السودان
تداعيات الحرب الإيرانية تضعه في مأزق أعمق: لصالح مَن يحكم البرهان حقاً؟

راينو: وكالات
يكتشف زعيم السودان الذي نصّب نفسه، عبد الفتاح البرهان، أن علاقته “الاعتمادية المتبادلة” مع نخب الإسلاميين و”الإخوان المسلمين” في البلاد بدأت تشكل عائقاً أمام علاقاته مع دول الخليج وقدرته على إعادة تزويد ترسانته العسكرية.
وكما أفادت تقارير (Africa Intelligence) مؤخراً، فإنه يكافح لإتمام صفقات لمشاريع مساعدات عسكرية مختلفة بدأها مع شركائه الخليجيين. وفي تحليل ثاقب، تشير التقارير إلى عدة مصادر دبلوماسية تؤكد تعطل مسودة عقد توريد عسكري للقوات المسلحة السودانية مع باكستان، بتسهيل من المملكة العربية السعودية.
هذا الاتفاق الذي تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار، وكان يهدف لتزويد الجيش النظامي السوداني بأسلحة تشمل مقاتلات (JF-17) وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي، كان قيد التحضير لعدة أشهر. علاوة على ذلك، أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بلا شك إلى إعادة ترتيب أولويات توزيع تدفق الأسلحة في المنطقة، حيث تسعى إيران ودول الخليج إلى تعويض مخزوناتها التي استُنزفت بسبب الصراع، مما ترك القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان تتسابق للحصول على إمدادات.
إن معركة البرهان للحصول على دعم خارجي هي في جوهرها أزمة “إدارة إسلاميين” أكثر من كونها أزمة شراء أسلحة أو تكتيكات دبلوماسية. فعدم قدرته على تهميش الشبكات الإسلامية في السودان بشكل حاسم يؤدي باطراد إلى تقويض مصداقيته لدى الجهات التي يحتاجها بشكٍل ماس، حتى مع بقاء تلك الشبكات مركزية في تحالفه زمن الحرب وفي سلطته الشخصية.
من وجهة نظر العواصم الخليجية والغربية، فإن حزمة أسلحة باكستان ليست صفقة معزولة، بل هي اختبار لمدى الثقة في البرهان لترسيخ نظام أمني “ما بعد الإسلاموي”. إن الإجماع الإقليمي الناشئ، الذي انعكس في بيانات “اللجنة الرباعية” خلال العام الماضي، يرى أن أي تسوية مستدامة في السودان يجب أن تستبعد التيارات الإسلامية المتطرفة من الجيش والسياسة المدنية على حد سواء. ومع ذلك، اضطرت القوات المسلحة السودانية إلى الاعتماد بشكل كبير على كوادر من حزب المؤتمر الوطني القديم والميليشيات التابعة له، الذين يوفرون الإطار الأيديولوجي والقدرة القتالية.
إن اعتماد البرهان على هذه الجهات ليس أمراً عارضاً؛ بل كان هو “نظام التشغيل” لحكمه منذ عام 2021. ولهذا السبب، أصبحت الرسائل الخارجية أكثر نفاد صبر بشكل علني. فعندما يتحدث المسؤولون الأمريكيون والسعوديون والإماراتيون والمصريون عن “الحد من نفوذ الإسلاميين” و”تقليص أنشطة إيران الإقليمية”، فإنهم في الواقع يتحدثون عن إعادة تشكيل التحالف الذي يبقي البرهان في السلطة. كما أن جولات العقوبات الأخيرة التي استهدفت شخصيات إسلامية متحالفة مع الجيش، وإصرار الغرب على أن أي وقف لإطلاق النار أو مخطط انتقالي يجب أن يعزل المؤسسات الأمنية عن التيارات المرتبطة بالإخوان، هي إشارات على أن “المساومة القديمة” – المتمثلة في التسامح مع الإسلاميين كثمن للتعامل مع الجيش – لم تعد مقبولة. وبالنسبة للرياض تحديداً، فإن الذكريات الحديثة لعهد الإخوان المسلمين، والمخاوف بشأن التغلغل الإيراني عبر المجال الجوي والموانئ السودانية، والخطوط الحمراء المحلية بشأن عودة الإسلاميين، كلها عوامل تغذي تراجع التسامح مع الغموض الذي تبديه الخرطوم.
وقد استجاب البرهان لهذه الضغوط بسلسلة من الإيماءات المدروسة، والمتناقضة أحياناً. فمن ناحية، قدم عمليات اعتقال انتقائية لقادة ميليشيات متشددة، والتأديب العلني العرضي لبعض رموز الإسلاميين المتطرفين، كدليل على قدرته على ضبط جبهته الداخلية. هذه التحركات مصممة بعناية ليقرأها الدبلوماسيون الأجانب كعلامة “حسن نية”، مع تقليل الضرر الذي يلحق بالشبكات التي تدعم جهوده الحربية. ومن ناحية أخرى، فإن خطابه – المتمثل في الإصرار على “النصر فقط”، ورفض النظر بجدية في تقاسم السلطة أو إصلاح القطاع الأمني الذي من شأنه إضعاف الوجود الإسلامي – يطمئن قاعدته بأن المشروع الأساسي لا يزال سليماً.
والنتيجة هي “سياسة استعراضية”: ما يكفي من الإشارات الإسلامية لإبقاء الحركة مستنفرة، وما يكفي من عمليات “التقليم التجميلية” لإبقاء الشيكات القادمة من الرياض وأبو ظبي “قيد الإرسال” على الأقل.لكن عملية التوازن هذه بدأت تترنح. ومع استمرار الحرب، زاد نفوذ الإسلاميين بدلاً من أن يتقلص؛ فهم يوفرون مقاتلين متحمسين وتماسكاً أيديولوجياً في وقت يعاني فيه الجيش من الإنهاك والتفتت. كما يقدمون سرديات جاهزة تربط الصراع بصراعات أوسع ضد التدخل الغربي والصهيونية والمنافسين الإقليميين، وهي سرديات تلاقي صدى لدى فئات تتجاوز حدود السودان بكثير. وفي سيناريو تعتمد فيه سلطة البرهان الشخصية على كونه “الوجه المقبول” لهذا النظام البيئي أكثر من كونه قائداً لجيش وطني منضبط، فإن أي عملية تطهير حقيقية ستكون بمثابة انتحار سياسي.
في غضون ذلك، تعيد الأطراف الخارجية حساباتها. وبالنسبة للدول الخليجية ومصر، لا يكمن الخوف فقط في احتمال إعادة تغلغل الإسلاميين في مؤسسات الدولة، بل في أن يتحول نظام عسكري يائس ومتأثر بالإسلاميين إلى جسر لوجستي وسياسي لإيران، بغض النظر عن الكيفية التي ستعيد بها تلك الدولة المحاصرة بناء نفسها بعد هذه الحرب. وبحسب قراءتهم، فإن الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي التي تُسلم اليوم قد تُستخدم غداً لأغراض تتعارض مع مصالحهم الأمنية إذا مال التوازن الأيديولوجي داخل الجيش السوداني أكثر نحو التيارات المتشددة. هذا المنطق يفسر لماذا أصبحت الصفقات التي بدت متقدمة تقنياً قبل بضعة أشهر مغلفة بالتردد، ولماذا تمزج البيانات الدبلوماسية الصادرة من تلك العواصم بين الدعوة لدعم “مؤسسات الدولة” وبين شروط صريحة بشكل غير عادي حول من يمكنه ومن لا يمكنه أن يكون جزءاً من تلك المؤسسات.
من منظور هذا السياق، فإن أزمة شرعية البرهان لا تتعلق بأدائه العسكري بقدر ما تتعلق بالثقة. فهل يمكنه أن يعد بجدية بتقديم جيش ونظام سياسي لم يعودا رهينة لـ “حق النقض” (الفيتو) الذي يملكه الإسلاميون، في حين أصبح بقاؤه مرتبطاً بمصيرهم؟ حتى الآن، تشير الأدلة إلى العكس. فكل لفتة جديدة ضد إسلامي بارز يقابلها استمرار في الاعتماد على التعبئة والخطاب الإسلامي. وكل جولة من الضغوط الخارجية تعمق اعتماده الهيكلي على هؤلاء الفاعلين المستعدين لخوض حرب وجودية إلى جانبه، والذين ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى الوسط الإسلامي.
هذا هو التناقض في قلب موقفه: القوى ذاتها التي تمكن البرهان من الاستمرار في الحرب هي نفسها التي تجعله غير مقبول كشريك طويل الأمد لتحالف الدول التي يمكنها بالفعل استقرار السودان. وإلى أن يحل هذا التناقض – سواء باختيار إعادة تكوين تحالفه بشكل جذري أو بتبني مشروع إسلامي صريح – ستظل علاقاته مع الداعمين الخليجيين والغربيين عالقة في نمط من التعاون التكتيكي وعدم الثقة الاستراتيجية، وسوف يظل كل مشروع لصفقة أسلحة أو مبادرة دبلوماسية مسكوناً بنفس السؤال: في نهاية المطاف، لصالح من يحكم البرهان حقاً؟
مودرن دبلوماسي



