خطاب سفيرة حكومة بورتسودان في برلين، الذي أُودع درج وزارة الخارجية الألمانية، كان – في عمقه – رسالة أخرى غير مكتوبة، تقول، عن قصد أو بدونه: أن هناك سلطة ما تزال تتحدث… بينما لا أحد في العالم من حولها يُصغي. في عالم السياسة، لا يكفي أن ترفع صوتك، إن لم يكن في جعبتك ما يستحق الاستماع إليه. ولا يكفي أن تعترض، إن لم تكن أصلاً جزءًا من المعادلة.
هكذا بدا المشهد: خطابٌ يحتج على قيام مؤتمر، ومؤتمرٌ لم يرَ ضرورة حتى في دعوتك. فمنذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين اختلّ ميزان السياسة في السودان وتم الانقلاب علي الحكومة الثورة الشرعية وتم تبعا لذلك تعليق عضوية البلاد في الاتحاد الأفريقي، لم تعد الشرعية شجرة وارفة يستظل بها حكومة الأمر الواقع، بل غصنًا يتآكل شيئًا فشيئًا، حتى صار السؤال ليس: من يحكم؟ بل: من يُعترف به أصلاً؟ في هذا الفراغ، تمشي الدولة على أطراف أصابعها، تخشى أن توقظ حقيقة لم تعد خافية: أن العالم لا يتعامل مع الأسماء، بل مع الوقائع.
فحين التأم شمل الفاعلين الدوليين – من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، وجامعة الدول العربية، وعدد من الدول الأفريقية والأوروبية – في جوبا عام 2019، ليشهدوا ميلاد شرعية حكومة الثورة، ها هم أنفسهم يجتمعون مرة أخرى في برلين، ليس للبحث عمّن يحمل اللقب، بل عمّن يستطيع أن يفتح طريقًا للخبز والدواء والماء.
فالجوع لا ينتظر اكتمال الشرعيات، والألم لا يعترف بالبروتوكولات. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: فحين تجتمع “الأفيال”، لا تلتفت لبغاث الأرض تحت أقدامها، وكلما أغلقت السلطة بابًا، فتح العالم نافذة، وكلما تشبثت بموقعها، التفّ الواقع من حولها. ليس لأن الآخرين أكثر قوة، بل لأنهم أكثر اتصالًا بما يجري على الأرض.
ومع تزايد الحذر الدولي من كل ما يلامس تيارات الإسلام السياسي—خاصة في ظل سياسات الولايات المتحدة الأخيرة—لم يعد مقبولًا أن تُخاطب العواصم الكبرى بلغة الأمس. فالعالم تغيّر، ومن لا يقرأ تحوّلاته، يجد نفسه خارج النص.
لم تسأل السلطة نفسها: لماذا لم تتم دعوتها؟ بل سألت: كيف يُعقد المؤتمر بدونها؟ رغم أنها تدرك أن الفرص لم تكن غائبة. فما بين المنامة وجنيف، سالت دماء عشرات الآلاف من السودانيين، وما بين جنيف وواشنطن، تكرر المشهد ذاته ومات الالاف آخرين: دعوات تُقدَّم، وموتٌ يستمر، واستجابةٌ تظل دائمًا أقل من لحظة التاريخ. فلم تكن الأزمة في ندرة المبادرات، بل في ندرة الإرادة.
وعندما تحشد حكومة الأمر الواقع بعض العاطلين في أوروبا – ممن فرّوا من جحيم الحرب – ببضع يوروهات لا تسد الرمق، ليهتفوا بشعارات مستهلكة من نوع “قحاتة باعوا الدم”، فإن هذا الخطاب لا يلامس العقل، ويتبدد كدخان، لأنه ببساطة لا يجيب عن الأسئلة الكامنة خلفه: من الذي اشترى؟ ومن الذي قتل؟ وأين تم القتل؟ ومن الذي دفع الثمن دمًا وخرابًا؟ تبلغ المفارقة ذروتها حين يُستدعى من نجوا من أتون الحرب إلى منابر الهتاف، ليصطفوا – ولو صوتًا – مع نارٍ هربوا منها جسدًا.
لذلك، لم يكن خطاب السفيرة في برلين حادثة معزولة، بل كان لحظة انكشاف. انكشاف سلطة تتحدث بلغة الحضور، بينما هي تتراجع، خطوةً بعد أخرى، خارج الدائرة. تطلب الاعتراف، دون أن تسأل: ماذا قدمت لتستحق هذا الاعتراف؟ وتخشى البدائل، بينما تصنعها بيدها. هكذا، لم يكن صوتها الذي خرج من برلين صوت دولة تثبّت موقعها، بل صدى عزلةٍ وجدت أخيرًا من ينطق بها.