الفني والحرفي؟

التعليم الفني والحرفي نراه محورياً في إعادة بناء السودان بعد الحرب، ويجب إعادة الاعتبار له كخيار استراتيجي لا مسار هامشي.

التعليم في الحرب يحتاج إلى حلول مرنة… من الراديو إلى الحقيبة التعليمية

(*) كيف يمكن تحسين وضع المعلمين المتطوعين باعتبارهم حجر الزاوية في عمل المبادرة؟

لا يمكن إنقاذ التعليم دون إنقاذ المعلم. نطرح حوافز مباشرة، وصندوق طوارئ، وشراكات تضمن حداً أدنى من الدخل للمعلمين المتطوعين.

(*) هل هناك جهات يمكن أن تموّل صندوق طوارئ التعليم الذي تنادون به؟

من خلال مزيج من التمويل الدولي، ودعم الجاليات السودانية، ومساهمات القطاع الخاص، بشرط الشفافية والاستقلالية.

(*) متى استشعرتم نجاح المبادرة في تحقيق اختراق في واقع التجهيل القسري والمتعمد؟

عندما تحولت القضية إلى شأن عام، وأصبح التعليم جزءاً من النقاش المجتمعي اليومي، وعندما التف المعلمون والأسر حول المبادرة، رغم كل الظروف—تلك كانت لحظات أكدّت أن هذا المسار يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار