لا تموت الفتن بموت قادتها، بل بموت الأصوات التي تُعيد تبريرها. هذه هي الخلاصة الأعمق التي تخرج بها قصة الفجّار الحنفي، آخر من جاهر بدعوة مسيلمة الكذاب في الكوفة بعد أكثر من عشر سنوات على مقتله.
لم يكن الفجّار قائدًا، ولا صاحب جيش، ولا رجل سياسة. كان مجرد صوت… لكن التاريخ يخبرنا أن الأصوات – حين تنفصل عن الحقيقة – أخطر من السيوف.
الكذبة التي رفضت الاعتراف بالهزيمة
حين سقط مسيلمة في اليمامة، انتهت نبوته عسكريًا، لكنها لم تنتهِ نفسيًا في صدور بعض أتباعه. الفجّار لم يخترع النبوّة، بل رفض الاعتراف بسقوطها، فهرب بها إلى الكوفة، مدينة حديثة التكوين، ملتبسة الوعي، مختلطة الانتماءات.
هناك، لم يرفع راية، بل فتح مجلسًا. لم يشهر سيفًا، بل نشر روايات ملفّقة. ولم يقل “سنقاتل”، بل قال: “لم يمت مسيلمة من صدورنا.”
وهنا تكمن خطورته.
من مسجد بني حنيفة إلى منصات بورتسودان
ما فعله الفجّار في الكوفة، تفعله اليوم نخبة من إعلاميي سلطة بورتسودان، ولكن بأدوات أكثر حداثة وتأثيرًا.
فكما كانت الكوفة مدينة طارئة سياسيًا، تحوّلت بورتسودان إلى عاصمة مؤقتة للحرب، تُدار فيها المعركة بالكلمات بقدر ما تُدار بالطائرات.
لم يحمل إعلاميو الحرب رقاع جلد، بل: • أعمدة صحفية • شاشات فضائية • حسابات موثّقة • لغة مُنمّقة تخفي قسوة المعنى
إعلام لا يصنع الحرب… لكنه يُبقيها حيّة
الإعلامي لا يضغط على الزناد، لكنه كثيرًا ما يبرّر الضغط عليه.
في كتابات وتصريحات متكررة لعدد من الأصوات الإعلامية المعروفة، من بينهم مزمل أبو القاسم و*ضياء الدين بلال*، ظهرت بوضوح ملامح خطاب واحد: • تمجيد الحرب بوصفها “ضرورة وطنية” • شيطنة أي حديث عن التفاوض أو وقف القتال • تخوين دعاة السلام • تصوير الضحايا كـ “أضرار جانبية” • تسويق وهم الحسم العسكري رغم الوقائع
هذا الخطاب لا يختلف جوهريًا عن قول الفجّار:
“قتله كان فتنة وقع فيها الناس.”
إنها الكذبة نفسها، لكن بملابس جديدة.
اللعب على الجراح… السلاح الأخطر
لم يعتمد الفجّار على العقيدة وحدها، بل نفخ في الجراح القبلية التي خلّفتها حروب الردة. واليوم، يفعل إعلام الحرب الشيء نفسه: • استدعاء الانقسام الجهوي • تغذية الكراهية الإثنية • تقسيم السودانيين إلى “وطنيين” و“مشبوهين” • تصوير الهامش كمصدر تهديد دائم
هكذا يتحوّل الإعلام من ناقل للخبر إلى مهندس للعداء.
لماذا أُوقف الفجّار؟
عبد الله بن مسعود لم يُقم الحد على الفجّار لأنه “مختلف رأيًا”، بل لأنه كان يُبقي الفتنة حيّة بعد موت سببها.
وهذا هو الدرس السوداني اليوم:
الحروب لا تستمر بالسلاح وحده، بل بأصوات ترفض الاعتراف بانهيار الكذبة.
لو تُرك الفجّار، لعادت فتنة مسيلمة بلا جسد. ولو تُرك إعلام الحرب بلا مساءلة أخلاقية، ستستمر الحرب حتى بعد نفاد الجنود.
الفجّار لا يموتون… إلا بالمحاسبة
التاريخ لا يذكر الفجّار كداعية، ولا يذكر أمثاله كأصحاب رأي.
يذكرهم بوصفهم: آخر حراس الكذبة بعد سقوطها.
وكل إعلامي: • يبرّر القتل • يروّج لاستمرار الحرب • يسخر من الضحايا • يشيطن السلام
ليس شاهدًا على التاريخ، بل عائقًا أمام انتهائه.
والأمم لا تتعافى حين ينتصر طرف، بل حين يسقط آخر فجّارٍ يدافع عن حربٍ كان يجب أن تنتهي.