البرهان التقى السيسي سراً عشية انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر
راينو: وكالات
لم يعد ما يتعرض له اللاجئون السودانيون في مصر مجرد تجاوزات إدارية أو أخطاء معزولة في تطبيق القانون، بل بات، وفق نمط الوقائع المتكررة، سياسةً قائمة بذاتها. حملةٌ ممتدة من التوقيفات الجماعية، والاحتجازات الغامضة، والترحيل القسري، تُنفذ في قلب المدن المصرية، وتطال فئات يفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي، لا سيما الفارين من حرب لا تزال مستعرة في بلادهم.
في القاهرة، والجيزة، وعدد من المحافظات، تتواتر شهادات عن مداهمات مفاجئة لأحياء سودانية، وتوقيف أشخاص من الشوارع وأماكن العمل ودور العبادة، بلا أوامر قضائية معلنة، وبلا تمييز بين رجل وامرأة، أو بين مسن وطفل. كثيرون من هؤلاء يحملون إقامات قانونية أو بطاقات صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ما يجعل ما يجري أقرب إلى تعليقٍ عملي لمبدأ الحماية، لا مجرد خلل في الإجراءات.
مصر التي تقتل القتيل وتبكي في جنازته:
تأتي هذه التطورات في سياق سياسي أشد تعقيدًا. فمنذ اندلاع الحرب في السودان، وجّهت قيادات في قوات الدعم السريع، إلى جانب سياسيين سودانيين ومنظمات مجتمع مدني، اتهامات صريحة لمصر بالانخراط في هذه الحرب بل والمساعدة في إشعالها وتأجيجها؛ عبر دعم قيادة الجيش السوداني وجماعة الاخوان المسلمين سياسيًا وأمنيًا. ورغم نفي القاهرة المتكرر، فإن استمرارها في التنسيق مع السلطة العسكرية السودانية، ورفضها الضغط الجاد باتجاه تسوية سياسية، يضع سياساتها تجاه اللاجئين تحت مجهر الشك السياسي والأخلاقي.
أمننة اللجوء:
ما يجري يعكس تحوّل ملف اللجوء السوداني من قضية إنسانية إلى مسألة أمن قومي. فالتصريحات الرسمية المصرية تؤكد أن الإجراءات تُنفذ “بالتنسيق الكامل” مع السلطات السودانية، وهو تنسيق يثير مخاوف حقيقية حين يكون الطرف الآخر متهمًا بإدارة حرب دفعت ملايين المدنيين إلى الفرار. في هذا الإطار، يصبح اللاجئ موضوعًا للاشتباه لا للحماية، ويُعاد تعريفه بوصفه خطرًا محتملًا لا ضحية مؤكدة.
القانون في مهب السياسة:
وفق القانون الدولي، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية، يُحظر ترحيل أي لاجئ أو ملتمس لجوء إلى بلد يشهد نزاعًا مسلحًا. غير أن شهادات موثقة تشير إلى إعادة سودانيين قسرًا إلى مناطق حرب، في انتهاك واضح لهذه القاعدة. وتربط منظمات سودانية هذه الإعادات بمخاطر التجنيد القسري أو الاستغلال، وهو — إن ثبت — يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
صمت المفوضية:
تتعرض المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لانتقادات حادة من لاجئين سودانيين يتهمونها بالتقاعس، بل وبالتواطؤ غير المباشر عبر تعطيل إجراءات التسجيل ومنح مواعيد بعيدة تمتد لسنوات. هذا الفراغ الإجرائي يضع آلاف السودانيين في منطقة رمادية، بلا حماية فعلية، ويجعلهم فريسة سهلة للإجراءات الأمنية. صمت المفوضية أو اكتفاؤها ببيانات عامة يزيد من حدة التساؤلات حول دورها في واحدة من أخطر أزمات اللجوء في المنطقة.
عنف بلا مساءلة:
التقارير عن وفاة رجل وامرأة أثناء عمليات توقيف في منطقة المريوطية تمثل ذروة هذا المسار. ورغم خطورة الحادثة، لم تُعلن نتائج تحقيقات مستقلة وشفافة، ما يعزز الانطباع بأن الإفلات من المساءلة بات جزءًا من المعادلة.
خنق تدريجي:
لم تقتصر السياسة على الاعتقال والترحيل، بل امتدت إلى تجفيف سبل العيش: إغلاق مشروعات صغيرة، تعقيد الإقامات، إغلاق مدارس، ورفع رسوم التعليم الجامعي إلى مستويات تعجيزية. ويرى مراقبون أن هذا الخنق المعيشي ليس عارضًا، بل تمهيدٌ لدفع اللاجئين إلى الرحيل القسري، أو إلى القبول بأي مصير.
ما الذي يعنيه ذلك؟
ما يحدث للاجئين السودانيين في مصر يتجاوز كونه أزمة لجوء. إنه اختبار قاسٍ لمعنى الحماية، ولحدود السيادة حين تُمارس على حساب البشر، ولعلاقة السياسة بالأخلاق في زمن الحروب. فحين تتحول الدولة المضيفة من ملاذٍ مؤقت إلى امتدادٍ غير معلن لساحة الصراع، يصبح اللجوء ذاته جبهةً أخرى من جبهات الحرب.