اخترت هذا العنوان حتى أختزل المأساة الفكرية والسياسية التي تعيشها النُخب السودانية المركزية اليوم، بعد أن دمروا صرحهم بأيديهم وكشفوا عن ساقهم “حربهم المُدَمِرة” وحَسِبوا أن جيوش الهامش “لُجَةٌ” تستوجب الحذر من الغرق فقط، بينما هي “صرحٌ مُمَرد” جاء ليخلخل عبدة الشمس “الدولة المركزية” ويريهم حجمهم الحقيقي أمام إعجاز دولة السودان الجديد.
في هذا المشهد السريالي، أرى أن “المسيح” يرمز إلى الخلاص الوطني ويجسد أحلام الشعوب السودانية التي مَهرت قضية التحرر الوطني بدمائها، منذ خروج المستعمر وحتى تاريخ حرب الخامس عشر من أبريل، إلا أننا وبكل أسف ليس لدينا “حواريون” ليكونوا أنصارنا إلى دولة العدالة والتحول الديمقراطي الحقيقي، فهذه الأيام نعيش حالة أشبه بطقوس الوثنيين الخالية من الإيمان، ففي المشهد السياسي السوداني، تطل علينا الحوارات والمبادرات والتصريحات التي تقودها النُخب المركزية كظاهرة تستعصي على الفهم العقلاني، إذا ما قيست بنتائجها، إنها حوارات أقرب إلى طقوس تعبدية وثنية، حركات مكررة، شعارات معادة، وصلوات ماراثونية عند معبد الكاهن ” عبد الفتاح البرهان” لكنها صلوات ينقصها “الإيمان” بالقضية الأساسية، وهي، كيف نصنع دولة حقيقية لإنسان السودان المأزوم..
فالموجودون في العاصمة المُدمرة الخرطوم يصرون أيما إصرار على إعادة إنتاج الفشل، فهذا العبث الذي يضيعون فيه وقتهم الآن ينطلق من بنية فكرية ترى في “الدولة المركزية والجيش” آلهة مقدسة لا تقبل الشراكة، تماماً كفكرة التوحيد بالله، فارتداد السياسيين والمفكرين إلى دهاليز “البرهان” لشرعنة هذا الحوار الشكلي، هي أكمل صورة لقصر النظر السياسي، إذ لا يمكن أن تُعطي شرعية لمنظومة عسكرية مهووسة تريد أن تبني سلطتها على أنقاض السودان، “إنكم مسئولون”.
وهم المُفكر “المُخَلِص” في “مذبح” البنادق
تاريخياً، عانت النخبة السياسية السودانية من عجز واضح في بناء قواعد جماهيرية تمثل قضية الهامش، مما جعلها دائماً تبحث عن “رافعة عسكرية” تحملها إلى السلطة، ففي حوار “البرهان” هذا، يذهب المفكر والسياسي محمولاً بأوهامه، ظاناً أنه يستطيع عقلنة البندقية، أو إقناع العقيدة العسكرية البالية بالتخلي عن السلطة طواعية عبر طاولة المفاوضات المصنوعة، هذا البحث عن الخلاص الذي يجسد فكرة “المسيح” الذي يتوهمه المُفكر والسياسي، لن يتحقق في ظل وجود منظومة عسكرية ترى في الحكم حقاً إلهياً مطلقاً، فالذي يدور في الخرطوم هو نوع من أنواع الانتحار الفكري، فالجنرال لا يرى في هؤلاء المفكرين والسياسيين شركاء في صياغة مستقبل الوطن، بل مجرد “كومبارس” لتزيين مسرحية الشرعية الزائفة أمام المجتمع الدولي الذي يضحك عليهم، والداخل المكلوم بقصف المسيرات وانعدام الأمن والخدمات وانهيار العملة.
القابعون مع “البرهان” هناك، يفتقرون إلى أبسط مقومات الإيمان الوطني الصادق، فكيف يمكن للمفكر والسياسي أن ينخرط في حوار ليبحث عن السلام والديمقراطية، بينما الآلة العسكرية مستمرة في تفكيك ما تبقى من نسيج السودان، إنها حالة أشبه بمحاولة تطهير الماء بالنجاسة، فكل من جلس للحوار خلفكم فصلاته الوطنية باطلة، ولن تُقبل أعمالكم بالركوع إلى سلطة الحركة الإسلامية الإرهابية، وعلى المُفكر والسياسي السوداني أن يدرك أن الخلاص لا يوجد في معابد الجنرالات، بل يولد من القدرة على كسر هذه الحلقة المفرغة، والكفر الكامل بـ”آلهة السلطة العسكرية”، والعودة إلى جذور الانحياز المطلق لقضايا إنسان الهامش والمركز على حدٍ سواء في قالب مدني يمثل كافة الشعوب السودانية، ليبني شرعية وطنية جديدة ومستقلة، لا تحتاج إلى إذن من بندقية، أو تبريكات من “كاهن سياسي”.