السودان

موت شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”: قراءة في وهم استعادة لحظة ديسمبر (1)

بقلم: خالد كودي

مدخل:

من بين شعارات ثورة ديسمبر 2018، برز شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” كشعار مركزي ووجداني، عبّر عن مطلب مشروع بفصل المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي، وحل المليشيات، وعلى رأسها قوات الدعم السريع التي ارتبطت في الوعي الجمعي بفظائع دارفور ومجزرة القيادة العامة في يونيو 2019. كان الشعار في حينه استجابة منطقية لسياق الانتفاضة ضد نظام عمر البشير، ومحاولة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على مدنية الدولة، وسيادة القانون، ووحدة القوات النظامية تحت قيادة مهنية غير مسيّسة.

لكن، بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة، وانفجار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، وما تلاها من انهيار مؤسسات الدولة، وتفكك العاصمة، وتهجير أكثر من ثمانية ملايين سوداني داخليًا وخارجيًا، أصبح التمسك الميكانيكي بهذا الشعار أشبه بالحنين القهري إلى لحظة لم يعد لها وجود سياسي موضوعي اصلا. فالعسكر لم يعودوا في الثكنات ولا خارجها، بل أصبحوا أطرافًا متصارعة في حرب أهلية مركّبة، والدعم السريع لم يُحل، بل صار ندًّا عسكريًا ومسيطرًا فعليًا على نصف البلاد، ودخل في تحالفات جديده بمشروع جديد.

إن إعادة تكرار هذا الشعار اليوم، خارج أي سياق تحليلي موضوعي، وليس فقط انقطاعًا عن الواقع، بل يمثل أداة لتخدير الخيال السياسي، وتأجيل مواجهة الأسئلة الحقيقية التي فرضها واقع الحرب. كما أنه يتحوّل إلى سردية سلبية مضادة للتغيير الجذري، يُستخدم في الغالب من قبل قوى ونخب عاجزة عن إنتاج أدوات جديدة، وتخشى التحول من شعار المقاومة إلى برنامج التأسيس.

هذا المقال يسعى إلى تفكيك وهم استعادة لحظة ديسمبر بكل شعاراتها، من خلال تحليل متعدد التقاطعات – سياسي، قانوني، تاريخي، ونفسي – ليبيّن أن اللحظة الثورية الراهنة تقتضي رؤية جديدة، أدوات جديدة، وتحالفات تأسيسية جديدة تتجاوز الدولة القديمة ومفرداتها المهترئة، نحو وطن جديد وسودان لا يُبنى من المركز، بل من هامشه المحترق.

أولًا: التحليل التاريخي – من الشعار إلى المأزق البنيوي:

عندما طُرح شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” في ذروة الحراك الشعبي أواخر عام 2018 وبدايات 2019، كان ذلك في سياق الانتقال السياسي الذي بدأ بعد سقوط عمر البشير في 11 أبريل 2019، وفي خضم مفاوضات قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الانتقالي. في تلك اللحظة، ساد اعتقاد واسع بأن الدولة السودانية يمكن إصلاحها عبر نموذج الشراكة بين المدنيين والعسكريين، وأن الجيش، كمؤسسة، لا يزال قابلاً للإصلاح، فيما تُحل المليشيات كالدعم السريع – وحركات الكفاح المسلح (الدارفورية) في إطار عملية إصلاح أمني مؤسسي شامل.

لكن هذا الرهان سرعان ما أثبت محدوديته، لا سيما بعد مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو 2019، والتي نفذتها قوات الجيش و الدعم السريع وقوات ملحة تتبع للنظام القديم، كما أشارت تقارير عدد من المنظمات الحقوقية. ورغم ذلك، وُقع في 17 أغسطس 2019 الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، التي ثبتت شراكة معلّقة ومضطربة، ووضعت المؤسسة العسكرية في موقع السيادة، بينما استبعدت مساءلة فعلية عن جرائم النظام السابق والقيادة العامة.

الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، أطاح عمليًا بالشراكة وأعاد السلطة المطلقة للمكون العسكري، وأثبت أن الجيش لم يكن شريكًا في الانتقال، بل خصمًا تكتيكيًا، يخوض مفاوضات من موقع الهيمنة، لا من موقع المساواة. هذه اللحظة كانت نهاية عملية إصلاح الدولة من الداخل.

ثم جاءت الحرب المفتوحة التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، لتُسقط بشكل نهائي الوهم القائل بوجود مؤسسة عسكرية موحدة يمكن إعادة تأهيلها. فقد كشفت الحرب عمق الانقسام البنيوي في مؤسسات الدولة الأمنية، وأثبتت أن الجيش نفسه لم يعد كيانًا وطنيًا جامعًا، بل أصبح طرفًا في شبكة ميليشياوية متشظية، تتنازع فيها قوات الدعم السريع، القوات الخاصة، الاستخبارات، وفلول النظام السابق، النفوذ والسلطة والثروة.

الواقع اليوم يؤكد أن الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956 تأسست كبنية فوقية مركزية عنيفة، تستند إلى احتكار إثني–جهوي للسلطة، وأن مؤسساتها، وعلى رأسها الجيش، لم تكن يومًا محايدة أو مهنية، بل أدوات في يد النخب الحاكمة لإعادة إنتاج الهيمنة. وهذا ما فشلت كل التجارب الانتقالية في تغييره، لأنها تعاملت مع الدولة كإطار يمكن ترميمه، لا كمنظومة يجب تفكيكها جذريًا وإعادة تأسيسها من الهامش.

من هنا، فإن شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” لم يعد يمتلك أي وظيفة سياسية حقيقية، لأنه يفترض وجود مؤسسة يمكن عزلها عن المليشياوية، في حين أن كليهما – الجيش والدعم السريع – نابعان من نفس المنظومة العنيفة، ويتشاركان في إعادة إنتاج الدولة القديمة الي ان وقعت قوات الدعم السريع علي تحالف “تأسيس” لتتغير المعادلة والموقف من بنية دولة السودان القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار