منذ اندلاع الحرب في دارفور مطلع الألفية، برزت الحركات المسلحة كفاعلين مؤثرين على الأرض، ترفع شعارات التهميش والعدالة، وتدّعي تمثيل الهامش. لكن مع مرور الوقت، بدأت تتكشف خيوط تربط نشأة هذه الحركات بالمركز الذي طالما ادّعت محاربته، وتحديدًا بتنظيم الإسلاميين (المؤتمر الوطني) الذي يُعرف بقدرته على اختراق وتفكيك الخصوم من الداخل. واليوم، تزداد هذه الفرضية وجاهة، خاصة بعد ما كشفت عنه الحرب الأخيرة في 15 أبريل من تحالفات ومواقف فضحت بوضوح ارتباط هذه الحركات بـ”الجيش المؤدلج” وقياداته الإسلامية.
الصراع الأهلي: بداية انقسام مُصطنع:
بدأ الصراع في دارفور على شكل مواجهات أهلية بين “الزرقة” و”العرب”، وهو تصنيف مبسط يخدم سياسات “فرق تسد” التي برع فيها نظام الإنقاذ. سلّح الإسلاميون ميليشيات عربية ، وروّجوا في المقابل للحركات المسلحة على أنها تمثل مكوّنًا إثنيًا مقابل، رغم أن الظلم كان عامًا، يشمل كل من هم خارج المركز.
لكن المتأمل في السياق يدرك أن هذا الانقسام لم يكن عفويًا، بل جرى تفجيره وإدارته من قبل أجهزة أمنية ومراكز دراسات تابعة للحركة الإسلامية، لخلق أعداء وهميين تُستثمر لاحقًا في خطاب التضامن والسلطة.
نشأة مشبوهة ومواقف متقلبة:
تعود جذور كثير من قادة الحركات المسلحة إلى داخل المنظومة الإسلامية نفسها؛ أبرزهم خليل إبراهيم، الذي كان وزيرًا في حكومة الإنقاذ وعضوًا في الحركة الإسلامية قبل أن يؤسس “العدل والمساواة”. وثيقة “الكتاب الأسود” التي أطلقها لم تكن مجرد كشف لتهميش الهامش، بل حملت أيضًا نَفَسًا تصفويًا لأجنحة داخل النظام نفسه، ما يثير تساؤلًا: هل كانت الحركة منشقّة فعلًا؟ أم جزءًا من لعبة توزيع أدوار؟
طوال عقدين، تكرّرت مشاهد دخول الحركات في مفاوضات سرية، وصفقات سلام مؤقتة، وعودة بعض القيادات إلى مناصب تنفيذية، ما رسّخ الشكوك حول كونها أدوات وظيفية أكثر من كونها حركات تحررية.
انكشاف اللعبة في حرب 15 أبريل:
الحدث المفصلي الذي كشف القناع تمامًا كان موقف الحركات المسلحة من حرب 15 أبريل 2023، والتي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع. فبدل أن تقف هذه الحركات على الحياد، أو أن تتبنى موقفًا وطنيًا جامعًا، اصطفت بشكل سافر إلى جانب الجيش، بل قاتلت ضمن صفوفه في بعض المناطق، وأعلنت دعمها المطلق لقياداته.
لكن الأخطر من ذلك، أن الجيش نفسه كان قد اختطفته بقايا الحركة الإسلامية التي هندست انقلاب 25 أكتوبر، وبالتالي فإن دعم الحركات المسلحة لهذا الجيش لم يكن مجرد تحالف عسكري مؤقت، بل عودة إلى بيت الطاعة الأيديولوجي، وتأكيد عملي على أن تلك الحركات تتحرك وفق تعليمات قادتها “القدامى” داخل الجيش ومراكز القرار الكيزانية.
هذه المواقف العلنية لم تترك مجالًا للشك: من يحارب اليوم مع الجيش المؤدلج، هو إما متواطئ قديم، أو صنيعة وُظّفت في الزمن المناسب.
الخلاصة: الثورة الحقيقية ما زالت تنتظر ممثلها:
إن فرضية أن الحركات المسلحة صنيعة كيزانية لم تعد مجرد رأي أو نظرية سياسية، بل أصبحت مدعومة بالوقائع، والسلوك السياسي والعسكري للحركات منذ تأسيسها وحتى تحالفها الأخير مع الجيش الإسلامي. والمحصلة أن الثورة السودانية، وتطلعات الهامش للعدالة، ما زالت رهينة بين أدوات قديمة أُعيد تدويرها، وخطابات لم تتجاوز مرحلة الشعارات.
لقد آن الأوان أن يُعاد تعريف من يحق له تمثيل قضايا الهامش، بعيدًا عن الكيانات التي اختارت أن تكون جزءًا من منظومة الظلم، مهما بدت في شكل “متمرد”.