السودان

(تخمة) مبادرات و(مجاعة) حلول: المشهد السوداني .. أين تقف الرباعية؟

تقرير: راينو

بعد مرور 1000 يوم على الحرب السودانية، ومع بزوغ فجر الثلث الأخير من يناير 2026، يجد السودان نفسه أمام مفارقة مأساوية، فبينما يفر 12.5 مليون إنسان من جحيم القتال، تزدحم الطاولة الدبلوماسية بـ “تخمة” من المبادرات التي لم تفلح سوى في إعطاء الأطراف المتحاربة وقتاً إضافياً لإعادة التشوين والتحشيد. “راينو” يبحث موقف المبادرات، وأين تقف الرباعية حالياً في ظل انتشار مبادرات موازية مثل “التشاورية” التي أنتجتها القاهرة.

تحول جوهري:

الصحفي والمحلل السياسي طاهر المعتصم يرى في حديثه لـ”راينو” أن الحراك الذي يقوده مسعد بولس يمثل تحولاً جوهرياً، وقال: “إن الحراك الذي يقوده مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، في المنطقة يمثل تحولاً جوهرياً في مسار الأزمة السودانية، مشيراً إلى أن اللقاءات المكثفة التي شملت عواصم فاعلة مثل أبوظبي والقاهرة قد أدت إلى بلورة موقف دولي جديد، قراءته تستند إلى نتائج الاجتماع التشاوري الأخير الذي استضافته العاصمة المصرية. موضحاً بأن التشاورية ليست مبادرة موازية للرباعية بتاتاً.”

وأضاف: “الاجتماع الأخير شهد انضمام أطراف دولية وإقليمية وازنة، شملت قطر وتركيا والإمارات والنرويج، بجانب جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، مما يعكس تبلور مسار جاد داخل القاهرة يسير بالتوازي مع الجهود المتقدمة التي تقودها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية ضمن ‘المبادرة الرباعية’. هذا المسار الجديد يتبنى ذات الشروط وخارطة الطريق السابقة، مستنداً في ذلك إلى تصريحات مسعد بولس التي كشف فيها عن تقديم عرض للأطراف المتحاربة وجد ‘موافقات مفاجئة’، مما يضع الأزمة السودانية أمام خط داخلي تقوده ‘الرباعية الدولية’ لسد الثغرات وبلورة موقف نهائي يهدف لإخراج السودان من أزمته المتفاقمة التي كادت أن تعصف بكيان الدولة.”

من جانبه استبعد عضو قيادة قطر السودان بحزب البعث العربي الاشتراكي وجدي صالح في حديثه لـ“راينو” اي محاولة للقفز فوق الرباعية، وقال: ” أعتقد أن الرباعية ماتزال هي المبادرة القابلة للتنفيذ وتتقدم أي مبادرات أخرى، إذ ليست هناك مبادرات حقيقية مطروحة الآن؛ هناك آليات تشاورية وأيضاً هناك اتصالات من بعض دول الرباعية بأطراف، ولكن المبادرة هي التي نالت موافقة وتأييد المؤسسات الإقليمية والدولية فهي الرباعية.

وأبان صالح بأن الرباعية حاليا مدعومة من الكل وقد صرحت بذلك كل الدول؛ المملكة العربية السعودية وحتى تصريحات وزير الخارجية المصري الأخيرة أكدت على أن الرباعية ما تزال هي الأساس الذي يمكن أن يقود إلى حل للأزمة السودانية ويوقف الحرب من خلال هدنة إنسانية ووقف إطلاق للنار، ثم اتفاق سلام شامل أو اتفاق سلام وسلطة مدنية في البلاد. مشيرا إلى أن الرباعية نالت تأييد المؤسسات الإقليمية، دعنا نقول المؤسسات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، والجامعة العربية، والدول المؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.

واضاف: صحيح هناك دول تدفع في اتجاه في سبيل (تنفيس) الاتفاقية أو المبادرة التي أتت بها الرباعية في بيانها، وأيضاً النقاط التي تقدمت بها الرباعية للأطراف كخارطة طريق لإيقاف الحرب في السودان. منوها إلى أن الرباعية قامت حاليا باشراك شركاء إقليميين ودوليين ومنهم الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والإيقاد والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة، واضاف: هذه هي المجموعة التي تتكاتف جميعها في أن تدفع بعملية السلام من خلال المبادرة التي أعلنت عنها الرباعية.”

الرباعية والـ 17 شرطاً:

وحسب متابعات “راينو”، برزت الرباعية في المشهد السوداني في وقت سابق للحرب الحالية، حيث جاءت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وكانت تهدف آنذاك للضغط لإعادة المسار المدني الديمقراطي، وهي التي هندست “الاتفاق الإطاري” الذي سبق اندلاع الحرب، وضمت حينها ذات الدول الحالية وبريطانيا بدلاً عن مصر.

أما بروزها الأخير فجاء عقب حرب 15 أبريل 2023، معتمدة على فكرة “تكامل الأدوار” عبر استخدام كل دولة من الدول الأربع أوراق ضغطها وعلاقاتها مع طرف سوداني محدد لدفع الجميع نحو طاولة التفاوض، مع الحفاظ على أمن الخليج والبحر الأحمر والمصالح الإستراتيجية الدولية.

مؤخراً، ومع أواخر العام الماضي وبداية العام الحالي، ومع وصول المبعوث الأمريكي مسعد بولس، أخذت الرباعية منحنى جديد يركز على إعادة “اتفاق جدة” للواجهة، مع محاولة تمرير شروط محددة عبر استغلال نفوذ مصر والإمارات لتليين مواقف الطرفين (الجيش والدعم السريع).

ويرى المحلل السياسي شوقي عبد العظيم في حديثه لـ”راينو” أنه “من البداية يجب استيعاب أن الفكرة الأساسية في المشهد السوداني ككل أنه لا مفر من الرباعية، لأن علاقة الدول بالملف قائمة ومتشابكة”، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية لديهما علاقة بالملف بشكل عام، بما في ذلك أمن الخليج وأمن إسرائيل، وغير ذلك. الرباعية تمثل تركيبة معقدة ومتشابكة، يصعب للغاية الخروج منها. وهذه هي النقطة الأولى.”

وكشف شوقي بأن “النقطة الثانية تتمثل في أنه حالياً توجد محاولات لتبرير مسألة الرباعية، إلى جانب اجتراح مسار داخل الرباعية نفسها، وهو المسار الذي يُفترض في نهاية المطاف أن يكون المسار السليم. وقد ارتبط هذا المسار بتحركات ‘مساعد بولس’، الذي قام بجولات مكوكية، التقى خلالها عدداً من القيادات في المملكة العربية السعودية، وعقد اجتماعاً مهماً مع كل من وزير الدفاع السعودي ووزير الخارجية السعودي في لقاء مشترك. ثم توجّه بعد ذلك إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث التقى بعدد من القيادات هناك، قبل أن ينتقل إلى سلطنة عُمان ويلتقي أيضاً بقيادات فيها، ثم اختتم جولته بزيارة إلى مصر.”

وتابع: “الفكرة الأساسية من هذه التحركات تمرير تصور يقوم على تراجع كل من الإمارات ومصر عن واجهة المشهد، والعودة إلى الفكرة الأساسية التي ترتكز على المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. ويُعد هذا التصور أقرب ما يكون إلى اتفاق جدة، الذي قام منذ بدايته برعاية سعودية–أمريكية.

غير أن تمرير هذا التصور سيتم هذه المرة عبر منبر الرباعية، مع إعادة إظهار الأجسام مرة أخرى من البداية، لا سيما وأن التصريحات التي أدلى بها مساعد بولس تؤكد أن منبر ‘السبعين’ ما يزال قائماً. مشدداً باختصار، يمكن القول إن هناك مساراً داخل الرباعية يتجه إلى أن تتولى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية مهمة التفاوض مع الطرفين.

وفي الوقت ذاته، يتم الحرص على الحفاظ على تأثير العلاقات القائمة، وذلك من خلال: الحفاظ على العلاقة بين مصر والجيش، والحفاظ على العلاقة بين الإمارات وقوات الدعم السريع، بما يسهم في تسهيل تمرير ‘الورقة’ أو الشروط التي قُدمت إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.”

كاشفاً عن أن “الشروط التي شاركت فيها مصر تبلغ سبعة عشر شرطاً، ومن أبرزها، أو أوضحها، انسحاب قوات الدعم السريع من بعض المناطق. وقد أكد الجيش بدوره أن هذا الشرط يُعد شرطاً أساسياً، وأنه لا يستطيع الدخول في مفاوضات في ظل الوضع القائم”، معتبراً أن “هذا الشرط تحديداً قد لا يمر بسهولة، أو ربما لا يُنفذ بشكل كامل، ولا سيما ما يتعلق بمسألة انسحاب قوات الدعم السريع من بعض المناطق.”

لماذا تنجح العرقلة؟

تاريخ المبادرات يكشف أن السودان ضحية لـ “نجاح العرقلة”؛ فمنبر جدة في مايو 2023 اصطدم برفض إخلاء الأعيان المدنية وفيتو الحركة الإسلامية عبر تيار وخلايا كرتي العسكرية والأمنية.

فيما فشلت مبادرة الإيقاد بـ “الدبلوماسية الهجومية” التي تبنتها وزارة خارجية النظام السابق التي جمدت عضوية السودان في المنظمة بعد التشكيك في وساطة الرئيسين الكيني والإثيوبي. أما منبر المنامة في يناير 2024، فقد تم إفشاله بـ “لعبة التسريبات” من الجناح الإسلامي للاستخبارات العسكرية للجيش السوداني والتهديد بتخوين أي ضابط يوقع.

وبحسب متابعات “راينو”، فإن الدور المصري نفسه عرقل الكثير من المبادرات السابقة لصالح الانفراد أو ايجاد موطيء قدم لها في الملف، لتواجه هي نفسها عرقلة “ناعمة” من قادة الكتلة الديمقراطية (جبريل ومناوي وعقار) الذين جاءت بهم القاهرة نفسها لإغراق العملية السياسية، وذلك لتعطيل التقارب مع القوى المدنية (“تقدم” سابقاً و”صمود” حالياً).

وتجلت هذه العرقلة في استخدام “الفيتو السياسي” ضد تمثيل القوى السياسية في أي حوار جاد؛ حيث سعى حلفاء الجيش مني وعقار وجبريل، لإبقاء المشهد محصوراً في تقاسم السلطة بين قادة الحركات المسلحة والجيش، مهددين بالانسحاب من أي مسار يفتح الباب لاسترداد المسار المدني، مما جعل مخرجات القاهرة تدور في حلقة مفرغة من “الاجتماعات الإجرائية”.

كما اصطدمت المبادرات الإقليمية بعقبة “تعدد مراكز القرار” داخل معسكر الجيش، حيث تتحكم “كتائب العمليات” التابعة للحركة الإسلامية في القرار الميداني، وتعرقل أي تفاهمات يصل إليها الوفد المفاوض، مستخدمة سلاح “التخوين” الشعبي والضغط عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

عملياً اليوم، ومع دخول “الرباعية الجديدة” بقيادة مسعد بولس وتفويض “وعد ترامب” لإنهاء الحرب، يظهر عائق جديد بحسب المراقبين، يتمثل في “اقتصاد الحرب” العابر للحدود عبر شبكة معقدة تضم كبار الضباط من الجانبين وتجار الأزمات، والذين بات استمرار النزاع بالنسبة لهم “ضرورة تجارية” لتهريب الذهب والسلاح والوقود. هؤلاء “المعطلون” يستخدمون الآن “سلاح تجويع المدنيين” ومنع قوافل الإغاثة ليس فقط كتكتيك عسكري، بل كأداة ضغط سياسي لإجبار المجتمع الدولي على منحهم “صك الغفران” والإفلات من العقاب مقابل وقف إطلاق النار. والنتيجة هي “تخمة مبادرات” وفرت غطاءً سياسياً لاستمرار القتل الممنهج وتدمير ما تبقى من السودان، بينما يقف العالم متفرجاً على أكبر مأساة إنسانية في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار