السودان

مؤتمر برلين 3: هل يحقق السلام في الذكرى الثالثة لحرب السودان؟

تقرير: راينو

بخطوات هادئة غير مسموعة يتحرك مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس مع اقتراب الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، مرتباً بشكل أو بآخر سيناريو حسم الحرب في السودان.. في الخامس عشر من ابريل الجاري تتجه أنظار السودانيين مشفوعة بقلق نحو العاصمة الألمانية برلين في مؤتمرها للمرة الثالثة بحثا عن سلام يتيح عودة النازحين مدنهم واللاجئين الى بلادهم.. التوقيت لا يخلو من مفارقة كونه يتزامن مع الذكرى الثالثة للحرب في السودان .. فهل يفلح بولس من فنادق برلين في تحقيق السلام في السودان؟

ماذا قال مسعد بولس؟

بلا مقدمات ربما من فرط إنشغال الماس بمشروع الحرب العالمية الثالثة التي تدور رحاها بين إسرائل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، فاجأ المشتشار الأمريكي الجميع بلقائها السفير الألماني لدى واشنطون ينس هانفليد لبحث الترتيبات المتعلقة بانعقاد المؤتمر الدولي الثالث حول السودان. وقال بولس، في منشور عبر منصته، أن اللقاء تناول أدوار الأطراف المشاركة في استضافة المؤتمر، إضافة إلى نقاشات معمقة حول أولويات المرحلة الراهنة، وعلى رأسها ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتعزيز العملية السياسية بما يقود إلى حل مستدام للأزمة السودانية.

وأكد بولس أن الحفاظ على الزخم الدولي الحالي فيما يخص ملف السودان أمر بالغ الأهمية، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق بين الشركاء الدوليين لضمان نجاح المؤتمر، ومواصلة الجهود المشتركة الرامية إلى معالجة الأزمة وتخفيف معاناة الشعب السوداني.

رؤى وتحليلات:

وتذهب التحليلات إلى أن تحركات الرجل الأخيرة تأتي إتساقا مع رغبة مغلظة لرئيسه في حسم كل الجبهات المعلقة لصالح التركيز على جبهة إيران بإعتبارها أس الشرور في المنطقة، وأن الخرطوم لا تمثل سوى تابع يبحث عن مصالحه عبر إيران بفعل التقارب الايدولوجي بينها وبين الإسلاميين المسيطرين على الجيش.. بالتالي فإن الأولوية لإيران، من خلال المواجهة المباشرة حاليا ، ومع حلفاء إيران في المنطقة ومن ضمنهم الاسلاميين والجيش المسيطرين عليه.

ويرى مراقبون أن التوةجه الدولي الجديد يسعى لإعادة إحياء الزخم حول الملف السوداني عبر الرافعة الإنسانية، بعد تراجع حضوره بفعل التطورات في الشرق الأوسط.. وان الجميع في سياق تلبية الرغبة الأمريكية غادروا مربع الادانات الى مربع البحث عن أدوات عملية ضمن اولوياتها توصيل المساعدات الإنسانية دون عوائق، في ظل تحذيرات متزايدة من تفاقم خطر المجاعة، واتساع مساحات الانهيار الإنساني.

فيما تذهب تحليلات اخرى الى ان التحرك الامريكي رغم اهميته إلا أنه يشكف عن أزمة في المحيطين الدولي والاقليمي تجاه الملف السوداني خصوصا في ظل إدراك الجميع بأن تداعيات الجحرب السودانية لم تعد شأنا داخليا بل تمتد الى الجوار الاقليمي وتؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر الذي تزايدت أهميته بعد تطورات الملف الايراني.. ويذهب أنصار هذا التحليل الى أن الجميع محكوم بالتوازنات السياسية، وتضارب المصالح، وغياب الإرادة الموحدة، ما يجعل أي جهد، مهما بدا منسقًا عرض للتآكل والفشل قبل أن يتحول إلى نتائج ملموسة على الأرض خصوصا في ظل ضيق مساحة حركة القوى السياسية المدنية بحكم التربص الأمني من قبل الجيش لصالح مساحات حركة اوسع لفلول النظام البائد الساعين بكل إمكانياتهم لافشال اي مشروع لمبادرة او حل في السودان..

فرصة وتحديات:

وبحسب متابعات”راينو” فإنه على لارغم من مراهنة منظمي مؤتمر “برلين الثالث” على إمكانية حدوث نوع من التوافق الدولي والاقليمي بشأن وقف الحرب في السودان، إلا أن المعضلة الحقيقية بحسب تجارب المبادرات السابقة غياب وجود آلية إلزام مؤثرة على أطراف الحرب للانخراط بشكل جاد في أي مسار سياسي. فالمؤتمرات السابقة، بما حملته من تعهدات مالية وإنسانية، لم تفلح في إحداث اختراق سياسي يُذكر، وظلت نتائجها تدور في فلك إدارة الأزمة لا حلّها.

ويذهب المحلل السياسي والقيادي بتحالف تاسيس عثمان عبد الرحمن سليمان في حديثه لـ”راينو” إلى أن مؤتمر برلين لا يقتصر على كونه منصة للنقاش السياسي، بل يمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، عبر دعم عملية السلام، وإطلاق مسارات إعادة الإعمار، وتنسيق الجهود الإنسانية لمواجهة الكارثة التي يعيشها ملايين السودانيين في مناطق النزاع والنزوح. واضاف: كما أن الاجتماع التحضيري المرتقب في أديس أبابا يعكس جدية الأطراف الدولية والإقليمية في الدفع نحو حوار سوداني – سوداني يقود إلى حلول عملية ومستدامة”.

وشدد سليمان على أن هذه الفرصة وما تملكه من إمكانيات، إلا أنها لا تخلو من تحديات جدية، وتابع: “في مقدمتها محاولات قوى سياسية تتبع لجماعة الإخوان وواجهاتها المختلفة، السعي لإرباك المشهد وإفشال أي تقارب وطني محتمل. فقد درجت هذه الجماعة، وفق مسارها التاريخي في السودان، على استثمار الأزمات وتعميق الانقسامات، مستفيدة من حالة السيولة السياسية لتحقيق مكاسب ضيقة، حتى وإن كان الثمن هو إطالة أمد الحرب ومعاناة المواطنين. ومن المتوقع أن تعمل هذه الأطراف، بشكل مباشر أو عبر أدواتها الإعلامية والسياسية، على التشكيك في المؤتمر، والطعن في مخرجاته، أو محاولة اختراقه لتفريغه من مضمونه”.

وشدد عثمان على أن خطورة هذه المحاولات لا تكمن فقط في تعطيل مؤتمر بعينه، بل في استهداف أي مسار يمكن أن يقود إلى استقرار السودان. وقال: “مؤتمر برلين، إذا ما كُتب له النجاح، قد يشكل نقطة انطلاق جديدة نحو بناء توافق وطني حقيقي، خاصة إذا تمخض عن آلية واضحة لإدارة الحوار السوداني – السوداني بعيداً عن الإقصاء والاحتكار. وهو ما يتعارض مع أجندة القوى التي ترى في الاستقرار تهديداً لمصالحها، وتعيش على استمرار الفوضى والصراع”.

وبعكس التفاؤل الحذر الذي تحدث به القيادي في تأسيس برغم عن أنه يعكس رأيه الشخصي وليس التحالف، إلا أن القيادي في تحالف صمود ماهر أبو الجوخ يذهب في حديثه لـ”راينو” إلى قضية السلام في هذا المؤتمر لن تتحقق لكون المؤتمر مرتبط في الاساس بالقضايا المتعلقة بالحوار بين المجموعات السياسية المدنية ثم مناقشة الجانب الانساني وقال: “صحيح أن بعض الاطراف الدولية تعمل من أجل استغلال هذا الاجتماع للاعلان عن التوصل لهدنة توقف الحرب لكن هذا الامر نفسه لا يبدو أمر سهل ويسير، فالارادة الكاملة والتوجه الحقيقي الصادق نحو السلام ما يزال أمراً بعيداً لدي بعض الاطراف خاصة المتحالفة مع الجيش وعلى رأسهم الحركة الاسلامية الارهابية ولعل الجميع يتابع المشهد الحالي الهادف لتسميم أجواء الاجتماع وافشاله”.

ويرى ماهر أن السلام يمكن أن يكون قريباً في حالة الاكراه لا الاختيار عبر تدابير اقليمية ودولية تطال الرافضين والمعرقلين، واضاف: “بخلاف ذلك فإن الوصول لهدنة نفسها بمعطيات الراهن من قبل اطراف الحرب بالاجماع والرضا والقبول منهما بعيد”.
وتوقع القيادي في صمود حول الشق الثاني من المؤتمر والخاص بالحوار بين المجموعات السياسية المدنية، أن يحدث أمرين لا ثالث لهما – حسب تعبيره- إما حضور كامل بما في ذلك مكونات سلطة بورتسودان ثم محاولتهم عرقلة سير الاجتماعات بالاعتراض على جوانب شكلية والمطالبة بمواقف ذاتية وهو ما يقود لافشال الاجتماع ويعيق تحقيقه للاجماع وتابع: “أو الغياب وهذا صحيح قد يساهم في الوصول لمشتركات بين المشاركين إلا أن المعضلة الاساسية ستكون أنها تغفل اطراف مرتبطة بسلطة بورتسودان ولذلك فإن مؤتمر بريلن بتركيبته الحالية يرجح أن يكون خطوة للأمام لكن إذا لم يحدث ضغط دولي مباشر حاسم وصارم فإن احداث اختراق بوقف الحرب سيكون امر بعيد المنال”.

في المقابل يرى عثمان أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على القوى الوطنية والمدنية والشخصيات المستقلة المشاركة في هذه العملية، بضرورة التحلي باليقظة السياسية، وتفويت الفرصة على كل من يسعى لإفشال هذا المسار. وقال: ” وحدة الصف، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة، تمثل الضمانة الحقيقية لإنجاح مؤتمر برلين وتحويل مخرجاته إلى واقع ملموس”.

فك الارتباط أولاً:

لا يبدو أن برلين بحسب الكثيرين سيتوقف في محطة الحرب رغم أهميتها بل يضع في مقدمة الأولويات البعد الإنساني، وهو أمر مفهوم في ظل الأوضاع الكارثية التي يعيشها ملايين السودانيين، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلًا جوهريًا، إلى أي مدى يمكن فصل المسار الإنساني عن جذوره السياسية؟ فإيصال المساعدات، مهما كان ضروريًا، يظل إجراءً إسعافيًا، لا يعالج الأسباب العميقة للصراع، ولا يضع حدًا لاستمراره. ومن هنا، فإن أي مقاربة لا تربط بين الإغاثة والحل السياسي، ستبقى عاجزة عن كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأزمة، وهو ما يفرض المشهدين السياسي والعسكري على المؤتمر ..

وهو ما يعززه حديث مستشار قائد قوات الدعم السريع عمران عبد الله في حديثه لـ”راينو” في سياق متزامن مع التحضيرات الجارية لمؤتمر “برلين 3″، وأكد عبد الله أن الرغبة في السلام هي المبدأ الثابت لقواته منذ اليوم الأول، لكنه رهن نجاح أي جهد دولي بمدى قدرته على ممارسة ضغوط حقيقية ومباشرة.

ويرى عمران عبد الله أن العائق الجوهري أمام إيقاف الحـرب ليس عسكرياً فحسب، بل يكمن في “الارتهان السياسي” لقيادة الجيش.

وأوضح المستشار أن الحركة الإسلامية، التي وصفها بالحاضنة السياسية المسيطرة على مفاصل القرار العسكري، هي التي أشعلت فتيل هذه المواجهة لتحقيق مآرب سياسية تتمثل في العودة إلى السلطة، وهي ترى في وجود الدعم السريع حائلاً دون تحقيق هذا الطموح، مما يدفعها للاستمرار في خيار العـ.نادة والتدمير.

وفي سياق تحليله للموقف، أشار عبد الله إلى أن قيادات النظام السابق يخشون من أن وضع أوزار الحـرب يعني بالضرورة عودتهم إلى السجون ومواجهتهم لسجلات جرائم إضافية ارتكبت خلال السنوات الثلاث الماضية، مشدداً على أن شعار “إما التسليم الكامل أو التدمير الشامل” الذي تنتهجه تلك المجموعات هو ما أوصل البلاد إلى حافة الانهيار التام للبنية التحتية ومعاناة الشعب السـ.وداني الذي بات يواجه الموت دون بواكٍ.

واختتم مستشار قائد قوات الدعم السريع حديثه بالتأكيد على أن الحل الوحيد الذي يمكن أن يقدمه مؤتمر برلين، وما قد يدفع بجهود مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس نحو الأمام، هو الضغط المكثف على “البرهان” لفك ارتباط الجيش تماماً عن حاضنته السياسية وتوجيهات الحركة الإسلامية. فبغير هذا الانفصال، يرى عبد الله أن أي تدخـل أو مؤتمر سيبقى في إطار التمنيات، بينما تظل دماء السـ.ودانيين رهينة لأجندات لا تعبأ بمصير الوطن، مجدداً الدعوة لسلام حقيقي يؤسس لدولة المواطنة والعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار