السودان

صراعات الاسلاميين .. من يدفع الثمن بعد حريق السودان؟

تقرير: راينو

لا يختلف اثنان في أن حزب المؤتمر الوطني الذي خرج الشعب السوداني ضده واسقطه بثورة ديسمبر المجيدة، متورط في تدمير البلاد منذ وصوله إلى سدة الحكم بانقلاب 1989، ويجمع المراقبون على أن الحزب الذي جثم على صدر الشعب السوداني ثلاثون عاماً، لم يجمع قادته ولم يتفقواعلى شئ سوى تدمير البلاد، بل يعتبر هذا الهدف القاسم المشترك حتى في خلافاتهم وصراعهم على السلطة والثروة، كما يحدث الآن منذ صبيحة الخامس عشر من إبريل 2023. وظهرت الأزمة بشكلها الواضح هذه الأيام خلال اجتماع مجلس شورى الحزب المحلول واختيار أحمد هارون رئيساً للحزب، وإصرار إبراهيم محمود حامد على أنه الرئيس المكلف من قبل هيئة الشورى.

اجتماع سري:

خلال اجتماع سري، اختار مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني المحلول، يوم الخميس، “أحمد هارون” المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، رئيساً مؤقتاً للحزب وسط خلافات حادة تهدد بانقسام الحزب. وأكد بيان للمكتب القيادي رفضه إجراءات مجلس الشورى أن “الذين قاموا بتنفيذ، وقال “إن اللذين دبروا المؤامرة على الحزب والدولة والشعب السوداني عام 2019 وزجُّوا بقيادات الحزب في السجون ومنعوا الحزب من الوصول لموارده المالية ويسعون لخلق فتنة لتمزيق وحدة الحزب وأنشأوا المكونات الضِرار لإذابة هياكل الحزب بالمركز والولايات، هم الذين يعملون الآن لشق وحدة صف الحزب بالإصرار على إقامة إجتماع لمجلس الشورى”.

وبحسب معلومات نقلها الناشط “مجاهد بشرى” على منصته، إن جلسة سرية لشورى حزب المؤتمر الوطني المحلول بمدينة عطبرة خاطبها البشير والبرهان وحضرها ياسر العطا. وقال: “وفقا للمصدر، فقد عقد حزب المؤتمر الوطني المحلول اجتماعاً سرياً لمجلس الشورى القومي عقب صلاة فجر يوم الخميس 14 نوفمبر 2024 بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل برئاسة محمد يوسف كبر رئيس مجلس الشورى، وخاطبه عبر الهاتف كل من الرئيس المخلوع عمر البشير، والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، ورئيس جهاز المخابرات العامة أحمد إبراهيم مفضل، فيما شارك حضورياً الفريق أول ركن ياسر العطا وتولى مهمة التأمين.

وجرى اختيار هارون (المطلوب للعدالة الدولية) رئيساً للحزب، وإنهاء تكليف إبراهيم محمود، بالمقابل رفضت مجموعة إبراهيم محمود الذي يسانده نافع علي نافع والحاج ادم يوسف الاجراء، وتعكف حالياً على الرد على اجتماع الشورى ومن المتوقع أن تأتي ردة فعلها عنيفة.

‏وأكد مصدر مطلع، أن انعقاد شورى “المؤتمر الوطني المحلول”، أحدث انشقاقاً فعلياً أنتهى إلى تكتل بين مجموعتين، أحداهما يقودها احمد هارون وعلي أحمد كرتي ومجموعة يقودها ابراهيم محمود يسانده نافع علي نافع والحاج ادم ومدير جهاز المخابرات الأسبق محمد عطا المولى. وفي كلمته التي القاها أمام اجتماع الشورى عبر الهاتف بتنسيق من أسامة عبد الله, طالب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بضرورة تكثيف عمليات استنفار عضوية الحزب المحلول وتنشيط العمل لحشد أكبر عدد من المواطنين للمشاركة في معركة الكرامة وضرورة السيطرة على الحركات المسلحة عن طريق جبريل إبراهيم، وأشار الى انهم يعملون وفق الخطة المرسومة من الحزب أن الترتيبات تمضي بشكل جيد في عمليتي الإحلال والابدال في أجهزة الدولة بإعادة عناصر التنظيم وابعاد جميع المناوئين، ونبه البرهان في كلمته لخطورة الأوضاع في دارفور بفقدانهم معظم الكوادر التنظيمية لاسيما قيادات الإدارة الاهلية مشيراً الى انه اسند مهمة ترتيب الأوضاع بدارفور لإبراهيم جابر. وبحسب المصدر أن المخلوع عمر البشير دعا إلى التماسك والتصدي للفتن والتحصن من الانشقاقات وعدم التهاون مع المتفلتين داخل الحزب المحلول بتفعيل اللوائح التنظيمية وشدد على ضرورة الإسراع في حسم المعركة العسكرية وعدم الوثوق في بعض الأطراف الدولية خاصة (مصر) والاعتماد على الكوادر التنظيمية للحزب.

وركزت مداولات الاجتماع الذي استمر لأكثر من ثلاث ساعات على مناقشة الازمة التنظيمية التي يشهدها الحزب المحلول ونتائج اجتماعات الوفاق التي عقدت في مدينة سنكات بولاية البحر الأحمر والتي فشلت في ترتيب البيت الداخلي لاسيما في ظل الخلاف المحتدم بين الأطراف والاتهامات المتبادلة بالتخوين والصراع حول الكراسي، وأشار المصدر ان اللجنة التي اسند اليها رأب الصدع بين الفرقاء ايقنت أنه لا أمل في عودة إبراهيم محمود ومجموعته الى جادة الطريق فيما تمسكت مجموعة من القيادات بضرورة معالجة الخلافات بالحوار حسب إفادة المصدر.

وأقرّ الاجتماع تشكيل لجنة للتواصل مع مجموعة إبراهيم محمود وحال رفضهم الانصياع لمقررات الحزب المحلول، تنفذ بحقهم الإجراءات التنظيمية بما في ذلك المحاسبة والفصل.

 كما اقر الاجتماع  تشكيل لجان بالولايات والمؤسسات  لحشد وتنظيم العضوية وتنوير القواعد من العسكريين والمدنيين بتطورات الأوضاع والترتيبات التنظيمية التي تمت وتجديد الولاء والطاعة للقيادة الجديدة.

‏تفكيك المؤتمر الوطني:

عقب ثورة ديسمبر، أصدرت حكومة الفترة الانتقالية السودانية قانون تفكيك نظام 1989م الذي يقضي بحل حزب المؤتمر الوطني الذي كان يتزعمه الرئيس السابق عمر البشير، ومصادرة أمواله وتعليق النشاط السياسي لرموزه، وسبق ذلك أن تنازل الرئيس المعزول عن رئاسة الحزب في فبراير 2019م خلال تزايد الحراك الثوري المُطالب بإسقاط نظامه وتم تكليف أحمد هارون لرئاسة الحزب، وبعد سقوط نظام المؤتمر الوطني كلف المكتب القيادي للحزب إبراهيم غندور بتولي رئاسة الحزب، ثم انتخبت هيئة شورى المؤتمر الوطني إبراهيم محمود حامد لقيادة الحزب بعد توقيف غندور بسبب بلاغات لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989م . ووصل إلى البلاد خلال أكتوبر الماضي إبراهيم محمود، حيث استقبلته حشود من الإدارات الأهلية بمطار بورتسودان، وقبله ظهر والي سنار السابق أحمد عباس برفقة نائب قائد الجيش شمس الدين كباشي بمنطقة جبل موية بولاية سنار.

تسريبات تعمّق الخلافات:

وأرجع نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “خالد عمر يوسف”، خلافات الاسلاميين بدءً بالتسريبات التي تحدثت عن المبالغ التي استلمتها الحركات المسلحة حتى تلتحق بالقتال إلى جانب القوات المسلحة وقصص الفساد التي يندى لها الجبين في بورتسودان، وبحسب “يوسف” إن التراشقات الاعلامية تواصلت بين جناحي المؤتمر الوطني المحلول والصراع حول انعقاد مجلس الشورى الذي أخرج للعلن الخلاف المكتوم داخل طيات التنظيم لردح من الزمان، هذا الخلاف أكد في بيانات أطرافه الحقيقة التي لا جدال حولها وهي اختراق هذا التنظيم للأجهزة الأمنية والعسكرية وسعيه الدائم لتوظيف وجوده داخلها لمصالحه السلطوية الضيقة، ومن ثم جاءت اتهامات مناوي وتلميحاته حول عدد من رفاقه في حلف بورتسودان، ورد شيبة ضرار المليء بالتعليقات العنصرية واللغة التصعيدية، وكتب “يوسف” على صفحته بموقع “فيس بوك”: “من الواضح بجلاء أن قيادة القوات المسلحة ليست بمعزل عن كل هذه الأحداث فهي جزء لا يتجزأ من هذه الصراعات وهو ما ينذر بأن القادم أسوأ لا محالة ، وجوهر الصراع الحالي هو صراع حول غنيمة السلطة والثروة، يتسابقون حول من يكون له القسط الأوفر منها فحسب”.

الانقسام الأكبر:

من جانبه يرى المحلل السياسي “محمد الأمين” لـ”راينو” أن انفجار الصراع داخل الإسلاميين والفجور في الخصومة والانشقاقات والانقسامات تعد السمة البارزة لدى تنظيمات الإسلاميين السودانيين سوى كانت على مستوى التنظيم الحركي أو التنظيم السياسي وذلك للخلل الفكري والمنهجي وقفل باب التجديد والمراجعات، كما أن صراع القيادات بدأ منذ النشأة ومستمر إلى يومنا هذا كان في السابق الاستعانة بالدولة لحسم الخلافات. 

ويشير “الأمين” إلى أنه لم يعد للإسلاميين بعد اليوم كيان واحد يجمعهم، فقد مرت تجربتهم بانقسامات كبيرة ولكن الانقسام الحالي هو الأكبر وقمة جبل الجليد، بعد أن طفح الكيل وتكشفت حقائق مشروعهم التخريبي للبلاد.  وقال إن الانقسام الحالي هو الأخطر، باعتباره “أخذ الطابع الجماعي، وفي ظل الحرب التي قسمت كثير من المكونات السياسية والمجتمعية، فقد شرب الإسلاميين من ذات الكاس الذي سقوا به القوى السياسية، كما أن الانقسام الحالي نتاج صراع على القيادة، ومن يجني ثمار الحرب العبثية التي اشعلوها مجتمعين.”

من جانبه يذهب المحلل السياسي إيهاب محمد الحسن في حديثه لـ”راينو” إلى أن ما يحدث حاليا ليس سيناريو ولا تمثيلية كما تسعى غرف الفلول لتصويرها بل هي حقيقة ماثلة يستشفها كل ذي بصيرة، وقال: الحزب المحلول وحركته اللا إسلامية يستشعرون رفض السودانيين لهم ولعودتهم، لذا فإن الخروج خارج دائرة الرفض جعلتهم يستدعون العديد من التكتيكات المختلفة بدءاً بإظهار “غندور” كتيار سلمي، وتيار كرتي كتيار أمني، فضلاً عن محاولاتهم صناعة واجهات أخرى بأسماء مختلفة، حينما لم ينجح ذلك في كسر عزلتهم قاموا بانقلاب 25 اكتوبر. وحينما استشعروا الخطر من امكانية احداث اختراق بالاتفاق الإطاري، لم يكن أمامهم إلى اشعال الحرب، ليفرضوا على السودانيين معادلة إما القبول بهم وعودتهم على ظهر الحرب وعبر الجيش، أو استمرارها مع النزوح واللجوء والمرض والجوع. الأمر الذي خدع البعض فانتعشت أمالهم للحد الذي جعلهم يكشفون عن وجههم الحقيقي، ويعلنون أنهم من اشعلوا الحرب وانهم مسيطرون على الجيش. وتابع: “تعجلهم هذا بدا واضحا بصراعاتهم الحالية على تمثيل الجناح المسيطر ومركز القوى الأعظم وهو ما أحدث فتنة حقيقية وستقود إلى الاقتتال فيما بينهم”.

 منهجية التطرف والإقصاء:

ويرى “محمد الأمين” أن تراجع الإسلاميين في السودان عن حركة التطور والتغيير وسقوطهم أمام الأسئلة المعاصرة حول الحكم، والاقتصاد والحركة الاجتماعية، والشباب والعلاقات الخارجية، جعلهم مجموعات تنظر للتاريخ وليس الحاضر والمستقبل، وتنطلق من منهج التطرف والإقصاء، ولم تقرأ نسق التغيير وثورة ديسمبر المجيدة بصورة صحيحة، لذلك اعتادت أن تكرر ذات الأخطاء في الحكم والمعارضة، وتنتج الانقلابات والحروب.

فيما يؤكد المحل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” إن ما يحدث حالياً هو نتاج طبيعي لاستحكام حلقات الحصار حول الاسلاميين ففي الارض الدعم السريع هو العقبة الكؤود أمام عودتهم، فحاربوه ومع ذلك لم يحققوا شيئا سوى موت اعداد كبير من عضويتهم، بينما يتفتت معسكر الجيش المهزوم عمليا، وتتزايد حدة الخلافات في قيادته السياسية ممثلة في قيادات الحزب المحلول، ساخراً في الوقت ذاته من اي أحاديث عن أن البشير قادر على إدارة اي شيء، مشيرا إلى أن البشير وعدد كبير من قيادات المحلول في ازمة نفسية بفعل كره السودانيين لهم، ومدركين لاستحالة عودتهم في خضم كل ذلك، كاشفا عن أن ثمة تيار ثالث يتشكل يخفي نفسه بعناية وهو تيار لمجموعات يقودها على عثمان تسعى عبر الجنرال الكباشي ومغازلته في عمل انقلاب على البرهان ومجموعات الاسلاميين الاخرى، واضاف: “علي عثمان هو الاقرب للجيش بحكم مواقفه منذ الديمقراطية الثالثة، فضلاً عن اعتراضاته على أي قرار خلال الثلاثين عاماً من حكمهم، على ما يؤثر في علاقة المؤسسة العسكرية والاسلاميين، قاطعاً بأن الثمن الباهظ لكل ذلك سيسدده الإسلاميون بمفردهم، في مقابل ما فعلوه بشعب السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار