السودان
شمس الدين ضو البيت لـ”راينو”: الإسلاميون يريدون إقامة سلطة دينية على أي قطعة أرض وبأي عدد من السكان (1)

حوار: راينو
يستضيف “راينو” في هذا اللقاء الفكري الاستثنائي، الباحث والمفكر السوداني د. شمس الدين ضو البيت، رئيس مشروع الفكر الديمقراطي، في حوار يتجاوز الراهن السياسي المباشر ليغوص في “الجذور المعرفية” للأزمة السودانية.
تناول ضو البيت في هذا الحوار تشريحاً دقيقاً لبنية الدولة السودانية وما يسميه “الإسلام السلطاني”، مستعرضاً مآلات حلف (العسكر والإخوان) وأثره التدميري على المعمار النفسي للمواطن.
كما يقدم الحوار قراءة نقدية لاتفاق جوبا، وتجربة “مجموعات القراءة” كأداة لتوطين الديمقراطية في الريف، وصولاً إلى طرح مفهوم “الديموتنامية المعرفية” كبديل نهضوي يخرج السودان من دائرة حروب السبعين عاماً نحو أفق القطيعة المعرفية الشاملة وبناء وطن جديد.
شعار فليعد للدين مجده أو ترق كل الدماء يلخص مشروع الإسلاميين كمزيج من الهوس الديني والتخطيط المنظم
شعار فليعد للدين مجده أو ترق كل الدماء يلخص مشروع الإسلاميين كمزيج من الهوس الديني والتخطيط المنظم
(*) حذرت كثيرا من سيناريو “فصل دارفور وكردفان” وإعادة إحيـاء (مثلث حمدي)؛ هل تعتقد أن الـ حرب الحالية هي “الأداة الأخيرة” للإسلاميين لتنفيذ هذا التقسيم بعد أن استحال عليهم حكم السودان الموحد؟
التقسيم ليس هو الهدف الأصلي للإسلاميين، ولا حتى فصل جنوب السودان كان هدفاً.. الهدف الحقيقي والأساسي للإسلاميين هو (الحُكم) بأي ثمن، سلطة دينية على أي قطعة أرض وبأي عدد من السكان، وبعد ذلك ستتنزل البركات في تصورهم. الانقلابات، التقسيم، فصل الأقاليم، الجهاد، “العنف الحاسم ضد المعارضين”.. هذه كلها وسائل للوصول إلى الحُكم والمحافظة عليه، وأدوات لإزالة أي عقبة أو تهديد يعترض حُكمهم.
كثيرون منا يعتبرون أن هتافهم (فليعد للدين مجده أو ترق كل الدماء)، مجرد شعار حماسي لرفع المعنويات وشحذ الهمم في العمليات العسكرية وإخافة للمعارضين أيام “الزنقات” السياسية؛ وهذا غير صحيح. هذا الشعار يلخص مشروع الإسلاميين: إقامة دولة دينية تطبق (شرع الله) بأي وسيلة، وفق فهمهم السلفي لآيات سورة المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الظالمون..) وبعد ذلك سحق أي جهة تعارضهم أو تهدد دولتهم.. مزيج من الهوس الديني والتخطيط المنظم!
(*) لكن بالنظر إلى هذا الاستعداد للتضحية بالجغرافيا في سبيل “السلطة “، كيف تفسر تحول موقفهم من محاولة إخضاع الجنوب إلى السعي لفصله لاحقاً؟
جنوب السودان كان بالنسبة للإسلاميين معضلة كبيرة حتى قبل أن يستولوا على السلطة، لأن الجنوبيين رفعوا السلاح حتى على دولة نصف أو ربع دينية، فما بالك بدولتهم الدينية الكاملة؟ الدكتور حسن الترابي ذكر ذلك في كتاباته، وقال إن الإسلاميين، منذ الخمسينيات، عندما يأتي ذكر جنوب السودان كانوا يتمنون انفصاله “ليخلص الأمر لتقويم المجتمع المسلم دون خلاف في أصل الملة”. بحسب شعارهم، حاولوا إخضاع الجنوب للدولة الدينية بالقوة وإراقة الدماء بعد استيلائهم على السلطة سنة 1989، لكن عندما استعصى الإخضاع، انتقلوا سريعاً لموضوع الانفصال.. كانوا على استعداد للتنازل عن الأرض بناسها وحتى ببترولها، لكنهم لم يكونوا مستعدين للتنازل شعرة عن الدولة الدينية وتجريب سياسات جديدة تحترم تنوع المجتمع السوداني.
مثلث حمدي كان استشرافاً سياسياً لمنطقة تتقبل المحمولات العنصرية والدينية لمشروع الإسلاميين
مثلث حمدي كان استشرافاً سياسياً لمنطقة تتقبل المحمولات العنصرية والدينية لمشروع الإسلاميين
(*) هذا يقودنا إلى نظرية “مثلث حمدي”؛ هل ترى أن هذا المثلث كان بمثابة “الملاذ الجغرافي” الأخير لمشروعهم الإقصائي؟
مثلث حمدي بين دنقلا وسنار والأبيض، كان استشرافاً سياسياً من الإسلاميين لأكثر منطقة ممكن أن تتحملهم، حسب المحمولات العرقية أو العنصرية والدينية واللغوية لمشروعهم. يعني بحكم أن مشروع الإسلاميين عرقياً عروبي، ودينياً سلفي سني، ولغته هي العربية، فيعتبرون أن سكان هذه المنطقة هم الأقرب إليهم. الباقون خارج هذا المثلث لا يوجد “وجدان” مشترك معهم، “ما بشبهونا” كما قالوا عن الجنوب، لذلك التركيز في التنمية والاجتهاد يكون داخل هذا المثلث. دارفور، إضافة لوقوعها خارج المثلث، أصبحت مصدر قلقلة واستنزاف للنظام منذ 2002 (ورقة مثلث حمدي خرجت 2005). في تقديرات الإسلاميين، الـ حرب في دارفور استنزفت نظامهم مادياً وسياسياً وأخلاقياً، وعرضته لهزة ثورة ديسمبر 2018. لذلك بعد انقضاضهم على الثورة بانقلاب 2021، أصبح العائق المتبقي أمام عودتهم الكاملة للحُكم هو دارفور، وتضاعف تهديدها لحُكمهم أيضاً مع وجود قوة مسلحة موازية ومتمردة تابعة لها هي الدعم السريع. قيام حكومة تأسيس وإجراءات إقامة بنك مركزي وأوراق ثبوتية وعملة.. إلخ، هو سير في اتجاه الانفصال، لكن العامل الرئيسي في تقسيم السودان هو الإسلاميون، ودولتهم الدينية، وفرضهم لبرنامج أحادي لا يناسب تنوع المجتمع السوداني.
(*) بالحديث عن بنية الدولة السودانية، هل تحتاج إلى “إعادة اختراع” شاملة كما ذكرت في كتاباتك؟
طبعاً نعلم أن الدولة ليست كائناً من الطبيعة، مثل الجبال والصحاري.. إلخ، وإنما كيان مؤسسي من اختراع البشر اكتشفوا أن فيه مصلحة مادية ومعنوية لهم، هي تحقيق الخير العام لجميعهم. كل اختراع يجب أن يتشكل من مواد وعناصر حقيقية وصلبة، وكذلك الدولة تتأسس على أرض وشعب، ولكن يجب أيضاً أن تستند على خصائص شعبها أو شعوبها وتعبر عنها وعلى مبادئ وقيم تحقق الخير لها. من الممكن إضافة بعض التحسينات للزينة، مثلاً، تضخيم بعض الانتصارات في تاريخ شعب الدولة والسكوت أو التقليل من بعض الانتكاسات من أجل ترسيخ الاعتداد بالهوية والروح الوطنية.. إلخ. ولكن الأساس الذي تقوم عليه الدولة يجب أن يكون حقيقياً ويعبر عن الواقع باتجاه تحقيق الخير العام.
لم تتأسس الدولة السودانية وفقاً لحقيقة تنوع شعوبها بل قامت على أساس (متخيل) أو (مرغوب فيه) من النخبة
لم تتأسس الدولة السودانية وفقاً لحقيقة تنوع شعوبها بل قامت على أساس (متخيل) أو (مرغوب فيه) من النخبة



